طلال سلمان

مع الشروق الديموقراطية قاتلة الأوطان: نماذج عن تجارب انتخابية عربية فريدة

من بين شعوب الأرض جميعاً، يبدو العرب وكأنهم، بفضل أنظمتهم الأبدية، يسيرون القهقرى، أي أنهم يتراجعون عن حيث كانوا قبل قرن من الزمان إلا قليلاً..
صحيح ان العرب، وفي مختلف أقطارهم لم يعرفوا «الديموقراطية» بصيغتها المثلى، على الطريقة الغربية، والتي طالما بهرتهم – وما تزال تبهرهم – لكنهم لم يتمكنوا من ان يعرفوا الطريق السليم اليها… ولذلك أسباب لعل أخطرها ان «العرب» لم يتعرفوا الى الدولة إلا مع تبدل هوية الاستعمار: كان عثمانياً مخضعاً في حقبته الأخيرة للهيمنة الأجنبية – الأوروبية تحديداً – التي أخرت إسقاط السلطنة حتى تفرغ من الاتفاق على اقتسام هذه المنطقة جميعاً، وكانت الحرب العالمية الأولى هي اللحظة المناسبة: جاء الاستعمار الغربي (إنكليزياً وفرنسياً) الى المشرق، فقطع خريطته وفق مصالحه، موسعاً فيها المساحة المطلوبة لقيام إسرائيل.
هكذا صارت سوريا الطبيعية دولاً عدة، معظمها غير قابل للحياة إلا بالعون الأجنبي المباشر (الأردن مثالاً، ثم لبنان..)، وفي حين اقتطعت من تلك السوريا مساحة لإمارة هاشمية ستغدو «مملكة» بعد النكبة في فلسطين، فقد أقيم العراق على طريقة الفرز والضم ليكون مملكة بديلة من حجاز الشريف حسين (قائد الثورة العربية التي قادها الضابط البريطاني الغر توماس ادوارد لورنس).
[[[[[
ليست مبالغة القول إن دول المشرق العربي قامت على قاعدة اتفاقية سايكس – بيكو (1916) التي جاء وعد بلفور (1917) ليبلور صورتها الكاملة بإقطاع فلسطين للحركة الصهيونية بذريعة «الحق التاريخي» فيها، والتي عززها – خلال الحرب العالمية الثانية – اضطهاد المانيا الهتلرية لليهود، فكان على العرب، وشعب فلسطين بالذات، ان «يعوّضوهم» بإقامة دولة إسرائيل على ارضهم… وقد أقيمت بالقوة التي تواطأ على توفيرها العالم كله – بغربه وشرقه – لتكون الفاصل بين مشرق الأرض العربية ومغربها، اذ هي تقطع بين كل من سوريا ولبنان والعراق، وما خلفه حتى بحر العرب والمحيط الهادئ، وبين مصر وما خلفها غرباً حتى المحيط الأطلسي.
وكان العجز العربي في مواجهة المشروع الإسرائيلي فاضحاً الى حد الهزيمة الجارحة بكل نتائجها المروعة: طي صفحة المشروع العربي للتحرر والتوجه نحو حلم الوحدة ولو بحدها الأدنى، أي التكامل، التي أريد من جامعة الدول العربية ان تجسده… في الهواء!
بالمقابل، كانت أقطار المغرب الغربي جميعاً تحت الاستعمار الفرنسي، أما ليبيا فقد شارك الإيطاليون فيها البريطانيين والفرنسيين ثم جاء الاميركيون في أوائل الستينيات.
في ما عدا مصر لم يكن في هذا العالم العربي المترامي الأطراف «دولة». وحتى مصر كانت مخضعة لاحتلال بريطاني امتد حتى العام 1956، ثم شهدت محاولة لعودته اليها ثلاثياً (فرنسا وإسرائيل الى جانب بريطانيا) عبر العدوان الثلاثي في الربع الأخير من العام 1956.
[[[[[
اذن، لا دول عربية حتى منتصف القرن الماضي، وهذه «الدول» التي استولدت ضعيفة مقطعة الأوصال، على قاعدة طائفية أحياناً (لبنان، مع محاولة فاشلة في سوريا) وعشائرية أحيانا أخرى (إمارة شرقي الأردن) ومختلطة في حالة العراق الذي لم يكن لكيانه السياسي وجود مستقل فاستحدثه البريطانيون بما يناسب مصالحهم في عشرينيات القرن الماضي، مع حرص شديد على عزله عن الخليج العربي بدءاً من الكويت، وعن شبه الجزيرة العربية (السعودية تحديداً) لأسباب نفطية!
منطقياً: منذ 1948 كانت إسرائيل هي «الدولة» الوحيدة في المشرق العربي، المبنية على النموذج الغربي، والتي جاءت إليها الأحزاب والنقابات كما الجيش جاهزة تتنافس داخل الكيان، ولكنها جميعاً مجندة لخدمة «مشروعها السياسي» الذي كان عنوانه احتلال فلسطين وطرد نصف شعبها منها، وإرهاب جميع الدول المجاورة بحروب لا تقدر عليها كما دلت الهزيمة العربية في فلسطين 1948.
كيف تكون «ديموقراطية» والأرض محتلة، والحكم للاستعمار ووكلائه، او للجيوش التي جعلتها الهزيمة تنتبه الى ان العدو خلفها ايضاً، في العاصمة، وليس أمامها في الجبهة التي تعجز عن حمايتها، فكيف بالنصر فيها؟
[[[[[
جاءت الهزيمة بالجيوش الى السلطة، والجيش جسم عسكري منضبط يعتمد على الإمرة وإطاعة المرؤوس رئيسه بغير نقاش.
كانت الأحزاب القديمة مدانة بالفساد ثم بالهزيمة، وكان عليها ان تخلي الساحة لأحزاب جديدة، بعضها كان قائماً ولكنه «منتهي الصلاحية»، وبعضها الآخر كان فتياً، ولكنه لا يستطيع الوصول الى السلطة الا عبر الجيش وبالاشتراك معه… وهكذا توالت الانقلابات العسكرية (او الثورات) في أعقاب الهزيمة، حاملة الجيوش الى السلطة، على أمل العودة الى مهمة تحرير الأوطان، فضلاً عن فلسطين، في وقت لاحق، ومتى توفرت للحكم الجديد عناصر القوة.
[[[[[
لا ديموقراطية في الوطن العربي من أدناه الى أقصاه: هذه حقيقة قد تكون جارحة، ولكن لا مفر من الاعتراف بها.
إن أهل النظام العربي يعتبرون أنفسهم التجسيد الحي للإرادة الشعبية… والاستفتاء هو الطريق الأقصر الى ديموقراطية مصنعة يدوياً، لا تعرف المعارضة، فان قبلت ببعض رموزها المتهالكة فمن اجل الحصول على شهادة بالانفتاح والمعاصرة واحترام التنوع والسماح بحرية التعبير عن المعارضة، وان مدجنة وتجهر بولائها للسلطان وتدين المعارضة الأخرى، «المتطرفة» و«الانقلابية» ولا تمانع في اتهامها بوطنيتها، تاركة للسلطان ذاته ان يبدو متسامحاً وحريصاً على الديموقراطية بدليل انه «يضربها بلطف»، ويؤدبها حتى لا تؤذي نفسها اذا جنحت الى السلطة او تطرفت فأثارت الفتنة وقسمت الشعب الموحد خلف القائد التاريخي!
الانتخابات؟ فلتكن! ولنقدم الدليل الحي على الإيمان بالديموقراطية!
ليرشح نفسه من شاء من المواطنين، معارضين من كل الأنواع، فيهم الشيوعي وفيهم الأصولي، فيهم المتدين الرزين وفيهم المتطرف الهائج، فالكلمة للشعب، او من ينوب عنه في تجسيد إرادته. وهكذا يندفع الجميع الى خوض الانتخابات بالأمر: اليساري واليميني والوسطي، الإقطاعي والفلاح والعامل، المثقف والأمي والبين بين. للجميع الحق في الديموقراطية طالما انهم يسلمون بشرعية القائد وحكمته وإيمانه العميق بالديموقراطية، بدليل انه يكون في العادة اول من يقترع وآخر من يعرف بنتائج عملية الاقتراع، مطمئناً الى ان «شعبه الطيب» لن يؤذي نفسه باللعب في المنطقة الحرام!
[[[[[
ثمة نماذج أخرى للديموقراطية في الوطن العربي هي «الديموقراطية الطوائفية»!
لا تتوقف كثيراً أمام التناقض بين الطائفية والديموقراطية. عليك ان تسلم بالواقع. الا يتشكل الشعب من طوائف ومذاهب وعناصر متعددة..؟ اذن فلماذا لا يكون لكل «فئة» ان تعبر عن نفسها بحرية كما كان يجري في لبنان، الذي بات الآن قدوة ونموذجاً فذا لديموقراطية الحرب الأهلية؟ وهذا هو العراق تحت الاحتلال الاميركي ليقدم تجربة غير مسبوقة في إلحاق الهزيمة بالاحتلال عن طريق الديموقراطية الطوائفية. صحيح ان في ذلك شيئاً من الخطر على وحدة الشعب، وبالتالي وحدة كيانه السياسي، لكن الصحيح ايضاً ان الديموقراطية أهم من الوحدة، وتمكين الرعايا من ان يقرروا صيغة نظامهم الجديد هو فتح جديد في عالم الديموقراطية.
ثمة نموذج ثالث لديموقراطية أهل النظام العربي قدمه الحاكم في اليمن سعيداً منذ ثلث قرن تقريباً: السلطة كل السلطة لحزبه، والمعارضة لأشتات المختلفين معه، لا فرق بين زيدي وشافعي الا بحجم القمع، فالحوثي لا يشفع له انتماؤه الى مذهب الحاكم – الإمام – الخليفة الرئيس (الزيدي) بل تجرد عليه الحملات العسكرية التي تدفعه الى الحدود الملغمة بالخلافات التاريخية مع السعودية، لاستدراج تعاونها مع النظام، و«الشافعي» في الجنوب يتحول الى «عناصر من القاعدة» توسع دائرة نفوذها، بحيث تصير مصدراً للخطر ليس على النظام وحده، بل على «الاستقرار» في منطقة منابع النفط السريعة الاشتعال في شبه الجزيرة العربية، وعلى طريق النفط من منابعه الى مستهلكيه في الغرب، وأساساً على الشركات – الإمبراطوريات التي تتحكم في انتاجه وفي أسعاره وفي طريقه الى البلاد الباردة او المتقدمة صناعيا والتي تحتاجه أكثر بما لا يقاس من أهل المنبع… المتخلفين!
أما السودان المخضع لحكم عسكري بشعار ديني فيمكن لحزب حاكمه ان يلتفت اليك شامتاً: هل اطمأننت الى إنجازنا الديموقراطي.. لقد اعتمدنا الديموقراطية فانتهينا الى انفصال الجنوب، وربما سيليه انفصال أنحاء اخرى، ولكن، كل هذا لا يهم، فالنظام باق، وهو أهم من وحدة الوطن! ونعود الى الديموقراطية الطوائفية او التوافقية كما يطلق عليها في لبنان:
ان هذا الوطن الصغير يتعرض الى زلزال سياسي مع كل انتخابات نيابية او رئاسية تجري فيه… والفضل لتلك الديموقراطية التي تمنع قيام الدولة بمعناها المألوف والمعروف، وتجعلها دائماً معرضة للتفكك!
والديموقراطية التوافقية مثل ديموقراطية الحاكم الفرد لا تبني دولة بل هي تهدم مشروع الوطن، اذ تفتح الباب لتدخل «حماة الطوائف» وجوداً ومصيراً او مشاركة في الحكم، ومتى دخل هؤلاء بأغراضهم ومصالحهم انتفى وجود الدولة ليبقى النظام بوصفه «مصلحة للأجنبي» الذي لا يضيره في شيء ان ينتفع الحاكم بخيرات «الديموقراطية» المصنعة على مقاس مطامحه وأغراضه.
وليس من الديموقراطية، طبعاً، ان تخير «الرعية» بين استقرار الوطن ووحدة شعبه بتأمين استمرارية النظام، وبين الفوضى او الحرب الأهلية اذا ما قرر الناس التعبير عن آرائهم بحرية قد تذهب بالدولة!
ان «ديموقراطية» أهل النظام العربي قاتلة للدول، ومدمرة لوحدة الشعب، أحياناً… وربما لهذا تستكين الشعوب العربية لأنظمتها المعادية بطبيعتها للديموقراطية، لان المفاضلة في الخيار قد تعني تدمير الدولة.
و«شبه دولة» قد يظلّ أفضل من الحرب الأهلية، او من الفوضى الدموية، في قلب الفقر والعجز عن التقدم، ناهيك بمواجهة العدو القومي الذي تمثله الهيمنة الاميركية – الإسرائيلية على المنقطة برمتها!

ينشر بالتزامن مع «الشروق» المصرية

Exit mobile version