طلال سلمان

نحو الفاشية، النيوليبرالية الى مرحلة جديدة

تدخل الرأسمالية في عقد حر اضطراري مع العمال، وفي نفس الوقت تدخل في منافسة اضطرارية في مواجهة أطراف الرأسمالية الأخرى. حرية عقد العمل وحرية التبادل التجاري محكومتان بالضرورات. لكل واحدة منهما خضوعها وعبوديتها. مع صعود النيوليبرالية صدّرت رأسمالية المركز الكثير من مؤسساتها الإنتجاية الى أسيا وغيرها في سبيل التخلص من عبء الطبقة العاملة عندها. الاستبداد في البلدان المصدرة إليها مؤسسات الإنتاج كفيل بقمع الطبقة العاملة لديها في سبيل خفض الأجور وتدني الكلفة ورفع الربح وما ينتج عنه من تراكم الثروة. كل ذلك من أجل الخلاص من الصراع الطبقي في بلدان المركز وقمع الصراع الطبقي في الأطراف. جرى ويجري تدمير قدرة الطبقة العاملة على التماسك والتفاوض جماعياً عن طريق النقابات. هذه أصبحت هزيلة في بلدان المركز. وتخضع للدولة في بلدان الأطراف خضوعاً لا يخلو من القمع والتعذيب. تشتيت الطبقة العاملة وإزاحتها الى بلدان أخرى هدف أساسي للنيوليبرالية. مرّ الرأسمال المالي بثلاث مراحل بعد 1945:

1- المرحلة الأولى كانت الولايات المتحدة تعترف بالنقابات، بوعي الطبقة العاملة لنفسها، وكانت على استعداد لإعطاء تنازلات خاصة على صعيد التقديمات الاجتماعية والتقاعدية والصحية. امتدت هذه المرحلة بين 1945 و 1975.

2- المرحلة الثانية تمتد نحو 40 عاماً، بين عام 1975 وعام 2018، حيث انتقلت الرأسمالية نحو النيوليبرالية، وفكفكت النقابات العمالية، وصادرت ممتلكات الدولة (الخصخصة). وبدأ النظر في إلغاء التقديمات الاجتماعية، ومصادرة أموال صناديق التقاعد (علماً بأن هذه الأموال ملك المتقاعدين؛ إيداعها في صناديق التقاعد يشبه الإيداع في المصارف). في هذه الفترة أزيلت القيود على الرأسمال المالي. وجرى نزع العلاقة بينه وبين الاقتصاد، وسُمِحَ للمصارف بالعمل المصرفي بالمفرّق والعمل الاستثماري في وقت واحد. اعتمد بلد مثل الولايات المتحدة (وربما بريطانيا) على قطاع الخدمات التي بلغت أكثر من 80% من الدخل الوطني. اتسعت الفجوة بين المداخيل. صار الفرق بين معدل المداخيل العام ومعدل مداخيل الطبقة العليا، التي تشكل أقل من 1% من السكان، أكثر من بضع مئات المرات. رغم انهيار 2008 المالي لم تتراجع مداخيل الواحد بالمئة من السكان بل زادت أضعافاً. ابتدع الرأسمال المالي بدعة تقضي بأنّ تركّز المال في يديه سيؤدي الى مزيد من الاستثمار في أنحاء العالم، وستسرّب نتائج ذلك للطبقات الدنيا.

3- في هذه الفترة زاد منسوب الغضب لدى الجماهير ضد المهاجرين وضد الغرباء. وصارت القضايا الأمنية هي الأساس، وصارت الحرب على الإرهاب والتطرّف الديني هي السياسة. ولم يبق سوى فرض القانون العرفي (وهذا ما يتم البحث به الآن على يد ترامب وأعوانه).

4- المرحلة الرابعة التي تبدأ الآن يسيطر فيها اليمين المتطرّف والشعبويون، لكن الاتجاه الرئيس هو نحو الفاشية. لن يعلن أحد من قادة العالم الكبار أنه فاشي، لكن محتوى السلطة يدل على أن الأمور تتجه نحو ذلك. علمتنا تجارب القرن العشرين أن القيادات الفاشية والنازية جاءت الى الحكم بواسطة الانتخابات وهذا ما يحدث الآن. وكانت الأحكام العرفية هي مقدمة التحكم بالسلطة استبدادياً. وهذا ما يحدث الآن. بعد أن جرى تطويع وتدجين الطبقة العاملة في الغرب عن طريق الخصخصة أولاً، ثم نقل الصناعة الى خارج الغرب، بدأت عملية فكفكة الطبقة العاملة في الغرب، والاعتماد على طبقة عاملة مقموعة في البلدان الأطراف.

الحركات الاحتجاجية الشعبية الآن لا تقودها الطبقة العاملة ولا أحزابها. فهذه أصبحت مهمشة. بل هي حركات غضب وعنصرية عنيفة تصب جام غضبها ضد المهاجرين الجدد (والقدماء ربما) وتلصق بهم تهمة الإرهاب. وهذه التهمة تناسب حرب الإرهاب العالمية؛ إذ القتل في الميدان من دون محاكمة، ومن دون المرور عبر عملية المحاكمة القانونية في المحاكم.

بيروقراطية النظام العالمي من صندوق النقد الدولي الى البنك الدولي الى منظمة التجارة الدولية ما زالت تؤدي عملها. لكن المركز الذي تنطلق منه قرارات الرأسمال المالي هو مؤتمر دافوس السنوي في المنتجع الشتوي في سويسرا.

الطبقة العاملة التي دجنت في مرحلة 1945-1974، والتي أشبعت بالدين النيوليبرالي في السنوات الأربعين التي تلتها جاهزة لتقبل الفاشية بفعل الغضب وكره الأجنبي (الهجرة) اللذين تثيرهما النيوليبرالية بشعار “أميركا أولاً”، أو أي بلد آخر أولاً. المشاعر القومية لا توجه نحو التفاوض مع الطبقات الفقيرة ولا نحو المؤسسات الدولية. هذه الطبقات يُثار لديها الذعر والخوف من المهاجرين ومن انتقال الصناعة مما يسبب خسارة فرص العمل. تؤيد هذه الطبقات إجراءات الحرب الجمركية بين الدول الكبرى (أميركا والصين) والعقوبات الاقتصادية تجاه دول كبرى وإقليمية؛ تجاه روسيا وإيران وغيرهما.

يرتفع منسوب الدين السياسي حول العالم بين الشعوب وذلك لصالح الطبقات الحاكمة. التأكيد على “نحن” وعلى علاقة مميزة مع السماء يتوازى مع شعارات “أميركا أولاً”، “والصين أولاً”، “والهند أولاً”. لا يخفف من أثر هذه الشعارات، في الهند والصين وحتى أوروبا، إلا الموقف الأميركي الذي يهدف الى فرض الاستراتجية بالأمر. تخوض الرأسمالية الحرب الفعلية باقتصاد الأمر: توجيه كل الموارد والصناعات الى المجهود الحربي. تتجه الاستراتجية الأميركية الى إدارة الحرب التجارية (الحرب الجمركية) بالأمر. كانت الولايات المتحدة تمد يد المساعدة الاقتصادية خلال الحرب العالمية الثانية (Lease Programs)، وما بعدها (مشروع مارشال). على الدول الأخرى أن تدفع الثمن. المكسيك للجدار، الشرق العربي للحماية، وزيادة حصة أوروبا في نفقات حلف الأطلسي. تهديد الصين من الداخل. فهناك الكثير من الأقليات المسيحية والإسلامية التي تُضطهد. ليس صدفة أن نائب الرئيس الأميركي تبشيري بروتستانتي، وأن الرئيس يهتم كثيراً لإرضاء هؤلاء. ويلقي يمنة ويسرة ملاحظات تحقيرية ضد السود وبقية الملونين.

لا مانع لدى الرئيس الأميركي من “إغلاق الحكومة”؛ ميزانية العسكر جرى التصويت عليها؛ مؤسسات أخرى فيها أكثر من 800 ألف عامل مغلقة من دون رواتب. ولا مانع لديه من استمرار الإغلاق ما دام الكونغرس (المنتخب ديمقراطياً) لا يرضخ. الرضوخ للزعيم لا التفاوض معه. على الموالاة والمعارضة الرضوخ للأمر.

المدخل الى كل ذلك هو اعتبار الجدار ليس فقط مسألة مهاجرين شرعيين أو غير شرعيين، بل اعتبار الحالة السائدة على الحدود حالة أمنية تستدعي فرض حالة طوارئ. العسكر والأجهزة الأمنية حاضرة لتنفيذ الأوامر على الرغم من المعارضة العنيفة على جميع الجبهات. لكن أكثرية البيض الحاقدين على الملونين وعلى المهاجرين معبأون لصالحه. فيتعامل معهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي لا عبر الكونغرس.

يقودنا هذا الى تصلب الرئيس ومؤيديه ورفضهم السياسة وعقد صفقات التفاوض السياسي مع المعارضين. هو يحكم بالأمر. وعوده في الحملة الانتخابية هي ما يجب أن ينفّذ. التنفيذ بالأمر ولا تسويات ولا تفاوض. كل اجتماع مع الحزب الأخر ينتهي في بضع دقائق. ما أن يبدي أحد الحاضرين من الحزب الآخر اعتراضه على الجدار مع المكسيك حتى ينتهي الاجتماع. الحكم بالأمر لا بالسياسة هو الطريق الى الفاشية مع استغلال غضب ونقمة الجماهير الشعبية (هي في معظمها من البيض وغير الملونين).

إلغاء السياسة هو جوهر الفاشية. التبعية لإرضاء القائد هو الأساس، وكل ذلك باسم الوطن (أميركا عظيمة مرة أخرى).

كانت الليبرالية مضطرة للسياسة في وجود تهديد الاتحاد السوفياتي (وغالبه كان مفتعلاً أميركياً من قبل الأجهزة الأمنية). لم تعد النيوليبرالية بحاجة الى السياسة. ما ترسمه في دافوس يتم تنفيذه. كانت دافوس مركزاً للعولمة، صارت مركزاً لتلقي الأوامر الأميركية ونشرها في العالم.

يعاني أرباب النيوليبرالية من انتفاخ الذات. حققوا انتصارهم على الاتحاد السوفياتي، مما أدى الى تفكيكه. دمروا الطبقة العاملة بتشتيتها. جمدوا الأجور عند سقوف 40 سنة مضت، ونجحوا في ذلك. عمموا الخصخصة فأصبحت ما يشبه الدين للرأسمالية المالية. يجهزون على ما تبقى من أملاك الدولة والقطاع العام. لديهم الأموال لشراء ذلك بأسعار بخسة. وما يدعم الانتفاخ الذاتي لدى النيوليبرالية هو كثرة المال لديهم وجهوزية الجيش الأميركي. جيوش العالم الأخرى يزداد تسلحها لا لمقارعة الأوامر الأميركية بل لدعمها. في كل لقاء بين الرئيس الأميركي وقادة العالم، نرى هؤلاء يطأطئون الرؤوس. عليهم كلهم أن يدفعوا للقبضاي الأميركي من أجل حمايتهم. والذي يحميهم يزداد زهواً.

ضمور المجال العام يسترعي الانتباه. هو ضمور للسياسة وتراجع لقدرة الطبقات الفقيرة عن المطالب؛ بالأحرى عجزها عن تحقيق مطالبها. منذ ثلاثين عاماً والأجور لم تزدد بما يتناسب مع القدرة الشرائية.

ألا يسترعي الانتباه أن صعود النيوليبرالية تزامن مع صعود الأصولية الدينية؟ وذلك في أواخر السبعينات. ألا يسترعي الانتباه أن الرأسمالية بشكلها النيوليبرالي تعاني أزمة تدفعها باتجاه الفاشية؟ عند ذلك تجتمع العناصر الثلاثة في بنية فكرية واحدة. أحدثت النيوليبرالية خللاً في جميع المجتمعات. حصل اكتناز للمال بشكل غير مسبوق. قدمت وعوداً بأن سياساتها في Supply Side Economics و Trickle Down الى جانب خفض الضرائب سوف تؤدي الى ازدهار الطبقات الفقيرة عن طريق ما يسمى الاستثمار. استثمار ما اكتنزته الرأسمالية على مر السنين والعقود. لم تستطع هذه الرأسمالية، ولايمكنها بهذه السياسات، الوفاء بوعودها. لذلك كان رد الفعل الشعبي إما على نسق ما حصل في الميدان ضد السلطة، أو ما يسمى Tea Party Movement لدعوة الحكومة الى تخفيف تدخلها في شؤون الناس. الأولى تجنح الى اليسار، والثانية تجنح الى اليمين. ثم جاء الرئيس ترامب متحالفاً مع اليمين الديني (Evangelical)، وكان نائب الرئيس Pence واحداً منهم. بعد الثورة العربية وقبلها، وفي إثر انهيار العالم 2008، كثر عدد المهاجرين الأفارقة الى أوروبا، واللاتينيين الى أوروبا، مما أثار موجة خوف من هؤلاء الغرباء، بتحريض من اليمين المتطرّف الذي وصل الى السلطة في الولايات المتحدة، والى بعض مواقع السلطة في أوروبا الغربية والشرقية. ما يُسمى الإرهاب يقوم به اسلاميون وافدون، أو مواطنون أصليون يمينيون من أهل البلد. الغضب من تجمد الرواتب أدى الى الغضب، إضافة الى الخوف من المهاجرين ومن المستقبل. ما زاد الطين بلة أنه بعد انهيار 2008 ازداد حجم الثروات الكبرى (بعضها وصل الى ما يقارب تريليون دولار) وكثر عدد حامليها. ربما كان طبيعياً أن تشتد الاتجاهات الدينية لدى هؤلاء القاطنين في آسيا وأميركا اللاتينية وأفريقيا. والتشدد الديني (تركيز على الهوية) يؤدي الي الشعبوية (ذات المعنى الغامض) والى الفاشية التي هي معروفة بالتجربة خلال القرن العشرين.

الحدث ذاته، تطور الأحداث ذاتها، ما قاد الى تصلب النيوليبرالية من جهة، والى تصلب الاتجاهات الدينية والشعبية وظهور الفاشية من جهة أخرى. ولا شيء يمنع أن النيوليبرالية في بلادها الأصلية تريد التصلّب الديني والفاشية من أجل تركيز الفقراء على الهوية لا على المطالب الاجتماعية. من أجل أن يجتمعوا، حاول قادتهم الامعان في الممارسات التي تلامس العنصرية، وتغوص فيها أحياناً. خطاب الطبقات العليا وبعض الحكام والحرب التجارية (أميركا أولاً) وبناء جدران الفصل ساهم في زيادة منسوب التوتر. جاء ترامب رئيساً وهو راكب على موجة الغضب والخوف. غيره كذلك. التعديات الفاشية والنازية الجديدة في الغرب ليست حوادث معزولة. تصلّب الأنظمة في أسيا وأميركا اللاتينية ضد الأقليات الدينية واسع الانتشار. عالم يحترق، على ما أطلقت عليه الاسم إحدى كاتبة اميركية من أصل صيني-فيليبيني منذ عقد ونصف. الحركات الاشتراكية تكون عادة ضد الأنظمة، أما الأصوليات الدينية والحركات الفاشية فهي تدعم الأنظمة. الأولى تركّز على الأوضاع الاجتماعية. الثانية تركّز على مواضيع الهوية؛ الهوية التي تجمعهم مع حكامهم، مع جلاديهم. الاشتراكيون ضد الاستغلال الطبقي. المتطرفون الدينيون والفاشيون لا يهمهم الأمر.

مسار النيوليبرالية والأصولية الدينية والفاشية كان واحداً خلال السنوات الماضية. قاعدة هذا التطوّر هي الإجراءات والسياسات التي عممتها النيوليبرالية في العالم. الفاشية والأصولية الدينية مهمتهما تبرير الأوضاع القائمة. البنية الفكرية واحدة. يأتي بحث ذلك في المقالة القادمة.

تنشر بالتزامن مع مدونة الفضل شلق

Exit mobile version