أكثر ما يكون الاحتلال فصاحة حين يحاضر عن الأخلاق ويدّعي الحرص على المشاعر الإنسانية.. ولقد أضافت الإدارة الأميركية جديداً إلى التراث الإسرائيلي المتميّز في هذا المجال.
فالإرهاب يمكن أن يكون بالجثث أيضاً.
هكذا وعلى مدى ثلاثة أيام فرضت الإدارة الأميركية على العالم كله، والعرب خصوصاً والعراقيين بالذات، نقاشاً فقهياً حول »الشرعية« أو »الأخلاقية« في نشر صور الجثث المشوهة للمقتولين برصاص احتلالها… إلى أن أفتى »المشرّع« الأكبر، دونالد رامسفيلد، بأن نشر الصور البشعة لجثتي عدي وقصي صدام حسين إنما يخدم الغرض الأصلي للاحتلال، أي إرهاب العراقيين، فأزاح الاعتبارات الإنسانية والأخلاقية وأمر بالنشر.
لا يهم أن العالم قد تحقق باليقين من كذب الذريعة الأميركية (والبريطانية) الأساسية التي استخدمت لتبرير العدوان على العراق، وهي امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل.
.. وهي ذريعة قد سقطت »جثة هامدة« بعد أن قرّر ذلك الموظف البريطاني الشريف ديفيد كيلي، إنهاء حياته، فانتحر لعله بذلك يحمي سمعة بلاده (لا حكومتها!!)..
ولا يهم أن تكون الإدارة الأميركية (وبالتواطؤ دائماً مع الحكومة البريطانية) قد اتخذت قرارها بشن الحرب على العراق من خارج الشرعية الدولية، وأنها فرضت بالإرهاب الذي مارسته على الدول جميعاً، الصديقة منها والحليفة قبل المحايدة، ابتلاع اعتراضاتها، أو »بيع« موافقتها في المزاد العلني (عملية إعادة بناء العراق)..
ولا يهم أن تكون الإدارة الأميركية قد استخدمت في احتلال العراق التدمير المنهجي للمرافق الحيوية كمحطات الكهرباء والمياه والمستشفيات والمؤسسات والإدارات الحكومية (ما عدا وزارة النفط!!) بالصواريخ بعيدة المدى الموجهة بالأقمار الصناعية وبالقنابل النووية »النظيفة«!! وبالقذائف ذات الزنة الاستثنائية (طن فما فوق).
لا يهم أن تكون جحافل الغزو قد أبادت بأسلحتها هائلة القدرات فرقاً عسكرية كاملة، وأن تكون قد أقامت معسكرات اعتقال لألوف مؤلفة من »المشتبه بهم« في قلب الصحراء، ذات صيف عراقي طويل..
لا يهم أن تكون قوات الاحتلال قد سمحت بنهب كنوز المتحف الوطني وتدمير التماثيل حافظة الحضارة الإنسانية، وبإحراق دار الكتب الوطنية التي كانت تحتضن التراث الثقافي الأعظم عراقة في التاريخ البشري..
كل ذلك إنما تمّ من داخل الأخلاق وباسمها، وهو لا يؤذي مشاعر الناس، داخل العراق وخارجه، أما نشر صور الجثتين فأمر يحتاج إلى نقاش أخلاقي!
الأفظع أن خلاصة النقاش الأخلاقي هو الأمر بالنشر حتى يكون المقتولان عبرة لمن يعتبر، وحتى يصدق العراقيون أن سيف الاحتلال طويل، وأن جنوده لا يتورعون عن قتل من كانوا بحكم الأسرى، محاصرين بمئتي جندي وعشرات المصفحات والحوامات، والمخبرين!
الإرهاب بالجثث هو أعلى درجات الإرهاب!
لقد صادر الاحتلال الأميركي بإرهابه كل ادعاءاته أو ما تبقى منها، وبينها أنه إنما تجشم عناء اجتياح العراق لتخليصه من حاكمه الطاغية وتمكينه من بناء حكم الديموقراطية والعدالة وحقوق الإنسان.
لقد قتل الاحتلال الأميركي فرصة المحاكمة العادلة لنجلي الطاغية، وهي محاكمة كانت في غاية الأهمية للعراقيين الذين عاشوا مظولمين دهراً، فلما جاءت »فرصة« لمحاكمة الظالم جاء من هو أظلم منه فاغتالها!
وهكذا صادر الاحتلال الأميركي فرصة الشعب العراقي في أن يعرف الحقيقة، وفي أن يحاكم عهد الطغيان ويحكم عليه وعلى بعض إنجازاته الباهرة ومنها أنه وفر الذريعة للإدارة الأميركية لكي تفرض هيمنتها وبالقوة العسكرية الآن على المشرق العربي كله وما جاوره من أقطار.
* * *
هل هي المصادفة فقط التي تجمع أقله بالتوقيت بين إرهاب العراقيين بالجثث، وإرهاب السعوديين بطمس 28 صفحة من التقرير الذي أجراه الكونغرس حول هجمات 11 أيلول، بقصد مقصود للإيحاء بعلاقة »المملكة« بهذه التفجيرات وابتزازها سياسياً إلى حد إلغاء دورها، ومالياً حتى آخر قطرة في احتياطات نفطها وآخر ريال في خزائن حكّامها؟!
… ومن قبل السعودية كانت الإدارة الأميركية قد مارست الابتزاز بالإرهاب مع السوريين لتمنعهم من الالتفات ولو بالتعاطف إلى أخوانهم العراقيين ومن تقديم أي عون أو توفير ملجأ ولو مؤقت للعائلات الهاربة من جحيم الاحتلال الأميركي لبلادهم التي هوى نظامها الدكتاتوري عليهم، بغير قتال تقريباً؟!
… ومن قبل السعودية، ومع سوريا كانت إيران هدفاً للابتزاز بالإرهاب الأميركي حتى لا تفتح حدودها للهاربين من نيران الاحتلالين: الأميركي والبريطاني.. فضلاً عن ميليشيا صدام..
ومن قبل السعودية، ومع سوريا وإيران، كانت تركيا هدفاً للابتزاز بالإرهاب، خصوصاً بعدما امتنعت عن تقديم أرضها كمنطلق لقوات الاجتياح، أو عندما حاولت »ربط النزاع« حول دور تدّعيه في شمال العراق، بزعم أن أكراده قد يهددون أمنها القومي.
* * *
أكثر ما يكون الاحتلال فصاحة حين يحاضر عن الأخلاق ويدّعي الحرص على المشاعر الإنسانية..
أليست هذه هي حال شعب فلسطين مع الاحتلال الإسرائيلي!
القتل اليومي ليس بشعاً، وليس عملاً منافياً للأخلاق. لكن نشر صور القتلى عمل غير أخلاقي!
إرهاب الدول المحيطة بفلسطين، من مصر إلى لبنان وإلى سوريا، فضلاً عن »تطويع« الأردن، أمر مشروع، وأخلاقي، وقانوني وإنساني..
محاصرة رئيس منتخب شرعاً، وتمزيق المدن إلى أحياء مسوّرة، وتقطيع أوصال الضفة الغربية، وعزل كل قرية عن الأخرى، ومصادرة الأراضي للمستعمرات اليهودية، وإقامة جدار بامتداد الضفة »يسرق« منها معظم الأرض الصالحة للزراعة أو للبناء.
نسف المنازل، على مدار الساعة، الاعتقال الجماعي بغير محاكمة، فرض الإقامة الجبرية على مجموع الشعب الفلسطيني، اقتلاع الأشجار، والسجن الكيفي المديد لبضعة آلاف من شباب فلسطين.
كل تلك أعمال أخلاقية، يجد الرئيس الأميركي جورج بوش عنده من الفصاحة ما يكفي لتبريرها، بغير اعتراض جدي من ضيفه الموقر، الخارج بإذن إسرائيلي وفي مهمة إسرائيلية، وإن كان عنوانها فلسطينياً، رئيس حكومة اللامكان: أبو مازن محمود عباس.. شاهد الزور في البيت الأبيض حيث تنبت الأخلاق والشرعية وقوانين العدالة الإنسانية..
أما النقاش فيحتدم قانونياً وإنسانياً حول جواز أو عدم جواز نشر صور الجثتين المنخورتين بالرصاص والمشوّهتين لعدي وقصي صدام حسين..
.. ثم توضع الاعتبارات القانونية والإنسانية على الرف، وتقدم عليها ضرورة إرهاب الشعب العراقي، وإقناعه، بل إفحامه باندثار عدي وقصي صدام حسين.
التبرير أقسى من الواقعة: إنه شعب لا يمكن تدجينه إلا بالقتل!
والتراث الأميركي غني في هذا المجال، بدءاً من المذابح ضد الهنود الحمر، إلى الاقتتال على الذهب، إلى التشوّق لرؤية الإعدامات في الميادين العامة، إلى تحريض المصارعين أو الملاكمين أو المتبارين في أي مجال بالتعبير الراقي: »أقتله! أقتله!«! أليست تلك حضارة راعي البقر؟!
لقد استخدم الاحتلال تراثه »الوطني«: من صيادي الجوائز، إلى العملاء والجواسيس المزروعين سلفاً، إلى القتل على الشبهة، إلى القتل العمد بدم بارد، كما حصل مع ذلك النفر الهارب من ذنوبه، المحاصر في بيت شيخ قبلي فاسد الذمة في بعض ضواحي الموصل.
* * *
الاحتلال أعلى درجات الإرهاب: ماذا أكثر من إرهاب شعب بكامله، نساءً وأطفالاً وشيوخاً ورجالاً وشباناً كانوا يعدّون أنفسهم لمستقبل أفضل في بلادهم؟!
والاحتلال يساند الاحتلال من فلسطين إلى العراق وبالعكس،
أما المقاومة فهي الإرهاب المطلق!
والحمد لله أن الاحتلال لم يوجه إلى عدي وقصي »تهمة« الانتماء إلى المقاومة، ولم يبرّر قتلهما بها، كما برّر »خيانة« مضيفهما فاسد الذمة بالجائزة ذات الأرقام الفلكية، فجعل نفسه شريكاً في عملية أولها إفساد وآخرها إفساد.
… وفي انتظار النقاش الأخلاقي والإنساني المقبل، تتكامل تدريجياً كلمة العراق في الاحتلال الأميركي وإرهابه المفتوح على امتداد الوطن العربي بالتواطؤ والتكامل مع الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين.
أليس الاحتلال ولادة المقاومة للتحرير؟!