طلال سلمان

مع الشروق من قافلة الحرية إلى مجلس الأمن: «انتصارات» عربية على تركيا… لحساب إسرائيل!

يخوض أهل النظام العربي حروباً لحساب الغير بكفاءة منقطعة النظير لم يظهروا مثلها في الأخطر من معارك إثبات الوجود وحماية المصير.
وها هم يتبادلون التهاني بعدما حققوا انتصارين تاريخيين في آن معاً، وفي مدة زمنية قياسية:
1ـ لقد أفشلوا «المؤامرة» التركية ـ البرازيلية التي كانت تهدف الى فك الحصار الأميركي المدول والمفتوح ضد النظام الإيراني الذي يتزعم «محور الشر» والذي يعيث فساداً في أربع رياح الأرض، فيحرض الشعوب الآمنة ضد حكامها الأبديين، ويستعديها على رسل الحضارة الإنسانية والمبشرين بالسلام المستديم من جنرالات الجيش الإسرائيلي وزعماء المستوطنين، الذين قدموا إلى فلسطين ليصلحوا «صحراءها» فيزرعوها ويبتنوا فيها مساكن لائقة بكرامة المضطهدين في أوطانهم الأصلية، مثل الفالاشا في الحبشة والمتحدرين من أعراق أقلوية في روسيا وسائر أنحاء إمبراطوريتها التي دمرتها الاشتراكية… فضلاً عن كل من ضاقت به أرضه أو أراد ان يغير مسار حياته في أية بقعة من العالم.
لم يكن لأهل النظام العربي إلا صوت واحد في مجلس الأمن، هو صوت لبنان الذي تثبت التجارب غالباً ان هشاشته أصلب من ان تكسر… وهكذا فقد حاصره أهل النظام العربي بالضغوط والتمنيات ليمنعوه من التفريط بكرامة صوته ومصالح «أهله»… ولكي يفرضوا عليه حسم موقفه فقد طلبوا من السيدة، التي كادت ان تكون رئيساً، هيلاري كلينتون ان تهاتف رئيس جمهوريته الصغيرة المحكومة بتوازنات دقيقة يتداخل فيها مع الجغرافيا التاريخ ومع المصالح الذاتية قوى الدنيا جميعاً بالكبار فيها والصغار بثروات أسطورية.
نتيجة ذلك كله أبدعت الطبقة السياسية في لبنان لوحة من الموازييك نادرة المثال: انقسم مجلس الوزراء على نفسه، وغيبت الأكثرية بعضها، وأعارت رئيس الجمهورية بعضاً من أصواتها لتأتي نتيجة التصويت: 14 مقابل 14، فيكون القرار المحلي الهرب من القرار الدولي بالامتناع، أي بالتخلي عن الدولتين الصديقتين تركيا والبرازيل للالتحاق بالركب العربي الذاهب الى الحرب الاميركية ـ الإسرائيلية على إيران.
2ـ شن أهل النظام العربي «غارة سياسية» محسوبة بدقة على «التدخل» التركي في شؤونهم الداخلية، وذلك عبر إيفاد الأمين العام لجامعة الدول العربية الى قطاع غزة، بعدما انتبهوا إلى حقيقة أن المليون ونصف المليون من أهله الفلسطينيين يموتون موتاً بطيئاً تحت الحصار الإسرائيلي معززاً بالطوق العربي الحديدي مانع الأدوية والأغذية وكتب الأطفال بذريعة مكافحة الإرهاب…
احتاج أهل النظام العربي الى أربع سنوات، تخللتها حرب إسرائيلية لم توفر سلاحاً إلا واستخدمته ضد هذا الشعب المجوع والممنوع عنه الهواء، لينتبهوا إلى أن في غزة بعض رعاياهم الذين لا بد من استعادتهم ولو كانوا مضللين، حتى لا يظلوا في دائرة استثمار الآخرين من المتآمرين والمعادين لركب الديموقراطية وحقوق الإنسان.
وهكذا دخل عمرو موسى عبر معبر رفح، فكسر الحصار ومزقه نتفاً، وتوقف في محطات عدة ليخطب ـ بصوته المتهدج ـ مستثيراًُ حماسة الجمهور المجوع والمتروك ـ بنسائه وأطفاله والشيوخ ـ للريح، مدارسه ومساجده ومستشفياته مهدمة، وأكواخ الصفيح والطين تضيق بمن هدمت بيوتهم في مخيمات اللجوء الثاني والثالث…
كانت جثامين شهداء «قافلة الحرية» تملأ سماء غزة بالأعلام التركية وصور «البطل» الآتي من الأناضول، رجب طيب أردوغان… وكان لا بد من التخلص من هذا الكابوس الذي يقض مضاجع أهل النظام العربي منذ «مؤتمر دافوس» الشهير!
ومع التقدير لكفاءة عمرو موسى الدبلوماسية ولحنكته السياسية، ولمواقفه العربية، متى استطاع التعبير عنها، فإن مهمته في غزة التي «تمت بقرار عربي» كما قال، و«دولي» لم يشأ القول، قد تأخرت ـ او أخّرها أصحاب الأمر ـ أربع سنوات عن موعدها المفترض… وإن كان رأى البعض انه في اقتحامه غزة إنما يرد التحية لأردوغان الذي أحرجه في ذلك المؤتمر في دافوس فكاد يحرجه لولا ان تدخل بان كي مون ليعيده الى توازنه (المفروض؟) في مقعده المريح الى جانب الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز الذي تركه «مبارزه» التركي غارقاً في دماء ضحاياه من أبناء الشعب الفلسطيني وسائر العرب.
أطلق عمرو موسى سيلاً من الخطب التي لا يملك غيرها سلاحاً… لكن الخطب لا تفك الحصار الإسرائيلي، ولا تأتي بالمساعدات لإعادة إعمار غزه، لا من البر ولا من البحر ولا خاصة من الجو… فسلطة عمرو موسى لا تشمل فتح المطار والمرفأ والمعابر البرية، ولا هي تردم الأنفاق التي تفتحها الإرادة وحب الحياة.
بعد ساعات عبّر خلالها الفلسطينيون المحاصرون لإيمانهم بأرضهم عن تقديرهم لهذه الخطوة، ولو متأخرة كثيراً عن موعدها المرتجى، غادر الأمين العام للجامعة العربية غزة المحاصرة، بغير أن يسعفه اسمه الأول «موسى» باجتراح عجائب تعيد الحياة إلى المخيمات المهدمة والمثقلة باللاجئين الى ركامها، وترجع الفراشات الى رحلتها المفتوحة فوق أصص الورود التي حفظتها الأمهات الفلسطينيات لعيد التحرير.
عند معبر رفح، توقف عمرو موسى لحظات وأجال بصره في غزة التي نجح في تحريرها من الاستعمار التركي الذي حاول العودة اليها من جديد متلطياً بجثامين شهدائه في سفينة الحرية التي استخدم الجيش الإسرائيلي نخبة جنوده في أسلحة البر والبحر والجو لمنعها من الوصول الى غزة بتكليف من العالم اجمع، تتقدمه الإدارة الأميركية برئيسها الأسمر، ويسير في ركابه أهل النظام العربي وقد استعادوا وعيهم بعد نوبة القلق التركي الذي أقضّ مضاجعهم لأسابيع قليلة.
[[[[[[
في هذا الوقت بالذات كانت المقار الرسمية في عاصمة المعز تفتح ذراعيها لاحتضان ضيف استثنائي جاءها من لبنان، في تزامن لافت مع القرار بفتح معبر رفح أمام أهل غزة والراغبين في مساعدتهم على كسر حصار الإذلال بالتجويع.
لم يكن بوسع المضيف ان يقدم ضيفه لشعب مصر، بسجله الحافل بالسوابق الخطيرة لبنانياً وفلسطينياً وسورياً وعراقياً، لذلك اكتفى بالإشارة الى موقعه الحالي كقيادي مؤثر في مواجهة المعسكر المشاغب في لبنان، والذي لا يكف عن التحرش بإسرائيل واستدراجها الى حروب لا تريدها، كما حدث في حرب تموز 2006.
ربما لهذا اكتفى مضيفه الخبير الضليع في الشؤون اللبنانية، وزير الخارجية المصري بأن صحبه في جولة على متحف وزارة الخارجية بوثائقه الملكية، وفيها ما يبرز دور مصر في تأسيس جامعة الدول العربية، وكذلك ما يحيط بقرارها التاريخي في المشاركة في حرب فلسطين (الأولى) سنة 1948، لان أسرتها الحاكمة آنذاك، والمتحدرة من أصول ارناؤطية أدركت الخطورة التي ينطوي عليها المشروع الإسرائيلي على الأمن الوطني المصري أساساً، فضلاً عن مخاطره على الوطن العربي ـ قيد التكوين ـ في حاضره ومستقبله.
أغلب الظن أن جموع الشعب المصري لم تعرف ما يكفي عن هوية الضيف اللبناني الذي حظي بمثل هذا التكريم، وفي هذا التوقيت اللافت بتزامنه مع المذبحة الإسرائيلية الجديدة ضد المتطوعين الأتراك، وبينهم لبنانيون فضلاً عن الأوروبيين والأميركيين، ومطران للقدس من أصول سورية، وأحد الفائزين بجائزة نوبل، وبعض «الخوارج» من المصريين…
على أن المؤكد أن الحفاوة بهذا الضيف اللبناني قد تجاوزت تاريخه الحربي في وطنه الصغير، والإدانات التي صدرت بحقه من أعلى الهيئات القضائية في جرائم اغتيال سياسي مشهودة، والمسؤولية عن مذابح جماعية ارتكبت وفي أكثر من ناحية في لبنان، فضلاً عن سجل العلاقة بإسرائيل في ذروة احتدام الحرب الأهلية التي كان الإسرائيليون طرفاً مباشراً فيها، بجيشهم، كما بمخابراتهم التي استطاعت تجنيد عملاء لبنانيين في «جيش محلي» عمل لخدمة احتلالهم طيلة سنوات عديدة من حقبة احتلالهم لبعض الأرض وبعض الإرادة في لبنان، بحيث أمكنهم إيصال رئيسين شقيقين الى سدة الحكم، اغتيل أولهما قبل تسلمه الرئاسة، في حين حفل عهد وريثه وشقيقه بأعنف مراحل الحرب الأهلية في لبنان وأعظمها دموية.
ولقد فاجأت الحفاوة الرسمية التي أحاط بها أهل النظام في مصر ضيفهم الاستثنائي اللبنانيين جميعاً، بمن فيهم مناصرو هذا الضيف الذي استعرب مؤخراً، وبالثمن… وهي حفاوة كشفت من أوصى بالزيارة، في خضم الصراعات العربية ـ العربية التي لا تنتهي، والتي تستنزف ما تبقى من قوة للعرب في معارك جانبية تشغلهم عن قضيتهم الأصلية وعن عدوهم الحقيقي وتشغلهم بأنفسهم، بينما إسرائيل تواصل حربها المفتوحة عليهم مجتمعين، لا فرق بين مصالح ومهادن وبين من لا يزال يرفع شعار التحرير ، حماية لمستقبله.
[[[[[[
كان الأمل أن يفيد أهل النظام العربي من المبادرة التركية الشجاعة لتعزيز موقفهم في مواجهة الحرب الإسرائيلية المفتوحة على مستقبلهم والتي يتبدى في الحصار على غزة مضمونها الحقيقي.
كان الأمل أن يتلقى أهل النظام العربي هذا الإقبال التركي على قضاياهم بما يستحق من احتضان وترحيب وتشجيع، خصوصاً أن له جذوره في التاريخ المشترك الطويل بين العرب والأتراك، الذي حفل بالكثير من الإنجازات والأخطاء، خلال العمر الطويل للخلافة التي تحولت الى سلطنة، ولكن يحفظ لها أن حكامها ـ وبكل ما لهم وما عليهم ـ قد تنبهوا لخطر المشروع الصهيوني على مستقبل العرب (والمسلمين) فرفضوا الموافقة على «منح فلسطين» «وطناً قومياً للحركة الصهيونية»، برغم الضغوط الهائلة التي تعرضوا لها… وتستذكر في هذا المجال كلمة مأثورة للسلطان عبد الحميد في أواخر القرن التاسع عشر، تعبر عن وعيه بحقيقة ما يدبر للمنطقة بعد إسقاط دولة «الرجل المريض» ممثلة بسلطنة… فقد قال في تفسير موقفه من المشروع الصهيوني: «أخاف أن يصيبني في فلسطين ما أصابني في لبنان»!.
وللتفسير يمكن الإشارة إلى أن «الدول» العظمى، آنذاك، قد فرضت على «السلطنة» أن تقر بنظام خاص لجبل لبنان، إذ جعل «متصرفية» لها كيانها شبه المستقل، وأن أعطي السلطان حق تسمية المتصرف على أن يكون «مسيحياً من رعايا السلطان»…
وذلك حديث آخر يشرح الكثير من تفاصيل اللغز اللبناني الذي فرضه الغرب، بعد الاستقلال، عبر الصيغة الفريدة للنظام اللبناني، التي تجعل هذا الوطن الصغير «عربي الوجه»، لكن له وضعاً خاصاً يفترض أن يراعى فلا يحرج في هويته «الأممية» التي تحتسبه «مع» العرب وليس «منهم».
ولعل هذا بين معللات موقفه بالامتناع عن التصويت في مجلس الأمن، عندما طرحت العقوبات الأميركية الجديدة على إيران، فاختبأ أهل النظام العربي جميعاً خلف الوضع الخاص للبنان حتى لا يحرجوا به فيخرجوا… وهكذا كان اللاموقف هو الموقف العربي المثالي في لحظة الخيار الصعب بين الخير والشر، وانتصر أهل النظام العربي بإلغاء أوطانهم ومصالحها،
وهذا نصر إضافي بعد النصر المؤزر في رفع الحصار عن غزة بزيارة الساعات المعدودة والخطب المعهودة لممثل النظام العربي في كل مكان وزمان.

([) تنشر بالتزامن مع جريدة «الشروق» المصرية

Exit mobile version