أما وقد بلغت أعلى مراتب العمر وأروعها أظن أنني صرت أقدر من أي وقت مضى على أن أصدر أحكاما لا غبار عليها ولا ممالأة فيها ولا خوف منها. أعني الأحكام التي تخص أي شيء باستثناء السياسة. ففي السياسة انحياز لا مفر منه. أما عن أعلى مراتب العمر وإسباغ صفة الروعة عليها فالقصد من ورائهما التعبير عن قيمة توصلت إليها، أو توصلت لي، بعد عقود شهدت معي مختلف التجارب الإنسانية. شهدنا معا حروبا وسلاما، برودة ودفئا، صداقات وعداوات. عشنا معا نمارس أو يمارس ضدنا الصدق حينا والكذب حينا آخر، ذقنا معا حلاوة الجمال ومرارة القبح، تفانينا في عمل الخير وقصرنا في محاربة الشر. حتى وصلنا أخيرا إلى مرحلة لا خيارات حول الموقف من تفاصيلها.
***
استلمت سيارتي من وكيل الشركة في روما، وفي نفس اليوم سألت نبيل العربي زميلي في أكبر دفعة من الملحقين الدبلوماسيين يجري تعيينها في الخارجية منذ تولي الضباط الأحرار مسئولية الحكم في مصر، سألته عن أقرب موقع سياحي يلجأ ناحيته المقيمون في روما مع عائلاتهم في أيام العطلات. غاب عنا قليلا وعاد ومعه خريطة قال عنها إن لا أحد من الأجانب المقيمين في إيطاليا أو السائحين إليها يتحرك بدونها.
فتح نبيل الخريطة ليحدد لي موقع مدينة تيفولي و”فيلا ديستي” بالذات. اشتهرت حدائق التيفولي بتخطيطها الجذاب ونافوراتها العديدة وبالقصر الرائع. حدد لي أيضا موقع “كاستيل جاندوفلو” الضاحية التي يقيم فيها بابا الفاتيكان في شهور الصيف، وهي مرتفعة قليلا عن سطح البحر وتتوسطها بحيرة واسعة. تركني اختار بين الاثنين.
اخترت مصيف البابا. تحركنا في الثامنة صباحا يدفعني الفضول والرغبة في إدخال السعادة إلى عائلتي وصديقات لنا من لبنان، ولكن راح يهدئ من حماستي ما وشت به الخريطة عن قدر الارتفاع الضئيل لهذه الضاحية. كنت ما أزال أعيش عقدة المقطم، الجبل المتاخم للحي الذي ولدت فيه وشهد مرحلة تنشئتي الأولى. خيل إلينا، أنا وغيري من الأهل وأطفال الحي الذي انتقلنا إليه، أن المقطم جبل، لأكتشف في أول رحلة لي خارج مصر أنه ليس جبلا وإنما نتوء من سلسلة جبال أعلى تمتد على طول البحر الأحمر والصحراء الشرقية، ولأقابل من يبلغني أن كلمة “المقطم”، هي تحريف، أو تصحيح إن شئنا، لكلمة “المقتطع” التي أطلقها عليه أوائل علماء الجغرافيا العرب، أو ربما أحد قادة الفتوحات العربية.
كانت، على كل حال، رحلة طيبة من نواحي أخرى. الضاحية كانت تبعد ما لا يزيد عن خمسة وعشرين كيلومترًا عن روما. يتوسطها ولكن على ارتفاع مناسب قصر أو قلعة البابا. كل ما في القرية يعكس ذوقا رفيعا وطبيعة خلابة حتى إنها مصنفة في أحد كتيبات السياحة باعتبارها واحدة من أجمل قرى إيطاليا. تتوسطها بحيرة “ألبانو”، وتتوسط أيضا مجموعة تلال “ألبان” المقتطعة بدورها من سلسلة جبال “أبينين” المتمددة كسلسلة الإنسان الفقرية من أقصى جنوب إيطاليا إلى أن تنبسط الأرض شمالا عند سهل لومبارديا حيث توجد مدينة ميلانو أشهر مدن إيطاليا المتقدمة صناعيا وتجاريا وثقافيا.
مرة أخرى أجرب السفر قائدا لسيارتي في رحلة إلى نابولي، عاصمة الجنوب. كانت الرحلة سهلة والطريق الساحلي مريح ومنبسط. توجهنا فور وصولنا إلى مقر سكن نائب القنصل وهو أيضا من زملاء دفعتي. شربنا القهوة بسرعة متشوقين لركوب العبارة التي سوف تحملنا إلى جزيرة كابري، تلك الأسطورة السياحية. جمالها في جبالها ووديانها ومقاهيها المتناثرة وقصورها المترامية على قمم الجبال، قصر منها كان المفضل لدى الملك فاروق. قصور أخرى استضافت كبار قادة الحرس والوصيفات وسكرتارية جلالة الملك وأحد كبار الصحفيين وكان ملازما للملك والحاشية والأميرات شقيقات الملك والملكة نازلي في كل رحلاتهم الخارجية. بعد قضاء يومين بين كابرى ونابولي قررت العودة على طريق غير طريق الشاطئ المنبسط حيث بعض أجزائه دافعة للملل ككل طرق السفر المنبسطة وإن كان أغلبه يمر إلى جانب جبال مبهرة تتخللها مصايف توقفنا في بعضها. حاول مضيفنا أحمد والي إثنائنا عن هذه المغامرة خاصة وأننا كنا في الخريف والأبينين على عكس مختلف سلاسل الجبال في أوروبا غير مأمونة الجانب فضلا عن كونها في ذلك الحين جبالا غير متحضرة سياحيا. كانت نصيحة تأكدنا خلال الرحلة الصعبة من صدقها. كنت رغم الإرشادات من جانب أهل نابولي قد تعمدت أن أخفي عنهم أنها ستكون الرحلة الأولي لي سائقا لسيارة وإلى جانبي زوجتي في جبال الطرق فيها لا تتسع إلا لسيارة واحدة في الاتجاهين وبخاصة عند الاقتراب من القمم أو الهبوط منها.
إن نسيت الكثير فلن أنسى اللحظات التي شهدت هبوط سحابة سوداء على قمة جبل كنا على وشك الوصول إليها. لا أذكر بالدقة الكافية كيف أننا قررنا أن تخرج زوجتي من السيارة لتمشي أمامها وهي ممسكة بكشاف بدائي تستكشف أطراف الطريق خشية أن ننزلق نحو حافة لا نراها والسحابة السوداء تظللها وتظللنا. كنت أقود وأمامي زجاج السيارة يكاد لا يرى من خلاله سوى ضوء خافت صادر عن الكشاف الضعيف الذي أمسكت به زوجة مرتعبة.
***
انتهت الرحلة بسلام بعد أن خلفت في ملف ذكرياتي قصة أول تجربة قيادة على طرق جبلية وعرة وفي ظروف خطرة. هذه التجربة بكل المعاناة التي عشناها كانت وراء تحقيق حلم قديم، حلم قيادة سيارة في مواقع متعددة من سلاسل جبال شامخة، وبخاصة سلسلة الألب الأشهر في خيالي وزيارة قرى ومدن سمعت أو قرأت عنها. أذكر أنني خرجت مما سمعت وقرأت منبهرا حتى قبل أن أصعد فيها بسيارتي وقبل أن أمشي في شوارع مدن أوروبا وأزور كنائسها الأثرية وغيرها من المباني الأثرية الرائعة مثل كنيسة نوتردام في باريس وكنيسة العائلة المقدسة في برشلونة وتماثيل نحتها أعاظم الفنانين في روما. أحلامي غطت غالبية المواقع التاريخية في إيطاليا والساحة الأكبر في برلين والغابة السوداء قرب ميونيخ وكل شارع ومقهى ودار الأوبرا في فيينا والبحار السبعة قرب سالزبورج وقرى وسط الألب في سويسرا.
هذه المواقع ليست سوى نماذج للكثير من إبداعات الطبيعة والبشر، أكثرها لا يرى إلا برحلات ينظمها ويقودها بنفسه إنسان مثلي يحلم بزيارة أثر أو شخص في موقع بجبل ضمن سلسلة جبال فيقرر في لحظة ويبدأ على الفور يحقق الحلم منفردا أو مع رفيق سفر. هذا بالضبط ما عشت أفعل خلال عطلاتي. بدأت بركوب جبال إيطاليا ظنا مني أنها ستكون أقل وعورة، أملا في أن تكون تمهيدا طيبا وآمنا لاقتحام عالم القيادة الجبلية الصعبة في الألب وغيرها من السلاسل الشهيرة في العالم. تحقق الحلم.
تنشر بالتزامن مع جريدة الشروق
