طلال سلمان

هوامش ليلى عسيران الثانية وقلبها الاول

هوامشش
ليلى عسيران الثانية وقلبها الأول..
******
منحنية كقوس رباب مشدود، تكاد تلتصق عيناها بالصفحة الوحيدة البيضاء في الكتاب الذي ملأته وفاضت عنه تجربتها الفريدة، في أن تكتب بوعي باهر وبلغة بالغة الرقة، تجربة الغياب عن الذات والحوار بين »الأنا« الحاضرة و»الهٍي« أو »الأنا« البديلة التي صارتها في الزمن الذي بات خارج الزمن،
هذه هي ليلى عسيران الثانية تكتب، عن وباسم ومع ليلى عسيران الأولى، الكتاب الذي يؤكد الحضور في الغياب، في لحظة الغياب عن الحاضر: »حوار بلا كلمات في الغيبوبة«.
مَن قال إن في القلب عطباً يستدعي الجراحة؟
كل ما في الأمر أن الحبر قد نفد من الدواة، فكان لا بد من أن تملأ من جديد، وأن الأوردة التي طالما نقلت الأفكار إلى الورق قد تعبت فاستقالت وكان لا بد من تبديلها.
ليلى عسيران بقلبها الثاني أعظم إقبالاً على الحب، أعظم شجاعة على التوغل في مغامرة الحياة، وأوردتها الجديدة تضخ أفكاراً تلامس حدود المحرّم وتهتك ستر المجتنب لتطلق النشيد الحبيس في صدر عاشقة الشمس والريح العاصفة والبحر الذي يحمل المسافرين ولا يسافر، وينشر السكينة ولا يستكين، ويحوّل موجه إلى ملعب للنوارس ولكنه يضيق بأعشاشها لأنه لا يعرف النوم ولا يقبله.
لا تستطيع أن تكون محايداً مع ليلى عسيران.
إنها تفرض عليك الانحياز، فإن كنت محايداً انصرفت ومنعت عنك نعمة حبها!
كيف تجري عملية جراحية لقلب باتساع الحلم؟!
في أول لقاء، قال غسان كنفاني بسخريته الناعمة: أما أمين الحافظ فتعرفه ويعرفك أكثر مما يجب، وأما ليلى فخير لك ولها أن تعرفها وتعرفك أقل مما يجب.
استدرك »بهاجيجو« الذي كان »اشبين« التعارف: الحقيقة أنا المظلوم الوحيد في هذه الحفلة من نفاق الكتّاب، مع أنني »أجدع« منكم جميعاً، فالكاريكاتور يقول ما لا يخطر في بالكم فإذا ما خطر لم تجرؤوا على قوله أو لم تعرفوا كيف تقولونه!
ما أقرب الأمس: قبل سبعة وعشرين عاماً استشهد غسان كنفاني بعبوة إسرائيلية ناسفة نثرت قلبه فوق الزيتون من مار تقلا الحازمية في ضواحي بيروت إلى عكا على الساحل الفلسطيني للبحر الأبيض المتوسط!
ما أبعد اليوم: »بهاجيجو« في لندن يحاول مع الفرنجة من الأطباء استنقاذ عينه اليمنى بعدما تعطلت شبكة العين اليسرى.
أما الغد ففي غياهب »الغيبوبة« التي عاشتها ليلى عسيران كأنما بقرار سياسي واع يعبّر عن اعتراضها على حال العرب، الذين لا هم أحياء فيفعلون ولا هم موتى فينقطع منهم الرجاء.
بين الحين والآخر كانت سماعة الهاتف تلعلع بصوت ليلى عسيران: تعال الليلة… حبيبك أحمد بهاء الدين هنا، ويريد أن يراك!
أو: أينك صامت لا تكتب عن محنة شعب العراق؟!
أو: كيف قصّرتم فلم تكرموا الفنان العظيم سيد مكاوي؟!
أو: ها هي حياتنا تزداد إظلاماً، لقد رحل لطفي الخولي… ومع أنني أرفض موقفه الأخير من التطبيع وإسرائيل، إلا أنه صديق العمر ومناضل كبير وواحد من أهم المثقفين العرب.. هل لي أن أكتب عنه؟!
وتكتب ليلى عن »صديق الضد« بما يستعيد صورته الأولى التي لا يجوز أن تطمسها هفوة، ولو خطيرة… فالإنسان بتاريخه كله لا بيوم منه!
تسكنها مصر، دارت الدنيا، وأمضت شطراً من حياتها متجولة بين الأجمل من عواصم العالم، المصايف الفخمة والمشاتي الأفخم، سواحل الهوى والشباب وجبال التمرد الثلجي الهادئ… إلا أن خان الخليلي وزقاق المدق وسيدنا الحسين والسيدة زينب وبولاق والدقي وشبرا بقيت أقرب إلى قلبها، تجوس فيها بخيالها إن عزّ عليها أن تتجوّل فيها وأن تلامس نبض الحارات الشعبية في قاهرة المعز.
لصلاح جاهين موقع الصدارة في البيت والوجدان،
أما سائر الأجنحة فلأقرانه وزملائه من مبدعي حقبة النهوض التي تذوي وتكاد تنسحب من واقع الحياة اليومية وإن كانت بذورها الكامنة لن تتأخر في التفتح، أو هذا ما تتمناه.
وهي العائدة إلى هؤلاء جميعاً، بعد غياب، ترى الناس والأحداث والأشياء بصورة أوضح الآن.
لكن إيمانها بمقدساتها أعظم.
ليلى عسيران بقلبها الجديد وأوردتها التي تضخ الأفكار بغزارة نادرة، أضافت جديداً إلى المكتبة العربية في تجربة »الغيبوبة«.
يحضر سعد الله ونوس كبيراً، ويطل عبر السطور مؤكداً القدرة المذهلة لليلى عسيران في إعادة بناء الأخيلة والأوهام والوقائع بتفاصيلها المثيرة بحيث تحوّل المأساة الشخصية إلى فن إبداعي نادر المثال.
حبركِ الآن نهر بغزارة وجعك، يا ليلى،
وقلبك الجديد ورث الحب قديماً، وها هو يضيف إليه كل يوم.
لتكن لك أحلى الأيام، يا شجرة الورد المتبقية من الزمن الجميل والتي لا تكف تبشّر بزمن جميل سيأتي، مرة أخرى، مجبولاً بعطر الراحلين.

عمرك في وجه صديقك
****
تقرأ عمرك في وجه صديق عمرك.
تقرأ حزنك في عيني شريكتك في فرحك وفي أحزانك.
تقرأ فرحك في لثغة الحفيدة وهي تفاجئك بأنها تفهمك أكثر مما تفهمها، وتعبّر بعفوية صادقة عما تحار في كيفية إيصاله إليها!
فريد كامل وإيرما، بعد دهر من الفراق!
تكأكأنا على بعضنا البعض ستة من الكهول الذين جمعت بينهم أيام الصبا والجمال والسفر عبر القارات وراء فضولهم الذي ليس له حدّ.
تأمّل كل منا الآخر، فقرأ حجم التبدل أو التحول وآثار الزمن الوحشية فوق الوجوه، بدءاً بالشعر (إن وُجد)، مروراً بذبول العينين وأخاديد الخدين وثنايا الرقبة المجعدة، وصولاً إلى تلك الحدبة في الظهر وانطواء الساقين بحيث تنفر الركبتان ليكتمل القوس في الخلف من قمة الرأس حتى القدمين.
قبل أن نكمل السؤال عن الحال تدفق كل بشكواه: الصحة والاعمال والانكسارات.
تاريخ من النضال السياسي يشتعل شيباً. مجموعة من الكتب في كل فن، والترجمات، وشيء من الرسم، وكثير من الظرف، و»شهادات« بالتفوق من بارات ومقاه ونواد ليلية بمختلف لغات الأرض، وتجوّل في كل أوروبا بمصريته العريقة التي انتهت بابنه جندياً يخدم العلم الإيطالي في ثكنة للحلف الأطلسي بألمانيا قبل تخرّجه من الجامعة.
ما أضيق فسحة الأمل فيك أيها الوطن المترامي الأبعاد بين أقصى أفريقيا على الأطلسي وأقصى آسيا على المحيط الهندي!
ميشال كامل يموت وحيداً في فرنسا،
وفريد كامل ينتظر انطفاء حياته في إيطاليا.
وملايين الشبان العرب، وبينهم المبدعون والعلماء والفنانون والشعراء والكتّاب، والملفوفة زنودهم، والجبارة إرادتهم، يتهاوون في المنافي الباردة، يبيعون نتاج عقولهم أو سواعدهم بما يملأ معدتهم ويشتري لواحدهم فنجان قهوة في مقهى أو تذكرة سفر إلى منفى أرخص.
يا عراق! يقتل السواد في أرض الرافدين.
يا ذا النهرين… يقتلك العطش!
يضحك فريد كامل ويقول بنبرته الساخرة: سأعيش مرتين! حياتي الثانية للتكفير عن الأولى، ليس إلا!
تضحك إيرما: لم يضع يوم واحد عبثاً! عش حياتك حتى آخر ثانية، لا تترك منها شيئاً! نحن الأجمل! اننا نعرف كيف نضحك! يومنا هذا مثلاً بألف سنة!
تتراجع الأمراض والشكاوى والتأوهات، ويتدفق نهر الحياة أسمر كوجه النيل، رائقاً كتغريدة حسون، ندياً كشذى وردة.
المهم أنك أعطيت. المهم أنك حفرت بإنتاجك سطراً في سجل الغد. المهم أنك بقيت من الناس، مع الناس، بين الناس.
الباقي تفاصيل! لا أحد يريد التفاصيل!

»السيدة« التي لا تسمع الموسيقى!
****
في منتصف السهرة التي كانت تثقل عليها الشكليات والنفاق والمجاملات الرخيصة، أدخل المغني وبيده عوده ومن خلفه صاحب الرق. وصفا الجو للطرب المنعش إلا من ثرثرات نسائية مفتوحة ولا يمكن وقفها أو التخفيف من تشويشها.
تنقلت »السيدة« بين الحضور تجاملهم، وحين وصلت إليه كان في ذروة انسجامه مع اللحن الشجي وكلمات الأغنية التي يحب.
قالت »السيدة« بلا مقدمات: أتحب المرأة كما يصفها هذا المغني؟!
فوجئ حتى الصدمة، وارتبكت إجابته.. فهو بالكاد يعرف »السيدة«، ولا يحب أن يؤخذ على حين غرة، كما أنه لا يمكن أن يكشف المخبوء في صدره أمام أغراب. وأخيراً سمع نفسه يقول: الشعر جميل، واللحن جميل، والصوت جميل، وفي جو كهذا أكون مع ذاتي.
عادت تلح: وذاتك مفردة أم هي حاصل جمع اثنين؟
قال محاولاً إنهاء النقاش: ليس من ذات مفردة.. إنها تتضمن دائما مَن نحب.
ارتاحت »السيدة« في مقعدها وانطلقت تمهد لحديثها الطويل: أنتم هكذا دائما، صنف الرجال. تتخيلون المرأة وفق رغباتكم، ثم تكتبون الشعر فيها وهو في حقيقته عنكم، وتلحنونه وقد تغنونه، فتطربون وتنسجمون وتعيشون مع أخيلتكم، بينما المرأة خارجكم على غير ما تتصوّرون.
قال يحاول إنهاء هذا الحوار »الحربي«: ربما.
قالت كأنها لم تسمع: إن واحدكم يطارد المرأة بنظره، ثم بكلماته، منطوقة أو مكتوبة، ثم بالتحرش المباشر الذي قد يتضمن وعودا خرافية وتعهدات بنزهات فوق سطح القمر ورحلات في قلب العطر والنشوة. إنكم تتعاملون معنا كدمى أو كأجساد لا روح لها أو كمخلوقات دونكم تستطيعون استدراجها وخداعها والتغرير بها، ثم يذهب واحدكم إلى أصدقائه ليتباهى بكفاءته كصياد ماهر، وليستعرض عضلات رجولته وجولاته الموفقة في اصطياد الطرائد الغبية.
قال برجاء: تضيعين عليّ وعليك متعة الأمسية الرائقة. لنؤجل هذا الحوار النهاري إلى الغد!
قامت مغضبة وهي تقول: كلكم ذلك الرجل! تطاردون كل امرأة، في الشارع، في المكتب، في المقهى، في المطعم، وحيثما وقعت عليها عيونكم. تتفحصون كل عابرة من قمة الرأس حتى أخمص القدمين. تدسون عيونكم في صدرها، في كل تفصيل من جسدها، تقيسون حجم نهديها، استدارة ردفيها، »سبكة« ساقيها، وتقررون مدى جمال عينيها ورموشها وأهدابها، وقد تتدخلون في تسريحة شعرها… فإذا ما صدرت عنها ملاحظة تنم عن انزعاج أو ضيق اتهمتموها في ذوقها أو في درجة تحضّرها. سأتركك يا سيدي تسمع ما تتشهاه في المرأة، وانصرف، ولكن اسمح لي أن أقول: إن ربطة عنقك غير موفقة، وإن وجهك نافر الوجنات بغير شاربين، وأن نظرك شحيح وإلا لكنت لاحظت أن كأسي فارغة، وأن ذوقك رديء بدليل أنك ترى بأذنيك وتسمع بعينيك وتربط يديك بقدميك فلا تحسن المشي، ولا تتناول ما ترغب فيه. سلامي إلى مطربك الرديء وأغاني زمان الإبحار مع الخيال، بينما الجمال يعبر بطن العين فيغرق ويضيع هباء.

من أقوال »نسمة«
**
قال لي »نسمة« الذي لم تُعرف له مهنة إلا الحب:
يقرأ حبيبي أفكاري، وأستشف ما يرغب فيه من قبل أن يقول. لكأن الحب يسكنك في نفس حبيبك، تصيره ويصيرك وتنعدم بينكما المسافة. مع ذلك فإنني ما زلت أجد حبيبي بعيداً عني! أخاف أن تشغلني عنه خاطرة أو يأخذني منه أمر يستدعي التركيز.
هل جرّبت السفر داخل حبيبك؟ إنها الرحلة الأمتع، لا تيه فيها ولا ضياع، لا ملل ولا عبث. تكتمل في حبيبك ويكتمل فيك، وتستحق الحياة أن نعيشها. a

Exit mobile version