طلال سلمان

هوامش

I ـ السطر الأول في كتاب الثورة: إرفع رأسك يا أخي!
كنا فتية، بعد، حين طرق أسماعنا اسم جمال عبد الناصر، لأول مرة، مسبوقاً بالرتبة العسكرية الموروثة من زمن السلطنة العثمانية: البكباشي، كعنوان للثورة التي أسقطت عرش فاروق في مصر، لتقيم الجمهورية.
ولأننا كنا، في لبنان، ننام على اسم ضابط قاد انقلاباً في سوريا لنفيق على اسم لضابط آخر قاد انقلاباً جديداً بشعار فلسطيني وادعاءات ثورية، فقد اعتبر أصحاب الخبرة من كبارنا أن القاهرة ستلحق بدمشق كعاصمة للتبديل المتواتر في مركز القرار تحت شعارات حماسية طنانة تدوي في فراغ العجز المهين عن مواجهة العدو الإسرائيلي.
ذلك أن جيلنا قد وعى الدنيا على دوي كارثة الهزيمة في فلسطين، فباشر الاقتحام بالأسئلة القاسية: لماذا؟ ومن المسؤول؟ وكيف تستطيع العصابات الصهيونية (شتيرن والهاغاناه) وغيرهما.. ان تهزم مجموع «الجيوش» العربية التي أوفدها الحكام، على عجل، إلى ساحة المعركة؟
وسيمضي بعض الوقت قبل أن يصارحنا آباؤنا بأن الجيوش العربية لم تكن جيوشاً، بل بضع كتائب ناقصة التجهيز والتدريب، غير موحدة لا في الخطة ولا في القيادة، وأن آلافاً من الشباب العربي ـ من سوريا ولبنان والأردن وحتى من بعض أقطار المغرب ـ قد جاءوا متطوعين، وهم مدفوعون بحماسة عظيمة ولكنها لا تعوّض جهلهم بميدان المعركة ولا بطبيعة «العدو» الذي جاءوا لمواجهته بسلاحهم الفردي وذخيرتهم الفقيرة وانعدام القيادة الموحدة في الخطة والقرار.
… ولسوف نعرف، في وقت متأخر، أن «العصابات» التي كوّنت، من بعد، الجيش الاسرائيلي، إنما تضم نخبا من القادة العسكريين والجنود الذين تم تشكيلهم وإعدادهم على هامش العمليات العسكرية لجيوش الحلفاء وبالذات في أوروبا الغربية وبعض المشرق، ثم أرسلت إليهم أطنان من الأسلحة تضم الطائرات الحربية والدبابات والمصفحات، فضلاً عن القادة الخبراء بجغرافيا المنطقة، والقدرات العسكرية لدولها التي كان معظمها ما زال تحت الانتداب الأجنبي أو تحت الاستعمار المباشر، في حين أن عددا محدوداً كان قد حقق جلاء الجيوش الأجنبية ليجد كيانه هشاً بلا قدرات وليس له من «الدولة» إلا العلم والنشيد الحماسي.
وهكذا فإن «العصابات» كانت عنوانا لدولة استولدها الغرب والشرق معاً قوية، قادرة، غنية بالامكانات والكادرات المؤهلة للبناء في مختلف المجالات العسكرية والإدارية والمالية والفنية، في حين ان «الجيوش» العربية لم تكن جيوشاً بأي معيار، وقد أوفدها الحكام بدافع الحرج أو بدافع المزايدة على «خصومهم» في الداخل أو من حولهم، ومن غير معرفة بحقيقة «العدو» وإمكاناته، وبشعارات مستوحاة من صراعات القبائل على المراعي أو إغارات بعضها على بعضها الآخر طلباً للثأر أو للسيطرة على مصادر المياه والمراعي: «يا فلسطين جينالك… جينا وجينا وجينا لك».
(للمناسبة: كان المجتمع الفلسطيني أكثر تقدما وتماسكاً ومعرفة بالعدو الاسرائيلي من معظم المجتمعات العربية، وكان اقتصاده أكثر متانة وأكثر تقدماً…)
[[[
سيمضي وقت قبل أن يصلنا صوت جمال عبد الناصر عبر جهاز الراديو الذي لم يكن منتشراً، وما أكثر ما كان الجيران يلتقون عند «وجيه» فيهم يملك تلك «العلبة السحرية» لسماع الأخبار أو الأغاني التي يحبون مطربيها.. ولم يكن «الترانزيستور» قد وصل إلى منطقتنا. وبدأنا نسمع عن معركة الجلاء التي يخوضها مع قوات الاحتلال البريطاني التي كانت لها قواعدها في القاهرة ومعظم أرجاء مصر، لا سيما على الساحل، فضلاً عن سيطرتها على قناة السويس التي كان دخول المصريين إليها محظوراً إلا كخدم وسائقين وكتبة.
بعد حين وصلتنا صورة جمال عبد الناصر: وجه أسمر لفلاح صعيدي بعينين لامعتين تشعان إرادة وتصميماً.
أما صورة «الزعيم» فقد اكتسحت عالمنا في مثل هذه الأيام من العام 1956، حين أعلن جمال عبد الناصر في خطاب تاريخي قراره تأميم قناة السويس، مندفعاً إلى الذروة في المواجهة مع الغرب الاستعماري (وبالتحديد بريطانيا وفرنسا)، استعادة لأحد مصادر الثروة الوطنية ـ فضلاً عن القرار الوطني ـ ورداً على الصلف الأميركي متمثلاً بسحب العرض الذي كان قدمه البنك الدولي لإقراض مصر ما يمكنّها من بناء السد العالي.
تلك كانت بداية التاريخ الجديد لهذه الأمة: وفي تلك اللحظة اكتملت صورة «البطل»، في شخصية جمال عبد الناصر.
«ولدت الأمة الواحدة» في الشارع العربي الذي امتد ما بين المحيط والخليج، واستعاد الإنسان العربي إحساسه بكرامته الوطنية ونهض للإمساك بالقرار: وجدت ثورة الجزائر الوليدة ضد الاحتلال الفرنسي من يحتضنها ويؤمن لها الحماية والقاعدة الخلفية، كما وجد مختلف الثوار في شمالي افريقيا من يعضد نزوعهم إلى الاستقلال. صارت القاهرة عاصمة الثورة العربية المبشرة بغد أفضل.
ولقد أكمل الغرب الاستعماري ومعه إسرائيل هجومه على العرب والعروبة وإرادة التحرر متمثلا في قرار تأميم قناة السويس، بالعدوان الثلاثي على مصر في خريف العام 1956، فإذا الأمة جميعا في الميدان، بجماهيرها المتعطشة إلى الكرامة والعزة…
ذهب جمال عبد الناصر إلى الأزهر الشريف، وطيران العدوان الثلاثي، «يحتل» سماء مصر ليقول كلمة الأمة: سنقاتل، سنقاتل، سنقاتل دفاعا عن حقنا بالحياة، بالكرامة، بالإرادة الحرة.
وفتح التاريخ صفحة جديدة للنضال العربي من أجل الغد الأفضل.
صار أهل هذه الأرض «أمة عربية واحدة».
[[[
كانت تلك البداية، وصار للمواطن العربي لغة أخرى: إرفع رأسك يا أخي، فلقد مضى عهد الذل والاستعباد.
بعد ستين سنة من ذلك اليوم الأغر، 23 يوليو (تموز) 1952، ما زال جمال عبد الناصر حاضراً في الوجدان، وما زال نهجه معياراً للوطنية والعروبة وإرادة التحرر. والكفاح دوّار، وللحديث صلة.

II ـ تاريخ ما قبل مجد المقاومة: بنت جبيل ومعمارها
تستحق بنت جبيل بوصفها غرّة أرض الصمود بالمقاومة والانتصار على العدو بالمواجهة، وديوان الشعر العاملي، غزلاً وحماسة واستنفاراً للجهاد، أن تتصدر اهتمام الكتّاب من أبنائها خاصة وأبناء جبل عامل عامة، وأن تُكتب فيها وعنها المجلدات حافظة التاريخ.
ولقد بادر البعض من أبنائها، مستفيدين من مقتنيات الحركة الثقافية في لبنان، مركز بنت جبيل، إلى جمع بعض التراث المعماري وسيَر بعض العلماء والشعراء و«الحكام»، في مجلد أصدرته الجامعة اللبنانية ـ قسم الدراسات الفنية بإشراف حسن رامز بدوي.. أما الصور فقد وفرها كل من حسن بدوي وريم بزي وهيثم بزي وحسن ابراهيم، وتولى البدوي تصميم الغلاف والإخراج الفني.
قد لا يجد القارئ في هذا المجلد فخم الطباعة والمزيّن بلوحات نادرة لبنت جبيل، ما يروي ظمأه لأن يعرف كل شيء عن تاريخ عاصمة جبل عامل وأهلها الذين يولدون شعراء، لكنه سيتعرف إلى تراثها المعماري الذي يعود إلى مطلع القرن الثامن عشر، ولسوف يستذكر ـ عبرها ـ ان السيد المسيح قد جاء من الجليل الأعلى إلى فينيقيا مروراً بجبل عامل.
بين المحطات المضيئة في تاريخ هذه المدينة ـ القلعة التي أسكنتها مقاومتها الوجدان الوطني والقومي، إقامة الصحابي أبي ذر الغفاري فيها، لبعض الوقت، بعدما أخرجه معاوية بن أبي سفيان إلى “بعض قرى الشام، فأقام في جبل عاملة وشيع أهالي تلك الجبال… فكان أن أعاده معاوية إلى دمشق ثم نفاه إلى المدينة المنورة فتوفي فيها”.
في الذاكرة، ترتبط بنت جبيل بالقصيدة، فكل من أبنائها شاعر إلى أن يثبت العكس… بل ان كل عاملي يعبرها أو يقيم فيها لبعض الوقت يجرفه الحنين وتشف لغته فإذا هو شاعر، ومن أمكنته النجاة من خطيئة الشعر صار مؤرخاً، وكثير ما جمع النابهون من أبناء بنت جبيل بين الشعر والتاريخ فأبدعوا في المجالين (إبراهيم بيضون نموذجا).
في كثير من المدن والقصبات تنشأ المنافسات بين أهلها على صعيد الوجاهة والغنى، أما في بنت جبيل فشرط الهوية الشعر فإن رسبت في الامتحان فليس أمامك غير الهجرة إلى ديربورن في ولاية ميتشيغان في الولايات المتحدة الأميركية حيث أنشأ المغتربون «مدينتهم» بالشراكة التنافسية مع أهالي تبنين، «ضرة» بنت جبيل في الماضي والحاضر والمستقبل.
كان جدّي، الذي زار بنت جبيل مرات عدة، يصف لي المدينة بقوله: تشم فيها رائحة فلسطين، فهي على كتف الناصرة التي لا تبعد عنها أكثر من 50 كلم، بينما تتنسم فيها طيب القدس التي تكاد تكون على مسافة واحدة منها مع بيروت. انها حبل الصرة بيننا وبين الأرض المقدسة.
يستذكر مؤلفو «بنت جبيل ـ التراث المعماري» مشاهير الرجال من آل علي الصغير في جبل عامل الذين حكموا بنت جبيل، ومن بينهم تامر بن حسين بن سلمان بن عباس مجدد بناء صور، ومحمد بن نصار الأحمد الذي اتخذ من بنت جبيل مقراً لحكومته.
كما يستذكرون العلامة الشيخ موسى أمين شرارة الذي قدم من العراق، ثم نفع الناس بعلمه فأسس مدرسة ذاع صيتها في المنطقة عموماً، ومن بين تلامذته الشيخ حسن مغنية والسيد محسن الأمين والشيخ عبد الحسين صادق والسيد نجيب فضل الله والسيد يوسف شرف الدين والشيخ عبد الكريم الزين والشيخ محمد دبوق.
وقد خص السيد محسن الأمين بنت جبيل بالذكر، فأشار إلى أنها من أمهات بلاد جبل عامل على حدود فلسطين، فيها سوق الخميس، وكانت مركز الناحية أيام أمراء آل الصغير، وبنى فيها حسين السلمان دار إمارة، في حين بنى الحاج سليمان البزي جامعاً عظيماً بوصاية أخيه الحاج محمد البزي، من مالهما المشترك، ووضعاه بعناية المصلح العالم الفقيه الشيخ موسى شرارة، وتم تجديد بنائه في العام 1300 هـ. على يد المعمار الشهير الحاج حميد الصفدي، باني قصر علي بك الأسعد في قلعة تبنين.
تحيط الجبال بالمدينة، وأعلاها جبل مارون الراس، ومن الشرق جبل الكحيل ومن الغرب تلة صف الهوا، تلة المتينه وعيناتا.
أما في التاريخ فقد ألحق ابراهيم باشا، بعد حملته المصرية، جبل عامل بإمارة جبل لبنان فحكمه الأمير بشير الثاني.. وقد زال الحكم الإقطاعي المحلي لبلاد بشارة بعد وفاة كل من علي بك الأسعد وتامر بك الحسين السلمان النصار في سجون دمشق.
يذكر المجلد الفخم ان «بنت جبيل شكلت ملاذا آمنا للمسيحيين الهاربين من الفتنة الطائفية (1842ـ1860) فاستقبل أهاليها، بإشراف آل علي الصغير، وصول المسيحيين وحموهم.
[ [ [
مع التقدير لجهد هذه الكوكبة من ابناء بنت جبيل في اصدار هذا المجلد التفصيلي عن الملكيات والطراز المعماري والسوق والموقع، مع اشارات سريعة إلى أعلام بنت جبيل من الشعراء والأدباء وعلماء الدين، فإن القارئ يظل في شوق إلى المبدعين من أهل بنت جبيل شعراً وأدباً، خصوصاً أن جيلين أو ثلاثة أجيال قد نشأوا وهم يروون نتفاً من قصائد هؤلاء الشعراء الذين «أرّخوا» للنهضة الثقافية في جبل عامل، كما ان مناكفاتهم الشعرية لا تزال تضج في الذاكرة حاملة العصبيات ما بين بنت جبيل (موسى الزين شرارة وذريته الصالحة، سواء في آبائه أو ابناء عمومته) والخيام (آل العبد الله ومن والاهم) وتبنين التي اجتهد بعض أهلها من آل بري فلم يبلغوا الرواد وإن أمتعوا الجمهور.
ولقد تبدلت صورة بنت جبيل بعدما خضبها صمودها العظيم، في وجه الاحتلال الإسرائيلي، ثم بعد مواجهات المجاهدين من أهلها لقوات الحرب الإسرائيلية في حرب تموز 2006…
من باب الطرافة أن نستذكر ما أورده المجلد من ان مكارية بنت جبيل كانوا (في العام 1943) أكثر من ثلاثمئة يقودون أكثر من 69 رأس خيل و55 بغلاً و97 حماراً.
بنت جبيل اليوم فاتحة كتاب الجهاد من أجل التحرير.
ولعلها، بتاريخها الحديث، تثبت أن الشعر بين أعظم أسلحة المقاومة وأقواها وأشدها تأثيراً في حسم معركة التحرير.
لقد كان الشعر راية المقاومة وحداءها…
ومن بنت جبيل أعلن قائد المقاومة النصر بالتحرير العام 2000 ومنها أيضاً أُعلن الانتصار على الحرب الإسرائيلية في العام 2006.
ولعل من الأفضل أن نقرأ في مجلد بنت جبيل الماضي، في انتظار ان يصدر المبدعون من أهلها ديوان النصر الذي كتبه المجاهدون بالإرادة المؤهلة والقادرة على هزيمة الحرب الإسرائيلية مرة ومرتين وثلاثا…
IIIـ من أقول نسمة
قال لي «نسمة» الذي لم تعرف له مهنة إلا الحب:
ـ هي الكلمة… هي مفتاح باب النعيم، وهي هي التي قد تدفعك إلى الجحيم بالتوهم.
الحب أعز من أن يمنح كمكافأة او عرفانا بالجميل.
الحب أنت. فاحفظ نفسك ولا تسرف في العطف الذي قد يأخذك إلى مهاوي محاولة التكفير عن خطأ لفظه لسانك قبل أن يخفق به قلبك.

Exit mobile version