طلال سلمان

قمة على تخوم الخطر

 

حتى لو لم تكن زيارة الرئيس الإيراني محمد خاتمي إلى دمشق للقاء الرئيس السوري حافظ الأسد مقررة أصلاً، لتوجب أن تتم في هذا الوقت بالذات،
إنه لقاء يتم في موعده تماما: على تخوم الخطر، وعشية تحولات لا بد ستحدث، وإن كان يصعب حصرها، نتيجة انفجار قلب أوروبا بحرب البلقان الجديدة، وهي حرب أميركية القرار والقيادة والأهداف، مع أن ضحاياها جميعاً من الأوروبيين الذين جمع إليهم »خطأ التصويب« الصين وربما بعض »المتطوعين« من ذوي »الملامح الشرق أوسطية«!
الهموم ثقيلة جداً الآن. ولعل الرئيسين المجتمعين في ظلها في دمشق اليوم بين الأقدر على مد البصر إلى أمام، ومحاولة اختراق دخان الحريق الهائل الذي وصلت نذره إلى سماء المنطقة، وتأمين حماية الذات من التداعيات المنطقية لهذا الزلزال العنيف الذي قد يؤرخ لمرحلة جديدة ومختلفة كلياً عما كان وأنشئ تمهيداً للعالم الأميركي الجديد.
وبين أبرز النتائج التي لا يمكن إغفالها أو القفز من فوقها أن القطب الكوني الأوحد قد صادر بقوته مواقع الشرعية الدولية فعطلها مستبقياً أختامها بيده ليزوِّر بها الأسباب والنتائج جميعاً، وليغدو بقوة الأمر الواقع المرجعية الوحيدة لشؤون الحرب والسلام والتقدم والتخلف، الازدهار الاقتصادي أو الإفلاس، في العالم كله.
ليس أدق في القراءة، وأقدر على استخلاص النتائج، من هذين الرجلين المجتمعين في دمشق: حافظ الأسد، القائد الاستراتيجي بامتياز وصاحب التجربة العريضة في المواجهة والصمود واستشفاف التحولات، والسيد محمد خاتمي، الابن الشرعي المستنير لآخر وأعظم الثورات الشعبية في هذا القرن المقترب من ختامه، وهي الثورة الإسلامية في إيران.
وبالتأكيد فإن أول ما سيلتفتان إليه وهما يستعرضان التداعيات المفترضة لانفجار قلب أوروبا بالحرب الأميركية في البلقان، هو آثار استعراض القوة، من خارج الشرعية الدولية وعلى حسابها، على أوضاع هذه المنطقة المحاصرة بالعقوبات الأميركية والتهديد المفتوح وبالتفوق العسكري الإسرائيلي المعزز بتحالف معلن ومؤكد يوميا مع الولايات المتحدة الأميركية، لا يُنقص منه ولا يعدِّل فيه الرفض الإسرائيلي الدائم ليس فقط لقرارات الشرعية الدولية، بل كذلك لاتفاقات التفريط او الإذعان العربي الموقعة تحت الرعاية الأميركية على مستوى الرئيس وفي حديقة البيت الأبيض ذاته.
فالطائرات الحربية الأميركية والبريطانية تزدحم في سماء منطقتنا هذه، وتغير يومياً وتقصف العراق وتقتل فيه أطفالاً ونساءً وشيوخا، وتدمر منشآت، حتى مع غياب المقاومة و»أسباب الاستفزاز«… بل لعلها قد أجرت تدريباتها الأولية هنا وقبل أن تنتقل لتحيل سماء يوغوسلافيا وأرضها الى جحيم.
كذلك فإن الطائرات الحربية الإسرائيلية، وهي أميركية أساسا، لا تغيب عن سماء لبنان، وهي تغير يوميا وتقصف »أهدافا«، غالبا ما تكون بشرية، في جبل عامل أو في أنحاء أخرى بعضها على التخم مع دمشق.
لا مجال للشكوى والاحتكام إلى مرجعية شرعية دولية، أو الى »حلفاء« أقوياء تشدهم الى العرب والإيرانيين المصالح الحيوية وأولها حماية الذات من الهيمنة الأميركية، وضرورة وضع حد لمخاطر التوسع الذي ينطوي عليه المشروع الإسرائيلي.
لا بد من الاعتماد على الذات، ومن التحالف المتين بين من يجمعهم الخطر، كما تقرب بينهم المصالح المشتركة، سياسيا واقتصاديا وثقافيا،
ولا بد من التخفف من التمايزات العقائدية أو من الخلافات التي تتخذ من »الأصولية« ستارا، أو تلك التي قد يستولدها تقديم الثانوي أو الفرعي على أساس الموضوع، فيعكر علاقات الجيران، ويوفر للأجنبي فرصة الدخول مستغلاً نوازع حماية الذات، كما في موضوع الجزر الثلاث مع دولة الإمارات العربية المتحدة.
وبالتأكيد فان هذا اللقاء النوعي، والذي من شأنه ان يشكل نقطة تحول في مسار الاحداث في منطقتنا، خصوصاً وان المملكة العربية السعودية مشاركة فيه فعلا، لا بد ان يأخذ باعتباره عودة اسرائيل الى المسرح، بعد فراغها من انتخاباتها، مستفيدة من »تصحيح« علاقاتها بالولايات المتحدة الاميركية، لا سيما اذا ما تمكن التأييد الاميركي المعلن من رفع ايهود باراك الى سدة الحكم في تل ابيب.
ولسوف يكون لبنان »حاضراً«، وبقوة، في هذا اللقاء النوعي، ليس فقط من خلال علاقاته المميزة بسوريا، ومن خلال علاقاته الطيبة مع ايران، ولكن ايضاً من خلال انه سيكون على الارجح المسرح النموذجي لمناورات باراك، الآتي الان بالتزكية الاميركية الصريحة، بوصفه الرجل الذي سيتقدم لاحياء »العملية السلمية«، ولو عبر التلويح بالانسحاب من لبنان خلال سنة واحدة، كمدخل لا يمكن رفضه بالمطلق، للفصل بين المسارين اللبناني والسوري، ولتشديد الضغط على الطرف الفلسطيني ليبتزه تنازلات تذهب بما تبقى من وعود وتعهدات واتفاقات حول »الحل النهائي« بما فيه ضمناً مصير القدس الشريف.
ان قمة دمشق محطة مهمة جداً وفي لحظة تكاد تكون فاصلة.
وهي مؤهلة لان تشكل مظلة حماية للمنطقة، خصوصاً وانها تجمع الى دمشق وطهران الرياض، وربما القاهرة وعواصم عربية اخرى سوف يدفعها الخطر وسقوط الاوهام الى الرجوع الى الحقيقة البسيطة القائلة: لن يموت احد من اجل الدفاع عنك، ولن يحميك ضعفك ابداً، ويستحيل ان يجيء القوي بل الاقوى ليعمل جندياً مرتزقاً عند الضعيف المعتد بثروته وكأنها ضمان ضد المخاطر بينما هي قد تتحول الى جلابة ومصدر للمخاطر.
وخلافاً لنصائح السفير الاميركي في بيروت، وتطميناته التي لا يجرؤ على اطلاق مثلها رئيسه بيل كلينتون، فان لبنان معني جداً، وهو طرف فعلي في قمة دمشق، بدولته وليس بمقاومته الباسلة فحسب،
فلبنان، كما وصفه الرئيس الايراني، مرة، هو »عروس الثقافة والحضارة، ونريده مرفوع الرأس.. ولبنان لوحة جميلة، وشعبه يحارب عن الدول العربية«.
ان لبنان يحارب عن العرب، مستظلا بدعم سوريا،
ولكنه لا يمكن ان »يسالم« وحده، هذا اذا ما افترضنا ان هناك مشروعاً لسلام ما، في ظل التفوق الاسرائيلي، والهيمنة الاميركية التي انتقلت الى تأكيد نفسها الآن بالحديد والنار وليس فقط بالدولار والمخابرات وأسواق المال والسيطرة على وسائل التقدم الاقتصادي بل العلمي عموماً.

FacebookTwitterEmailWhatsAppShare
Exit mobile version