طلال سلمان

هوامش

عن العراق والشعر والشارع
من زمان لم نجلس الى العراق ومعه.
من عشرين سنة أخذوا العراق إلى الحروب الخطأ، فأثخنوه بالجراح، ومزقوا وحدته: فصلوا الذراع عن الصدر، وفصلوا القلب عن الرأس، وتركوه أشلاء في أرض السواد. أخذوا الرجال إلى الغلط فتاهت النساء في صحراء حدودها الحلال المقتول والحرام المحرم، وجفت ضروعهن فمات الأطفال بأمراض فقر الدم ونقص التغذية، على شفا الحليب الممنوع.
صار الموت جزءاً من النشرة الاذاعية المتكررة، فلم يعد خبراً، ولم يعد يلفت أحداً، ولم يعد يتوقف أحد ليدقق في أرقام الجثث، وهل هي للذين قتلتهم غارات »السلام« الاميركي البريطاني أم هي للأطفال الذين عز عليهم الحليب فأخذهم الجوع الى الموت، ثم أخذتهم الدعاية الرسمية الى الجنازات الجماعية، فوزعت صورهم نعوشاً متكررة وشيّعتهم كضحايا كوارث جماعية كالتي تخلفها الزلازل والبراكين والفيضانات (سقى الله أيام فيضان دجلة والفرات).
قال الصديق الآتي من بغداد:
حياتنا مأساة مفتوحة، نعيش على التخم بين الموتين، ونقتل كل يوم في شرفنا وفي سمعتنا وفي مجد تاريخنا ألف مرة. لم نعد موجودين كشعب. صرنا سلطة مرفوضة وأرضا مفتوحة وجموعاً من الجائعين ومواكب جنائزية.
قال رفيقه المفعم حيوية من خلال ابتسامة مشرقة: لكننا أحياء، كما ترون، لم نمت جميعاً بعد. فالعراق باق، وأرضه ولادة، ورجاله يعيدون بناء أسباب الحياة، والنساء لم يتحولن الى مومسات وشحاذات وندابات على القبور. إننا شعب عظيم بتاريخه، عظيم بقدراته، لن تقتلنا المحنة، على شدتها… ولكننا نخاف من الإهمال والنسيان وإسقاطنا من ذاكرة أهلنا.
عاد الأول إلى الكلام فقال: قد تضحك… لكننا نفتقد، أيضا، الشعر والشعراء. من قبل، وفي العراق على وجه الخصوص، كان الشاعر هو في الوقت نفسه الصحافي والمؤرخ. ان معظم وقائعنا منظومة شعراً، وكنا حين نريد استذكار واقعة معينة أو حدث جلل نستعيده من خلال قصيدة للجواهري، مثلاً، او للرصافي، او للصافي النجفي، او لعبد الوهاب البياتي. الآن نحس، وقد رحل عنا شعراؤنا الكبار، وكأننا فقدنا ذاكرتنا.
ساد الوجوم للحظة، وأخذتنا الأحزان كل في طريقه.
تنافس كل من الصديقين في استعادة الاشعار المؤرخة للاحداث الكبرى في عراق الاربعينيات والخمسينيات والستينيات.
ثم عاد الحزن يظللنا ونحن ننتبه الى ان شجرة الشعراء العظام تكاد تتهاوى، بعدما فقدت فروعها وضرب النسيان أصلها.
لقد رحل شعراء الناس.
غاب الذين كان واحدهم قادراً على استحضار الناس.
كان الشعراء قادة، وكانوا حداة لركب الثورة والاعتراض ومبشرين بجنة على الأرض يصطنعها الناس بعرق الزنود والجباه وبالمعرفة والتمييز بين السياسات الخاطئة والعقائد الصحيحة.
ان العرب مهددون بالانقراض… فهم أمة شاعرة. الشعر هو »المانيفستو« وهو المنشور، وهو، أحياناً، البرنامج السياسي. فإن انقرض الشعر، أو تعطلت علاقتهم به، فقدوا لغتهم والضوء الهادي وصاروا بكماً.
نستذكر كيف كان يقف الشعراء في قلب المهرجان فيرتجلون أو يستعيدون شعراً يصلح خطة عمل، ويرشد الى الطريق الصحيح.
العرب خارج الشعر بلا لغة.
ان عاصفة الشتاء قد اقتلعت الاشجار التي كانت تقوم علامات تهدي الناس الى طريق الصح.
ذهب شعراء الناس، وبقي شعراء الذات، الذين يغنون لأنفسهم، مفترضين ان واحدهم هو »الآخرون« جميعاً، وأنه إن هو نجح في التعبير عن معاناته الشخصية فقد عبّر عن الناس جميعاً.
لكأنما انتهى الشعر بما هو اللغة والوجدان والناس.
هرب الشعر الى غرفة معتمة وأقفل على نفسه الباب فانعزل عن الناس، لم يعد »لهم«، ولم يعودوا »فيه«.
كان الشاعر يعيش مع الناس، وبالناس. يعبّر عن الناس. يقول للناس. يخبر الناس. يبشر الناس او ينذرهم. يحرضهم ويأخذهم الى الثورة.
أما شاعر هذه الايام فيستغني بنفسه عن الآخرين. يرى أنه، بذاته، كل الناس.
كان الشاعر هو الشارع… وهو المشرع والشرع، الى حد كبير.
قال صاحبنا الذي من الكرخ: الشعر لا يستورد جاهزاً. قبس تجارب الآخرين لا ينتج شعراً. والترجمة من اللغات الأخرى تعبّر عن شعوب أخرى.
أما صاحبنا الذي من البصرة فقد استذكر ابياتا من إحدى قصائد البياتي وأخذ يترنم بها:
»سأموت عندما يسقط القلم،
ويسقط المصباح في الأرض،
وعندما أنتهي من حب آخر امرأة،
وعندما يموت آخر الطغاة«.
قال صديق معنا لا يعرف العراق:
لكأنها آخر ابيات قصيدته التي امتدت بطول خمسة عقود. لقد سقط القلم، وسقط المصباح في الأرض، لكن آخر الطغاة لم يمت.
الفاجعة: يموت آخر الشعراء ويتزايد عدد الطغاة.
يرحل الشعر مع الكبار الذين تركونا بغير صوت وبغير نغم، ويشلنا الخرس فلا نعرف كيف وماذا نقول. كيف نوصّف ما نحن فيه، وكيف نشرح ما نعانيه. كيف نشكو، وكيف نتألم، وكيف ذات يوم سنفرح!
الاوطان تذبل والانظمة تزدهر. الامية تسود والشعر يندثر. الهجانة تحتل الوجدان واللسان والسلوك واللغة تقبع يتيمة مهجورة، تنتظر من يمد إليها يده فيرويها ويتزود بها ليكون ابنها فيمنحها شرف الأمومة.
رحم الله الشعر. رحم الله العرب!

أزياء… ليست للعرض!
قال صاحبي وهو يتأمل عرضاً للأزياء على الشاشة الصغيرة:
حيف الرجال! كأن لم يعد في العالم رجل واحد!
قالت زوجته التي كانت تتابع العرض بمزيد من الشغف والتحسر:
حيف النساء! كأنه بات لزاماً على المرأة أن تخرج الى الشارع عارية لكي تثبت أنوثتها.
كانت العارضات الجميلات يخطرن على المنصة وقد ارتدين غلالات فصلت خصيصاً لإبراز ما تحتها من مفاتن جسد المرأة: الصدر، البطن وما دونه نزولاً الى الساقين، الأرداف في حالة الثبات كما في حالة الحركة.
كانت تفاصيل الجسد الذي لا تتعب من تناوله أزاميل النحاتين وريش الرسامين، والذي لما تتوقف المباراة المفتوحة بين شعراء القرون والأجيال عن اتخاذه مادة لاستدرار الوحي وتفجير العبقرية، تمرق أمامنا على الشاشة بغير تمويه: فالغلالات الرقيقة المزركشة عند المفاتن، للمساعدة على تركيز النظر حيث يجب أن يتركز، تستهدف الإثارة والمزيد من الإثارة، ودفعك الى التحديق واختراق الحجب الشفافة لكي تزيد من متعتك في اكتشاف… المكشوف!
قال الكهل: إنه اغتيال للأنوثة! إنه إعدام للجمال!
رد عليه صديق عمره: وفر مواعظك ودعنا نستمتع بهذا العرض الشيق. لم نعد نملك من مصادر المتعة إلا النظر، فدعنا نمتّع نظرنا بهامة الحوريات المتخففات من أثقال الثياب والمفاهيم الرجعية وأخلاقيات زمن الحجاب والتلصص من شق الباب أو الهياج لرؤية كاحل امرأة قد تكون دميمة، أو التغزل بالبقعة الوحيدة المرئية في قلب كومة الأثواب والقفاطين والمشالح: عينيها!
قالت المرأة المتصابية: لكم تقدمت وسائل اصطناع الجمال! أراهن ان معظم العارضات عاديات، لكن مستحضرات التجميل والثياب والإضاءة والتفنن في العرض، والموسيقى، والتدريب على المشية الكاشفة للمفاتن… كل ذلك يجعلهن يبدون وكأنهن الأجمل بين نساء الأرض.
قالت المرأة الأكبر سناً: لحم! انه سوق اللحم! انه مزاد اللحم! وأنتم المفجوعون! أيها البؤساء، انكم كالثعلب وحصرم حلب! أراهن لو أن واحدة منهن هجمت على أي منكم لتعانقه لأطلق ساقيه للريح هارباً واتهمها بأنها تحاول اغتصابه! هيا، أيها المنافقون، غيروا المحطة، أو أوقفوا هذا الهذر، ولنكتفِ بالفرجة على منظر ممتع طالما ظل داخل هذه العلبة الضوئية!
قال »حكيم« الجلسة: لكل عصر مفاهيمه وثيابه. لكن جسد المرأة سيظل قابلاً »للتسليع«. مرة يغطونه حتى قمة الرأس، ويلفون من حوله القماش لفاً، ومرة يكشفونه دفعة واحدة تاركين من حول الخصر قطعة صغيرة أغلى ثمناً من عشرين ثوباً، مرة يغطون الاسفل ويكشفون الأعلى، ومرة أخرى يكشفون الاسفل ويغطون الأعلى… لكن المرأة المرأة وإن استمرأت اللعبة فإنها تبقى خارجها!
قالت امرأة »الحكيم«: لكل رجل امرأته، لكل امرأة رجلها، والباقي مشاع! ليست الأنوثة عرياً، وليست الرجولة ثوباً. انه المجتمع الاستهلاكي. كل شيء بالثمن، وكل شيء قابل للتسويق، وكل شيء يمكن تحويله الى مصدر ربح. ان العارضات مثل الأثواب التي يعرضنها. يبعن الوقت، وجمالهن، وتناسق الجسد، ويربحن. أما إذا جاءت لحظة الحب فسيتركن كل شيء، وسيرمين الدولارات خلفهن لتكون الواحدة منهن امرأة لرجل واحد وليست لحماً معروضاً لإثارة النساء فيجبرن رجالهن على دفع كل الدولارات من أجل أثواب لن تزيدهن جمالاً ولن تنفع في غواية رجالهم الذين ستظل عيونهم تجوس داخل اقنعة عري العارضات.

قصص مبتورة
قالت لصديقتها وهي تشير الى نجم الحفل المتباهي بثروته:
انه وسيم، تكاد رجولته تأخذني إليه. هيا نسلم عليه!
ردت صديقتها: لا أذهب إلا الى رجلي، وكل من يأتي نحوي يسقط في الامتحان قبل أن يصل. إنه يسكن ملامحي فيبعد عني سماجة المتطفلين!
تنهدت الصديقة بحسرة: هي حفلة فلنستمتع… من جاء على ذكر زوجك العزيز! أنا أهرب من بيتي فلماذا تعيدينني إليه؟!
***
قالت وهي تودعه: سأفتقدك!
قال وهو ينفش غروره: سأكون معك دائماً، ولن تجدي الوقت لتفتقديني!
قامت وهي تقول: إذن فليرحمك الله!
***
قالت: متى نعود إلى الحكاية؟! ذهبت أمس إلى حيث كنا مرة، اكتشفت أن بعض ملامحنا ما تزال منقوشة في الأمكنة، وأن نتفاً من حوارنا صارت موضوعاً لسمر الليالي الصيفية ومقاطع جديدة في الأغاني القديمة…
قال وهو يحدق فيها: جميلة هي الحكاية، لا يمكن أن نختزل منها أو نضيف إليها، فلنحفظها كما حفظها الذين خارجها.

أقوال »نسمة«
قال لي »نسمة« الذي لم تعرف له مهنة إلا الحب:
أعجب ممن يتباهى بأنه ينتقل من حب إلى آخر لأنه يريد لنفسه كل النساء. مثل هذا الرجل لم يعرف الحب قط. وهو يزين أنانيته أو شبقه الجنسي او ادعاءاته فيسمّيها حباً. الحب امرأة ورجل، هي النساء جميعاً وهو كل الرجال، وسيرتهما هي فصل من قصة الحب الخالدة. حبي يأخذني الى الجنة، فكيف أخرج منه إلى برد الغربة.

Exit mobile version