طلال سلمان

على الطريق الفقراء يستردّون عيدهم…

“فقراء، لكن لنا حصتنا في عيد رسول المحبة ونصير الضعفاء والمساكين عيسى بن مريم الناصري”،
هكذا تصرف اللبنانيون جميعاً، في المدن والبلدات والقرى ومزارع الأرياف: نصبوا الزينات، واشتروا بالقروش القليلة المتبقية هدايا (ولو رخيصة) لأطفالهم، وتبادلوا المعايدات بأن لا يحول الحول إلا وقد تبدل الحال.
تهاوت حتى الاندثار الغرائز الطائفية التي طالما استثيرت للمد في عمر الحرب، وبدا الجميع وكأنهم قد تجاوزوها بوعي مستعيدين حقيقة وحدتهم، أمس واليوم وغداً، باعتبارها حصن الأمن وضمانة السلامة العامة والاستقرار ومن ثم إعادة بناء ما تهدم من أسباب حياتهم ووسائل التقدم.
لم تكن استجابة لدعوات رجال الدين، ولا هي كانت تلبية لتوجيه سياسي من “قياداتهم”، لكن طبيعتهم هي التي أكدت نفسها وأعادت إليهم الوعي بالذات وبحقائق الحياة.
هو العيد، بقرار واع!
برغم الفقر والتعاسة واعتلال الكهرباء والهاتف، وأكوام القمامة على جوانب الطرقات.
برغم الشركات العقارية التي تنبت كالفطر وتتزايد كالأرانب وتتمدد من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب مروراً بالجبل والبقاع والقاعدة الصلبة في وسط بيروت وشركتها الملونة بحقوق المنهوبة حقوقهم بالتخمين الظالم ثم باستغلال حاجتهم لكي تستعاد منهم “الأسهم” بأرخص الأسعار.
برغم القفزة الفضائية التي قصرت عن بلوغ هدفها وإن لم تقصر عن “حصر” حق “الصعود” في من يضع سلطة الدولة في خدمة ماله الخاص.
برغم طوفان القروض التجارية والميسرة التي ترتب مزيداً من الأعباء على الأجيال الآتية، فتحكم عليها بالفقر من قبل أن تولد.
برغم طول الباع في السيطرة بل الاستيلاء على مؤسسات القطاع العام، تارة عن طريق القول بزيادة رأس المال (ولا مال إلا ماله)، وطوراً بتعيين المحاسيب والأزلام على رأس الإدارات والمؤسسات العامة بما يسهل “التخصيص” أو تسخير هذه جميعاً لخدمة الشركات القابضة، وكلها ملكه، والملك لله: والله ينعم على من يشاء بغير حساب، وطوراً آخر بمحاولة مصادرة قروض مصرف الإسكان عبر الشركات إياها أو شقيقاتها التي لا تقع تحت حصر.
برغم هذا كله، وبرغم خطة النهوض الاقتصادي التي ادت في عامها الأول إلى زيادة الأسعار بنسبة الثلث، وإلى إفقار اللبنانيين ذوي الدخل المحدود أصلاً ومفاقمة عجزهم عن توفير الضروري من أسباب الحياة، وإلى تصنيف لبنان في قائمة البلدان الأكثر غلاء في العالم.
ثم، برغم “الهدنة” التي فرضتها على الرؤساء الثلاثة (ومن معهم) قمة كلينتون – الأسد في جنيف، فعادوا بعد لقاءات دمشق وقد تعاهدوا على بلع ألسنتهم وتجميد خلافاتهم العقائدية حتى إشعار آخر.
برغم كل هذا وربما بسبب كل هذا فقد قرر “الشعب العنيد” أن يحتفل بعيد ميلاد السيد المسيح كما لم يحتفل به في أية سنة من قبل: تبارى المسلمون والمسيحيون في تزيين الشوارع والمحلات، وانتصبت “شجرات الميلاد” والمذاود في غرف الجلوس أو على مداخل البيوت جميعاً.
عجزوا بمجملهم عن شراء الهدايا، فالتفتوا إلى عواطفهم الحارة، فاكتشفوا أنها تكفي وتغني، وإن البطاقات الجميلة بالكلمات الدافئة عليها تقوم بالواجب، فالناصري لم يكن غنياً ولا هو أحب الأغنياء ولا هم قبلوه وآمنوا به إلا يوم تنبهوا إلى أن الدين أيضاً ينفع سلماً للحكم كما قد ينفع وسيلة للاحتكار والاستغلال وجني الثروات، وإن “لصوص الهيكل” يمكنهم أن يستمروا، في نهب الناس إذا هم تاجروا بمظاهر التدين، وهي إجمالاً غير مكلفة!ّ
إنه العيد، إذن، بقرار واع!
هو كذلك في بيت لحم، حيث ولد الناصري، برغم اتفاق غزة – أريحا، حيث ارتفع العلم العربي الذي أعطي لفلسطين توكيداً لهويتهم، بغير التفات إلى ما يدور في كواليس المفاوضات حول المفاوضات على المعابر و”الحدود” والمستوطنات والأمن الإسرائيلي.
وهو كذلك في بيروت التي يعرض قلبها للبيع لكل قادر على الشراء، مع إغراء بأنه إنما يشتري مع التاريخ حقوق المالكين والمستأجرين وسائر من كان يعيش بعرقه في “الوسط التجاري” لأميرة العواصم العربية وعروس البحر الأبيض المتوسط.
إنه عيد الفقراء،
إنه عيد الذين لا يجدون لهم نصيراً إلا الله ورسله والأنبياء.
والفقراء هم ملح الأرض، وهم مصدر المجد وصناعه، أما الحكام فإلى زوال مهما عظموا في نظر أنفسهم والمنافقين.
وكل عام وملح الأرض بخير.
أما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض… مع المستضعفين في الأرض.

Exit mobile version