طلال سلمان

هوامش

بالألماني: أما آن لهذا الفارس أن يترجل؟!
يبكي العراقيون ولا يموت العراق.
تنوح العراقيات وتحمل ريح الشمال النواح فيلجأ الجنوب الى بيداء الصبر حتى ينتهي الطوفان.
انهم يقتلون العراق طفلاً، ويوجهون إلينا الدعوات لنشارك في تشييعه.
إنهم يئدون العراق في بيداء الرعب وهوة النسيان!
إنهم يختصرون العراق في صورة، تمثال، ونشيد للذي حرّم على العراقيين الحب والغناء وزهو الشباب ومجون أبي نواس.
على المشانق تتدلى أشلاء الرشيد والأمين والمأمون، ودار الحكمة.
ودجلة يفيض بالكتب التي لن تجد غداً من يقرأها.
أهل السواد يتسولون القمح والبقول والسكر والزعفران.
وبغداد التي علّمت الشعر لا تجد قلم رصاص لديوانها الأخير.
والعرب ينظرون بعيون فارغة من الدمع والبصر، ثم يُخرجهم الخوف من عروبتهم فينكرون انهم هم، وانه منهم، وانهم ان ضاع ضاعوا وان استعادوه عادوا الى وعيهم والحياة.
لمعاقبة الجلاد حكموا على العشرين مليونا بالموت.. ذلاً وجوعاً.
لن يموت العراق جوعاً. لكن العرب، بإجمالهم، ينسحقون قهراً ومهانة حتى الموت.
لن يندثر العراق مهما اشتد حصاره الوحشي، من الداخل والخارج، حيث يحاول النظام العالمي الجديد تعليم الشعوب المقهورة، الديموقراطية، ويمهّد لها الطريق لدخول العصر.
ليس العراق من زجاج، فلن ينكسر، وليس شعبه قطيعا من النعاج، فلن يندثر ولن يبقى في القيد إلى الأبد!
أرض السواد ستظل قادرة على أن تُطعم أهلها، فلطالما أطعمت أمماً.
وبلاد الرافدين ستبقى بشعبها ولشعبها، وبأمتها ولأمتها، ولن تأخذها منا قوات التحالف الدولي، ولن تخضعها الهيمنة الأميركية للمشروع الإسرائيلي، ولن تنجح المخابرات المركزية الأميركية في إبدال طاغية بحفنة من العملاء الذين يلتقون على حفنة من الدولارات ثم يفترقون ويحتربون عند قسمتها!
أننا ننسى العراق، ونهمل شعبه، ونكتفي عند ذكره بإبداء التحسر واللوعة، وقد نزيد فنصب اللعنات على حاكمه، ونحرق ولو في الفكر العلمين الأميركي والبريطاني، وقد نضيف إليهما العلم الإسرائيلي، ثم نتركه لقدره… ولسنا نملك أكثر من ذلك طالما اننا وفي كل قطر من أقطارنا متروكون لأقدارنا!
أما غيرنا فيعمل، فإن عز العمل فإنه يتخذ موقفا.
وخلال أسبوع واحد تلقينا درسين معبرين من أجنبيين تصادف أنهما ألمانيان:
في البداية استقال المنسق الدولي للشؤون الإنسانية في العراق وهو الألماني هانس فون سبونيك »لفقدانه الأمل في تحسين معيشة العراق«.
ثم استقالت ممثلة برنامج الغذاء العالمي الألمانية جوتا بورغهارت، احتجاجا على استمرار الحصار الدولي الذي يغتال أطفال العراق، وبعدهم رجاله والنساء.
ومن قبل كان قد استقال الإيرلندي دنيس هاليدي، احتجاجا على استمرار الخلط بين الاهتمامات ذات الطابع المدني والمناقشات الخاصة بنزع السلاح.
خلاصة موقف هؤلاء الأجانب الذين لم يصنفهم أحد مناضلين، والذين يعملون بالأجر (المحترم) لحساب الأمم المتحدة، والذين لا تربطهم بالعراقيين رابطة التاريخ أو اللغة أو الدم أو المصير المشترك: بلغنا مرحلة لا يجوز معها أن نبقى صامتين، ويجب أن تنتهي مأساة هذا الشعب!
إذا كان الصمت غير جائز بالنسبة الى موظفين أمميين، لا ينتمون إلى أرضنا ولا تربطهم بنا غير رابطة الإنسانية والضمير، فهل الصمت جائز عربياً؟!
أما آن لهذا الفارس أن يترجل؟!
أما آن لهذه الأمة المحكومة بالخرس أن تعرف الكلام وان تقول؟!
أم أن نظم قصائد الرثاء أسهل من مواجهة الظالم والمحتل؟!
ثم… أليس غياب العراق بعض السبب في تفاقم المأساة التي يعيشها العرب خارج العراق، لا سيما بلاد الشام؟!
متى تدوي الكلمة القرار؟!
متى نستعيد وعينا، ونستعيد هويتنا، ونستعيد قرارنا تمهيدا لأن نستعيد أرضنا وحق العيش بكرامة فوقها؟!
متى نكون »نحن«؟!

كيف تهرب بأبنائك من التزوير والتشوه والغناء بالجسد؟!
قالت السيدة: أعرف اننا نعيش في زمن الانتكاس والهزيمة والردة عما عرفناه وألفناه وتربينا عليه. ان مشكلتي الفعلية ليست في أن أنشئ من أبنائي أبطالا، ولكن ان أحمي إنسانيتهم، ان أحمي لغتهم، تذوقهم للجمال، أن أحمي آذانهم، عيونهم، مشاعرهم من التشوه، ان أحمي إحساسهم باللون، وذائقة الشعر فيهم. كيف يكون واحدهم إنساناً إذا لم يحاول الشعر، ولم يسبح في بحر نغمه، ولم يسافر مع رهافة الإحساس الى الحب؟!
لم أجد ما أقوله، فأكملت السيدة تقول:
أخاف على أبنائي نقص الحب.
إنني أتابعهم يكبرون فيتعاظم خوفي عليهم من هذا التشويه المنهجي للمفاهيم والقيم والمشاعر والأحاسيس التي من دونها يخسر الإنسان نفسه، ويتحول الى مخلوق أشوه لا يعرف لنفسه اسما أو هوية أو قضية.
انهم لا يحبون لغتهم التي لو عرفوها لعشقوها.
وهم يكرهون السياسة لأنهم لا يحترمون السياسيين، وأراهم في بعض الحالات يقتربون من منطق العدو لتماسكه وشيوعه وتبرع بعض أقلامنا وموجهي الرأي العام في نشره واعتماده وتبنيه من دون تدقيق!
وهم لم يتيسر لهم ان يتعرفوا إلى الفن. أخذتهم الصرعات بعيدا عن المعرفة. الجاهز أقرب الى التناول ولا يتطلب دراسة أو جهدا أو غوصا في تاريخ الفن وإبداعاته الخالدة، رسما ونحتا وهندسة وغناء وموسيقى.
حتى الرياضة لا يعرفون منها إلا الأخشن والأبعد عن العقل وعن أعمال الفكر واعتماد العلم.. أو الأغلى من الرياضات التي تحظى بملايين الملايين من الدولارات دعما وترويجا وإعلانا.
حاولتُ تهدئتها، فبدأتُ بتعداد الأعذار التي لا بد من لحظها لفهم واقعهم، مدركا انني لا أضيف جديدا… فانفجرت تقول:
يا سيدي ان كل ما يرونه، في الحياة العامة، مزور. حتى الرقم مزور! السياسي دجال، من خلال تجربتهم، والعسكري مرفه وصاحب امتيازات مع انه لا يقاتل، والجامعة يحتشد فيها أصحاب الشهادات المزورة، والمناصب فيها حصص للطوائف والمذاهب، والألقاب العلمية تدل على النفوذ والبحبوحة أكثر مما تعبر عن الكفاءة وسهر الليالي طلبا للعلم.
أردت مجدداً أن أنسب حالة شبابنا الى ظاهرة عالمية تكتسح الدنيا شرقا وغربا، تمهيدا لأن نفترض معها انها »موضة« لن تعيش الى الأبد، وان ثورة التقدم العلمي والتقني لا بد سترسي نظام قيم جديدا، فعادت تقول وقد تعاظمت ثورتها:
خذ الفضائيات، إجمالا: بماذا تفيد شبابنا؟ انها تنتقل بهم بين أنماط من الغناء الرديء الكلمات والألحان، ومواعظ يلقيها غلظاء من رجال الدين الجهلة غالبا، موضوعاتها عموما ممجوجة ولا علاقة لها بالحياة وبأبناء الحياة الجديدة، إن اتبعتَها خرجتَ من العصر، وان أنت عصيتها اتُّهمتَ بالمروق من دينك! ثم هناك برامج الجوائز التي يتهافت عليها الآلاف ليس فقط لكي يربح واحدهم بعض القروش، بل ليثبت انه »متفوق« في لا مجال للتفوق فيه من رداءة الموضوع الى تفاهة المقدم أو المقدمة.
لكنه زمن آخر، ثم ان معظم هذه البرامج يقع في خانة الترفيه..
قالت وهي لا تسمعني: في زمن ثورة الاتصالات لا نجد ما نصدره إلا سيقان فتياتنا وصدورهن شبه المكشوفة. وفي زمن التقدم العلمي المذهل نقدم برامج تحتقر العقول وتعطي الجهل جوائز بالدولار!
هدأت قليلاً ثم ختمتْ »مونولوغها« بالقول:
عندما يصبح الغناء بتفاصيل جسد المرأة فلا ضرورة للأذن عند المستمع. ان المطربة تبدل في أغنيتها الواحدة عشرة أثواب أو أكثر، وتكاد تبرز مفاتنها الأمامية والخلفية جميعا.. وقارع الطبل شريك أساسي، بل لعله أهم من الملحن.. لذا فإن الجمهور يسمع بأقدامه.
أين العود؟ أين القانون؟ أين الناي؟ أين الكمان الذي يناغي؟ أين الحس؟ أين الروح التي تسري في النغم؟!
ان مطربي هذا الزمن ومطرباته لا يغنون إلا بعد أن يضمنوا إشغال العين والغرائز جميعا وإنهاك السمع، بحيث تنعدم علاقتهم وعلاقة المستمع باللحن والصوت والأداء.
أفهمتَ لماذا أخاف ان أربي مسوخا؟ ولماذا ترعبني صورة الغد إذا كانت هذه »القيم« و»المفاهيم« و»الأذواق« هي التي تصنع رجاله وتنشئ نساءه؟!
الهجانة لا تصنع انتصاراً. ويْلي من الهزيمة الآتية؟

اتخذت من عينيك سكناً
تسري الكلمات بقدمي المسيح فوق الصفحة المغرورقة بالدمع لبحيرتي البنفسج والياسمين.
تنداح اللهفة بيدرا من التشهي، وتتسلل الرغبة عبر التحوط، ويخترق الشبق المكبوت الأسلاك الشائكة للخوف من الخطيئة، ولا يبقى غير بكاء الخلاص ملجأ ومخرجا للنجاة.
تخرج يدها من تحت طيات الثوب وكأنها تسلخها عن جلدها.
لا تمنح اليد نفسها لغير اللمسة الحرام.
ولا العين تجهر باعترافاتها لغير صمتك حتى يمتلئ بها فيكاد يفيض غناء.
تسرح في المروج بزرقتها المخضوضرة وقد نداها الحرمان.
لكن التساؤلات المفزعة تنبت شوكا يكاد يجرح المقلتين.
لماذا ينسدل الثوب قاتما، مقفلا، طويلا ومسدودا كمدفن للصبا والجمال والأمل المنشود.
يطول الثوب، يطول الانتظار، يطول زمن الصبر، يطول التشوق إلى معرفة الذي يُشتهى ولا يُطال. يطول الصراع بين الرغبة في التدفق والسد الحاجر على المرأة حتى تطوف فتجرف كل الملائكة المتفرغين للاشيء.
تعوزك اللغة؟!
ولكن الآلهة البلا مأوى قد اتخذت من عينيك سكناً، من يديك المحجوبتين، من الثوب الطويل الذي ينسدل ليلاً فوق صبحك واللغة التي تحاول ان تقول فيُعجزها الخوف عن البوح.
العبد عاشق والآلهة معشوق، والتبادل استحالة.
والعشق الإلهي وحيد الاتجاه، فمن يروي حديقة الصيف التي تتشهى المطر؟!
القرب انطفاء والبعد احتراق، ولطهر الانتظار جحيم مفتوح للأبالسة، يخفف وقع الموت ولا يلغيه..
هل إن أنا رميت نفسي امتدت إليّ يدك تأخذني فتنزلني الى حمى اللهاث حتى أغشى فلا أفيق؟!
الرحمة، الرحمة، يا ملجأ الخطاة. احشرني بينهم، فأنت الحب، المصدر والمآب.

من أقوال »نسمة«
قال لي »نسمة« الذي لم تُعرف له مهنة إلا الحب:
ليس الحب نمراً من عسل، وليس رحلة في الجنة، أو إليها. إنه الحياة، بمشكلاتها وهمومها ومصاعبها. لكنه مصدر الأمل بالقدرة، ومصدر القوة على المواجهة. وأنا مع حبيبي أحس انني أقوى من هرقل وأغنى من قارون، وان سعادتي تفيض عني بحيث أتمنى ان أشرك فيها الناس جميعا. بالحب نحيا، ومن دونه نعيش، فقط نعيش.

Exit mobile version