طلال سلمان

هوامش

… و»العربفونية« من ينشئ لها منظومة تحمينا من الاندثار؟!
نشأ جيلنا على شيء من الود المفقود مع فرنسا التي كانت لها بعد، في بدايات وعينا السياسي في الخمسينات، صورة »المستعمر«، برغم ان هزيمتها العسكرية في الحرب العالمية الثانية كانت قد جردتها من صفات الامبراطورية او القوة العظمى.
وكان آباؤنا يروون الكثير من وقائع الاضطهاد والتنكيل التي تعرضوا لها على ايدي جيش الاحتلال الفرنسي الذي لم يسلِّم بالجلاء عن سوريا ولبنان الا مع نهايات تلك الحرب ومع تفاقم صراع النفوذ مع »شريكه« في التواطؤ لاقتسام المشرق الاحتلال البريطاني (لفلسطين والاردن والعراق)، والاخطر مع الوافدين الجديدين المنتصرين الكبيرين: الولايات المتحدة الاميركية وبين رؤسائها (ولسن) رافع شعار حق الشعوب في تقرير مصيرها، ثم الاتحاد السوفياتي نصير الشعوب ومعينها لنيل حريتها وسيادتها على أرضها.
…ولقد كان جيش الاحتلال الفرنسي يضم في صفوف جنوده مجاميع من ابناء مستعمراته الافريقية خاصة، وكثيرا ما كان يضع هؤلاء الجنود المسحوقين في مقدم الصفوف لمواجهة المعترضين بالتظاهر والهتاف للاستقلال، فاذا حصل اشتباك فلسوف يكون بين اشقاء. في الظلم وفي التعاسة، بينما »قاهر الطرفين« يجني الحصاد المر لهذه المواجهات.
وشهير هو الرسم الكاريكاتوري الممتاز الذي خرجت به مجلة »الصياد« التي انشأها استاذنا الراحل سعيد فريحة غداة استقلال لبنان، في خريف العام 1944، وهو يمثّل جنديا زنجيا يهاجم ببندقيته والحربة فيها، وبالامر الفرنسي الصارم، متظاهرين يحملون علم البلاد وهو يصرخ بهم: “Moi Civilisez vous” اي »أنا من يمدنكم«.
ربما كرد فعل على ما سمعناه من الاهل بسبب ما وجدنا بلادنا عليه من تخلف، وما كانت عليه مناطقنا من ظلم وإهمال، فقد نفرنا من اللغة الفرنسية، وما تعلمناها الا كارهين، وحتى نتجنب العلامة اللاغية في اي امتحان (في الصفوف الابتدائية)، ثم كان لا مفر منها بعد ذلك في الصفوف التكميلية والثانوية لأن معظم المواد كانت تدرس بالفرنسية، وبالتالي فقد كان اتقانها شرط نجاح.
في اواسط الخمسينات تفجرت ثورة الجزائر العظيمة وواجهتها فرنسا (الاستعمارية بعد) بالبطش الفظيع، ثم انها خلعت سلطان المغرب (محمد الخامس) لانه كان يوفر بعض الملاذ والمدد لثوار الجزائر الذين كانوا قد وجدوا في ثورة 23 يوليو في مصر، الحاضنة وفي جمال عبد الناصر الراعي والمرشد السياسي.
في خريف العام 1956 ارتكبت فرنسا الخطأ التاريخي الذي لا يغتفر اذ اشتركت مع بريطانيا والعدو الاسرائيلي في العدوان الثلاثي على مصر عبد الناصر، بذريعة »تأمين سلامة الملاحة« في قناة السويس، التي كان هذا القائد الثوري العظيم قد اعلن تأميمها كشركة اجنبية لتستعيد مصر حقوقها في ارضها ومياهها.
وهكذا تحول النفور الى شيء من العداء الذي لم يخفف منه الا الانقلاب الذي وقع في باريس وحمل الجنرال شارل ديغول، قائد معركة تحرير فرنسا، الى السلطة، مستوعبا التحولات التي تبدل خريطة الدنيا وأبرزها انتهاء الحقبة الاستعمارية وانتفاض شعوب المستعمرات طلبا للحرية والاستقلال.
مع ديغول بدأت فرنسا تكتسب تدريجيا صورة الصديق، وحل التعاون محل العداء، لكن اجيالا كاملة كانت قد أهملت او فارقت كليا دراسة اللغة الفرنسية مفضلة عليها الانكليزية (لغة تمثال الحرية على مدخل نيويورك)، او أصرت على أن تعتمد المناهج الرسمية باللغة العربية بما في ذلك الرياضيات والعلوم.
طبعا لا مجال لمقارنة اليوم بالأمس، فأكثرية تلامذة لبنان وطلابه يدرسون باللغة الانكليزية التي غدت »الاولى« في حين باتت الفرنسية »لغة ثانية« حتى في العديد من المدارس الرسمية، بينما تراجعت العربية الى المرتبة الدنيا وأخذوا يعاملونها وكأنها لغة الشعر والدين، في حين »الاعجمية« هي لغات العلوم والاكتشافات بل الحضارة الجديدة.
اليوم، وفي بيروت، يتلاقى ابناء المستعمرات السابقة مع مستعمرها القديم فرنسا، في اطار هذه المنظمة المستولدة او المهجّنة لتكون صورة فرنسية عن الكومنولث البريطاني، والتي استدركت ما تعذر ان تكونه في السياسة بالتركيز على الثقافة وبعض وجوه التعاون بين الناطقين، كلياً أو جزئياً بالفرنسية.
لشد ما اختلف الزمان!
لقد غدت الثقافة ترفاً، وفقدت »اللغة« وبالذات العربية من يرعاها ويهتم بها ويعمل على تطويرها اشتقاقاً أو مقاربة أو ابتداعاً لتستوعب علوم العصر واكتشافاته ولتكون لغة للإنتاج وليست مجرد هواية مترفة لفاشلين أو لشعراء أو مجرد مخزن للموروث الثقافي الذي »لم يعد ينسجم مع روح العصر«.
ترى هل فكر أو اجتهد بعض المسؤولين العرب في حماية عروبتهم بتقديم رعايتهم كدول وحكومات وموازنات للناطقين بالعربية من رعاياهم، بحيث يجتهد العلماء والبحاثة والدارسون، في معاهد وكليات ومراكز أبحاث، »لعصرنة« لغة الضاد حتى لا يسترهنها »الارهابيون« باعتبارها لغة القرآن الكريم في حين يهرب »أهلها الصيد« إلى إنكليزية بطل أبطال »الحرب ضد الإرهاب« جورج. و. بوش: أي الى لغة مستعمرهم الجديد؟!
ليست العربية لغة القرآن فحسب، بل هي لغة الحياة، وهذا الاهمال المتعمد لها الذي »يطردها« من المدارس والجامعات وألسنة الأطفال والصبية والفتيات انما يطرد العرب من هذا العالم، أو أنه يؤكد فيهم ولهم صورة المتخلفين الذين لا يستحقون الحياة في عصر الثورات العلمية المتلاحقة إلا كرعايا (أبديين) للاحتلال الدائم إسرائيلياً كان أم أميركياً يستعد لأن يدوم إلى الأبد!
هل من ينشئ منظمة »عربفونية« قبل ان ينقرض العرب؟!

شيخ الحكمة ووصاياه الطاردة للفتنة
في خضم الفحيح الطائفي الذي يجتاح لبنان، انطلاقاً من الغرض السياسي والمصالح الشخصية المموهة بالحرص على السلامة العامة، تارة، أو على الديموقراطية طوراً، يتردد صدى »الوصايا« التي طالما ارتفع بها صوت الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين ناصحاً ثم محذراً ثم منذراً الناس فيسمعون إلا »قادتهم« فيمضون يتابعون لعبة القمار الدموية وهم يزيدون مراهناتهم حتى لا تلحق بهم خسارة ولو أكلت نيران الفتنة الأخضر واليابس.
والذين لم يسمعوا »الوصايا« و»الشيخ« يصبها في آذانهم مباشرة، وقد هاله مسلكهم الذي استمر »حربيا« ولو باستغلال الأطر والشكليات والترتيبات الديموقراطية المموهة، لن تهزهم ولن تبدل من »طبيعتهم« وصاياه بعد الغياب، خصوصاً أن هذا المسلك قد حقق لهم مكاسب لم يكونوا يحلمون بجني مثلها لولا نجاحهم في لعب أدوار »البطولة« في »الحرب القذرة«.
»الوصايا« تنبه إلى هواجس أو مصادر قلق مصيري طالما أرّقت ليالي »شيخ الحكمة« في سنواته الأخيرة، ويمكن تحديدها أو تلخيصها بثلاث أساسية، كما يبرزها »الكتيّب« الذي اشرف على تنسيقه وإصداره نجل الامام الراحل المهندس ابراهيم محمد مهدي شمس الدين:
{ الوصية الأولى موجهة إلى الشيعة الإمامية في كل وطن من أوطانهم، وفي كل مجتمع من مجتمعاتهم: »ان يدمجوا أنفسهم في أقوامهم وفي مجتمعاتهم وفي أوطانهم، وأن لا يميزوا أنفسهم بأي تمييز خاص وأن لا يخترعوا لأنفسهم مشروعاً خاصاً يميزهم عن غيرهم…«.
… ونستذكر هنا كم قاوم »شيخ الحكمة« وكم تصدى برأيه وبصدره لذلك النفر من المهووسين بالتقليد والذين حاولوا النقل عن تجربة الثورة الإسلامية في إيران فنادوا ب»الجمهورية الإسلامية« في لبنان.
ومع أن مثل هذه الدعوة ولدت جهيضا فإنها دللت عن قصر نظر وعن رعونة وعن جهل بطبيعة لبنان وتوازناته الدقيقة وحساسياته المرهفة، فكادت ان تكون صاعق تفجير لحرب أهلية داخل صفوف المسلمين أنفسهم لو أن الشيعة استجابوا لها…
{ الوصية الثانية حول ضرورة الالتزام بمبدأ »لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه«… وهي الوصية التي صارت بفضل الالحاح عليها او توكيدها »نصاً دستورياً« لا مجرد شعار سياسي للمزايدة أو المناقصة: »والحقيقة ان هذا المبدأ وضع ليس فقط استجابة وترضية للمسيحيين، بل كان ضرورة للاجتماع اللبناني ولبقاء كيان لبنان، ليس لمصلحة لبنان وشعبه فقط، وإنما لمصلحة العالم العربي في كثير من الابعاد، وحتى لمصلحة جوانب كثيرة من العالم الإسلامي..«.
{ أما الوصية الثالثة فتتصل بمسؤولية العرب والمسلمين عن حماية الوجود المسيحي في الشرق »لكي تستعيد المسيحية كامل حضورها وفاعليتها ودورها في صنع القرارات وفي تسيير حركة التاريخ، وأن تكون هناك شراكة كاملة في هذا الشأن بين المسلمين والمسيحيين في كل أوطانهم وفي كل مجتمعاتهم..«.
لقد كان »شيخ الحكمة« يرى في الوجود المسيحي ما يتجاوز الحق التاريخي، مستذكراً ان المسيحية الشرقية كانت ديناً أساسياً لأهل المنطقة قبل بعث النبي العربي محمد بن عبد الله برسالة الإسلام، فاستمرار هذا الوجود شهادة جدارة للأمة العربية ذات الأكثرية المسلمة بأنها تحفظ أبناءها جميعاً وتحترم معتقداتهم وتعتني باستمرار وجودهم وهو حق مطلق وبدورهم في صياغة رسالتها الحضارية. انها نتاج جهد جميع أبنائها، وهي تتسع لهم جميعاً على اختلاف معتقداتهم، ومن حقهم جميعاً ان يسهموا في صنع حاضرها ومستقبلها بلا قهر وبلا قسر وبلا تمييز يمكن للأجنبي ان ينفذ منه فيتدخل في شؤونها الداخلية مستغلاً ثغرة التمايز في المعتقد الديني، خصوصاً ان وجدان هذه الأمة قد استوعب فاغتنى بتراث الأديان السماوية الثلاثة…
رحم الله »شيخ الحكمة« الذي ستظل وصاياه منبعاً للهداية ومصدراً للوعي ومرشداً الى طريق الوحدة، وسداً منيعاً في وجه الفتنة والذين يحاولون إيقاظها لأغراض الأجنبي، إسرائيلياً كان أم أميركياً.

»جريمة عاطفية« في ذكريات حربية ونتائج سياسية
قصدنا مسرح المدينة بدوافع تختلط فيها المجاملة بالفضول والرغبة في التعرف الى تجربة هي أقرب الى المغامرة، وجلسنا لمدة ساعتين نتابع عرض مسرحية »جريمة عاطفية« المأخوذة عن احدى الروايات المثيرة للجدل للمفكر الفرنسي الكبير جان بول سارتر »الأيدي القذرة«.
فأما الرواية فلن نضيف جديداً إذا ما غطسنا في مناقشة موضوعها الذي يحمل موقفاً مضاداً لانتهازية »الحزب« الذي يتواطأ مع خصومه ويضحي بالكثير من منطلقاته الفكرية لكي يصل الى السلطة، ولو على حساب مناضليه الذين انتسبوا اليه مفترضين انه الطريق الى الخلاص بقدر ما هو أداة بناء الغد الأفضل.
الجديد يتمثل في »الاسقاطات« التي تتضمنها مسرحة الرواية العتيقة على حاضرنا، بالاتكاء على مرحلة الحرب الأهلية وما حفلت به من تحالفات بين خصوم على حساب العقيدة، ومن تبدل في المواقف انتهازاً لفرصة تسلق السلم الى السلطة ولو على حساب المحازبين والمناصرين والشعب والأمل والمستقبل الأفضل.
أبرز ما في المسرحية حماسة الشباب الذين شاركوا في تقديمها كعمل تعاوني بذل فيها الكل أفضل ما عنده: وليد فخر الدين (الاخراج) والممثلون والممثلات جويس نوفل، طلال الجردي، أحمد غصين، كريم عرمان، رانيا يزبك، نديم خوري، وليد العلايلي، أمال عطايا، عمار عبود.وعلي سلمان (سينوغرافيا)، ويامن سكرية (الإضاءة).
لقد كانوا يقرأون، في لحظات كثيرة، في الواقع اللبناني المعاش أكثر مما يقبسون عن النص العتيق… ولأن الجمهور »فهم عليهم« فقد كان يعبر بالتصفيق أو بالهمهمة أو بالضحك كلما انتبه الى الثورية أو الى التماثل الفعلي بين الحكاية وبين بعض القياديين الذين صاروا حكاماً دائمين لمرحلة تمثل ببشاعة وقائعها بعض وجوه الحرب الأهلية التي لما تنته.
وإذا كان بعض الجمهور قد أخذ على المسرحية طول مدة عرضها (ساعتان) فإن براعة الأداء التي تجلت في أدوار بعض نجومها قد خففت من ضغط المساحة الزمنية، وإن عطل التوغل النظري باستطراداته المطولة من حرارة تجاوب الجمهور.
انها تجربة تستحق التشجيع، ان بقي لدى »أبطالها« من العزم ما يكفي لتكرارها أو للمضي في المشوار الصعب الى نهاياته، البعيدة.

من أقوال نسمة
قال لي »نسمة« الذي لم تعرف له مهنة إلا الحب:
فزعت من أنانيتي حين فرحت بتأمل وجه حبيبي منعكساً في النيل، غير منتبه إلى أن مياه النهر قد شحت فانخفض مستواه ورقت صفحته فصارت تعكس وجوهنا، بينما كانت كثافته الخيّرة تبشر بمواسم طيبة. هل هي أنانية ان أفضل حبيبي على القمح؟! أليس الحب أيضاً مصدراً للخصب؟

Exit mobile version