طلال سلمان

هوامش

دار المختارة تستكتب عزت صافي زمن كمال جنبلاط
.. وأخيراً فعلها عزت صافي: أخرج ما في صدره وما في فكره وما في أوراقه من أسرار وعواطف ووقائع وأعاد كتابة تلك المرحلة التي تكاد تكون سيرة حياته بالذات وأعطاها الاسم اللائق بها: طريق المختارة زمن كمال جنبلاط.
وعزت صافي هو صاحب الحق الحصري والشرعي في أن يكتب سيرة ذلك الزمن ، خصوصاً أنه وعى على حياته وهو على الطريق بين المختارة التي ولد فيها بل في حرم دارها ، وبين المختارة التي عاش فيها ولها، لزعيمها الذي ورثها دار إقطاع جهوي ومذهبي فجعلها دار زعامة لبنانية ودار قيادة عربية ودار تأثير دولي.
بداية، لا بد من الاعتراف المتأخر بفضل متقدم لعزت صافي… وأظنه لا يتذكر، مع انني لا يمكن ان أنسى، انه قد نشر لي ومن دون أن يعرفني السطور الاولى التي كتبت في بريد القراء، في جريدة الانباء التي كانت قد صدرت حديثاً لتنطق باسم الحزب التقدمي الاشتراكي. ربما شفع لي، آنذاك، انني كنت تلميذا وافداً الى مدرسة المختارة الرسمية، وقد كانت ابتدائية لكن تلك الكوكبة من أساتذتها مع مديرها، قرروا فجعلوها بالأمر الواقع تكميلية، وتيسر لي أن أذهب في بعثة من بعقلين (وقد كانت مركز عمل الوالد) الى المختارة، فعشت فيها سنتين. وربما شفعت لي وساطة من معلمي الذي أعجبه إنشائي فصرت مضرباً لمثله. المهم ان رسالتي نشرت، وانني قرأت اسمي مطبوعاً للمرة الاولى، في الجريدة التي كان كمال جنبلاط رئيسا لتحريرها، وكان عزت صافي هو المدير والتحرير معاً.
يعترف عزت صافي، بأناقة، انه قد تأخر في نشر كتاب حياته، هذا، لأنه تمهل فارجأ الكتابة، ثم قرر ان وقت النشر قد حان بعدما بدأ مستقبلي الصحافي يتمهل.. وعندما يتمهل مستقبل الصحافي ينهض ماضيه … وهكذا بدأ من الماضي وبعد 55 سنة صحافة (ظل خلالها في الانباء حتى وهي معطلة أو متوقفة عن الصدور، وان كان قد شغل مواقع قيادية وكتب في صحف ومجلات كثيرة بينها السفير .. ولم يكن ذلك مني رداً للجميل، بل اعترافاً بقلم سياسي مشرق يختزن تجربة عريقة)..
على أن الحديث عن المشترك بيننا لا يكتمل إلا استذكرت معلمي فوزي عابد، وهو هو رفيق عمر عزت صافي ورفيق نضاله وشريكه في كمال جنبلاط وفي دار المختارة وفي الحزب وخارج ذلك كله.
الكتاب الذي وضعه ابن قرية باتر الذي شاءت له المقادير ان يولد وان يعيش سنواته الاولى في حرم الدار، ثم سنوات شبابه الاولى وحتى الكهولة في حرم صاحب الدار، هو الأجدر والأولى بأن يكتب قصة الدار ورجلها الذي صار زعيما وطنيا عربيا دوليا وانتهى شهيدا للبنان والعروبة والفكر التقدمي.
يبدأ الكتاب بلمحة عن الدار والعائلة ذات التاريخ، والتي تكاد تتشابه سير كل من آلت اليها: فكل منهم كان يرى نفسه، ويراه محيطه، أكبر من الحاكم ، فيعجز عن التصاغر أمامه، ويعجز الحاكم عن قبوله بحجمه الفعلي، ويكون على أحدهما أن يختفي. ولان الجنبلاطيين كانوا عصيين على التصاغر والاستسلام فلقد شكلت سيرة الدار سلسلة من المآسي الاغريقية تختلط فيها ملامح من دون كيشوت والمتنبي وعمرو بن كلثوم وسيزيف الاغريقي:
والكتاب رحلة في مسيرة الحزب الذي انطلق من موقع غير موقعه
.. وبقيادة انتفضت على إقطاع أهلها، ولكنها جددت قيمهم اللبنانية والعربية، وأضافت معنى حضاريا وعصريا .
كذلك فهو في رحلة في مسيرة آل جنبلاط (بأصل اسمهم الملتبس ونسبهم الملتبس) من علي الذي أقام دولة عربية سورية في وجه الامبراطورية العثمانية… الى بشير الذي كان ينصّب أمراء جبل لبنان… الى كمال الذي يجمع بين فيلسوف من عقل أثينا، وحكيم من روح الهند، وقائد من بسالة اسبارطة .
وخطيئة آل جنبلاط بلسان كمال اننا نتطلع دائما الى الماضي الذي جعلنا منه صنماً في هيكل الاصنام التي تعبد أو ان التاريخ يصير في بعض الحالات كحمل الشوك على ظهر الانسان، ولا بد له أن يلقيه عن ظهره ولو الى حين .
لا يمكن تلخيص هذه السيرة المزدوجة، اذ ان عزت صافي حاول أن يجعل من كتابته عن كمال جنبلاط كتابة عن الدروز عموما، وموقع آل جنبلاط القيادي فيها، وكان بديهيا ان يعكس ايمانه بكمال جنبلاط زعيما وقائدا على قراءته لمراحل تأسيس هذا الكيان وتقلبه بين الامارة ومن حولها الاقطاعيات وبين المتصرفية، تحت الظل العثماني، وصولا الى الدولة تحت الانتداب الفرنسي، وصولا الى الاستقلال تحت الرعاية البريطانية بداية.
على أن عزت صافي ظل أمينا لموقعه، صادقاً في تقديم نفسه، اذ لم تكن له حياة ولا مقام ولا عمل ولا عطلة إلا في إطار الحزب وفي مكتب الانباء ، وإلا الى جانب كمال جنبلاط في بعض ساعات يومه.. وهو قد شجعه ان يكون الى جانبه كلما أمكنه ان يكون .
ويتجلى الصدق منذ السطر الأول، الاهداء: الى روح والدي يوسف، والى روح والدتي بدر، اللذين عندما أمسكا بيدي ليعلماني المشي وأنا في السنة الاولى من العمر، سارا بي الى دار المختارة.. .
… وقدّر على ابن باتر ان تكون دار المختارة معبره الى الدنيا.
في الكتاب كثير من التفاصيل الطريفة عن دار المختارة من الداخل بمكوناتها الاصلية وبشرها الذين يولدون ويموتون فيها، لكن خاتمته الحزينة، تقدم صورة قلمية مفجعة للنهاية المأساوية للبطل الوطني الكبير الذي مشى الى قدره بعينين مفتوحتين:
كان الربيع في أولى موجاته.. وبين منعطفين، على منحدر بين جبلين، فوق نهر يجري الى منبعه، وعند نقطة متساوية الأبعاد بين معاقل إمارات الجبل: بعقلين، وبيت الدين، ودير القمر، خلع كمال جنبلاط القميص الشحماني على حد وصفه للجسد. واستقرت خصلة الشعر المتمردة على الجبين الندي.. واللفتة الخاطفة بالعينين المشعتين.. سكنت. ظلت الجريدة مفتوحة على ركبتيه.. وعلى صفحتها الاولى سقطت نقاط دمه، فكانت كلماته الأخيرة.
ترك كمال جنبلاط رغيفه في دار المختارة… وغاب. وصار رغيفه خميرة. وبقي سره عند ربه .
أخالها رصاصات الغدر حين هوت
تكاد لو تبصر عينيك تعتذر
… وقدر على ابن باتر ان تكون دار المختارة معبره الى الدنيا.

ضفادع جهاد الزين تجعل العراق ذكريات
يمارس جهاد الزين هوايات كثيرة في كتاباته، أولها انه يضع قارئه دائماً في امتحان مفتوح اذ كلما افترض انه قد فهم المعنى، باغته بأنه يقصد ما بعد ذلك .
وهو مفتون بتحدي ذاته والآخرين: يصر، مثلا، على استنباط واستكشاف كلمات مهجورة، لا تعرفها إلا القلة، ولا تتوقع حضورها حيث يستخدمها، ثم انه يتحدى لغته بأنه قادر على تطويع كلماتها لغير ما كانت من أجله، فإن وجد أمامه جمهورا لا يعرف العربية تحدى نفسه فخطب بالانكليزية التي تعفيه من ابتكار الكلمات ولكنه يبتكر للكلمات استخدامات اخرى… ولا أدري ان كان نجح في اجتياز غياهب اللغة التركية، اذ انه في بعض لحظات نفوره من عروبة قاصرة عن استيعاب العصر طلب اللجوء السياسي الى نوع من العثمانية التي أخذت من الاسلام شيئا وأخذت من بيزنطية الكثير من دون ان تغادر طورانيتها واعتدادها بعسكريتها ذات الأمجاد.
وبين هوايات جهاد الزين، كتابة الشعر، احيانا.. وهو يصرف بالتأكيد، على القصيدة الواحدة ما يصرفه أي شاعر من الجهد على ديوان كامل.
فهو لا يهتم فقط بالتفعيلة، الوزن والقافية، بل يريد الكلمة مختلفة، ويريد الصورة كثيفة بحيث لا يخترقها الهواء، وان قطعتها الجمل المعترضة التي تعترضها جمل مقطعة، فلا يصل الى المعنى الذي في قلب الشاعر إلا طويل العمر وليس البال فحسب..
مع ذلك فإن قراءته متعة بقدر ما هي تحدِّ..
يبدأ الإشكال في العنوان: الذكريات ضفادع … وأقران جهاد في البحث عن الاشكالات من أهل دار الجديد زايدوا عليه، فكرروا العنوان مقطعاً مع التفعيلة الذكريا….تُ ضفادعو .
ومنذ السطر الأول يدخلك جهاد الزين في امتحان استكشاف النوايا عبر غوامض المعنى:
الذكريات ضفادع/ في خانة اللقيا سأجعل أبشع الكلمات أرحبها/ لضوء العظام التاربة/ الذكريات مقالع للرعب.. أفتح مضجع الحشرات في حمى اختلاسي للصراخ.. أغيّر القبرين: قبراي اللذان تربت واحدها وآخر رُب ضفدعه الكلام يا أبشع الكلمات أعظمها، وأرحمها اذا قيس الكلام على الهوان .
أما عندما يترك جهاد الزين نفسه على سجيتها فإن لغته ترقّ والمعنى يصير دليلك الى منبع الحب وموطنه: العراق.
الشعر قبل القول، قبل الفعل/ وكل كتابة ملعونة تغوي العراق. مات العراق!
ماتت بريطانية/ عضّت أبا النواس من شفتيه فاشتعل الفتى كالضيم يطلق عشقه العصري من نهم الولادة في كيان الرافدين.
… شفتاه منفى كلما أغوته امرأة كسانا عريها .
يتدفق الحنين الذي طالما تحايل جهاد الزين لإخفائه في نثرياته، حيث يغلب السياسي على العاطفي:
… هو انني عشب الشآم على البوادي الموغلات الى العراق
عجل فشمّر أظعنت من نجد/ وانتقل الدليمي الحصيف الى شوارع لندن الرعثاء.
وجهاد الزين الذي يشفق على موتى الكلام يجيء الى المشافهة التي قتلت بنيها:
هذي سلالات الحروف تعثرت راء على ماء فراء/ راء المساء.. خريرها الممدوح في جسد النساء./ شفتاه منفى.. كلما أغوته امرأة كسانا عريها .
والعراق هو الوقوف على حافة البكاء. العراق هو انكسار الادعاءات بالخروج من جاهلية الدم وتفرد السيف بحق الكلام الذبيح:
مات العراق/ أراه مقصلة اللغات/ ومدى مشافهة الصلاة لكل إبليس من الشعر العصي/ يراود امرأة ويحمي ظلها المشبوب في ماء الفرات.. .
وعبر المذابح وسيرة التخلف المفتوحة التي تكتب صفحات عرب الالفية الثالثة بدمائهم، ضحايا وضحايا الضحايا، الطغاة وطغاة الطغاة، تطل بغداد في صورة لم يرها أحد كما رآها جهاد الزين:
بغداد يا الكتف العريضة لظهر امرأة تمادت في توجسها/ ونامت في مدى القيلولة الصغرى على سعف أليف بالغضاضة من الرضى .
على أن الهواية تعود فتشد جهاد الزين الى إدخال قرائه في امتحان في اللغة فيستخرج من قلب قاموسه المهجور كلمات يستأنس لمخارج الحروف فيها كمثل أعضُليك أو ثغاء الضباب أو وطيبة العنظيان أو وابئ الجشع الابدي/ المستخاث/ رعيب العصاء/الخ..
على أن لحظات من الصفاء تباغت جهاد الزين فيكتب بعاطفته المقموعة بالأمر:
في مصر يشتعل الحفاة من الصلاة/ وفي الشام لسوف تشتعل الصلاة من الحفاة
وأنت تصرخ في العراق/ مات الذين عرفتهم/ مات الذين أردتهم/ مات الذين كرهتهم
مات العراق ومات أهلي كلهم/ للشعر رائحة التعفن من الحديثة للعماره، أهل العراق بلا عراق .
… يبقى ان الخاتمة تبقى لقصيدة مستدركة فإنها ان تلحق بالديوان الاول عن اسطنبول، فجاءت ربما كملحق للتوازن، مع ديوان الندب العربي الجديد.
مرة اخرى يتحدى جهاد الزين نفسه، وقراءه فينجح.

من أقوال نسمة
قال لي نسمة الذي لم تعرف له مهنة إلا الحب:
تدهشني طاقة الحب على إعادة خلق الانسان.
قبل أن أحب كنت ضعيفا، متردداً، أخاف من نفسي، أخاف من الناس، أخاف من القدر..
مع الحب أحس أنني صاحب قادر، ولا أخاف من حبي… ولكنني أخاف على حبيبي من حبي.

Exit mobile version