طلال سلمان

مع الشروق الديموقراطية في لبنان: تحت الرقابة الأميركية .. وتحت حراسة الطيران الحربي الإسرائيلي!

يصعب على اللبنانيين أن يصدقوا أن وطنهم الصغير، المهدد بأخطار الفتن الأهلية، قد غدا مركز الكون، بدليل أن عاصمتهم المجرحة بالانقسام، قد استقبلت خلال شهر واحد اثنين من أرفع المسؤولين في الإدارة الأميركية الجديدة: وزيرة الخارجية السيدة هيلاري كلينتون (وهي من نافست باراك أوباما على الرئاسة) ثم نائب الرئيس السيد جوزف بايدن، والذي شغل لفترة طويلة رئاسة لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الأميركي.
يصعب عليهم، أكثر، أن يصدقوا أن «الأهمية الاستثنائية» لهذه الانتخابات النيابية التي سيذهبون إليها مرغمين في السابع من حزيران ـ يونيه ـ المقبل، بسبب من الخطايا القاتلة في قانونها والتي تقسم هذا الشعب القليل عديده الى مجموعات طائفية ومذهبية متناحرة، مما يحتم استيلاد مجلس نيابي أشوه، يغيب عنه الصراع السياسي، بمختلف أشكاله وشعاراته، لتحل محله المناكفات والمنازعات حول حقوق الطوائف والمذاهب في السلطة وصلاحيات كل موقع من مواقعها بما يلغي قواعد «التوافق» التي يقوم عليها «الكيان» فينذر بحروب أهلية لا تنتهي.
وتوالي زيارات الموفدين الأجانب، والأميركيين منهم على وجه الخصوص، يوحي بأن هذه الانتخابات النيابية هي ساحة مواجهة دولية تتوقف على نتائجها مصائر أمم وشعوب، بينما أقصى مطامح اللبنانيين منها ألا تعمق انقساماتهم وألا تفرق أكثر في ما بينهم، وهم المتواصلون بالأرحام وإن اختلفت طوائفهم.
ويستهجن اللبنانيون أن يكون لدى الإدارة الأميركية الجديدة من فائض الوقت ما يمكن أن تخصصه لتطمئن ـ مثلاً ـ على مواقع مرشحي الأكثرية الحالية (14 آذار ـ مارس) في البرلمان الجديد، وهل سيبقون أكثرية عددية أم يصبحون أقلية، فيما تتمكن المعارضة الحالية من الفوز بمقاعد أكثر تجعلها صاحبة السلطة العليا في القرارات المصيرية المتصلة بالحروب الكونية التي تفتك بشعوب آسيا وأفريقيا، وصولاً الى.. أمن دولة اليهود في إسرائيل!
هذا عن الأميركان، أما الأوروبيون فإن وفودهم الرسمية لا تكاد تغيب عن بيروت: بعضها يأتي بمهمة صريحة هي الاطمئنان على موقع الموالاة في البرلمان الجديد، وبعضها الآخر يموه المهمة بالزعم انه آتٍ للتثبت من أن رئيس الجمهورية «الوسطي» يمارس صلاحياته بلا إشكال، والبعض الثالث يعطي لزيارته عنوان الاطمئنان على قواته المشاركة في اليونيفيل في حين أن غرضه الفعلي هو التدقيق في الحجم الذي سيكون لـ«حزب الله» ومن معه من قوى المعارضة في البرلمان الجديد.
أما «العرب» من قادة وحكومات وموفدين فكانوا يزحمون الطرق الى ما قبل فترة وجيزة، فقد غابوا ـ رسمياً ـ عن المشهد، تاركين للأجهزة الخفية وللحقائب الذهبية أن تؤكد «الحضور» بنصرة «الحلفاء» وشق صفوف «الخصوم» بتهم شتى أبسطها اتهامهم في دينهم أو التقول عليهم بالكفر والانسياق خلف المخطط الفارسي المدمر!
الطريف أن هذه التحركات المعبرة عن القلق الوجودي تجري تحت غطاء جوي غير مسبوق، تقدمه المناورات الإسرائيلية الأوسع نطاقاً والأعظم قدرات بأسطولها الضخم من الطائرات الحربية المقاتلة والقاذفة والمعترضة، بحماية واحدة من أحدث شبكات الراردار في العالم، وأخطر أنواع الصواريخ المضادة للصواريخ، التي بعثت بها الولايات المتحدة الأميركية مع أطقمها، حتى لا يبقى مجال للشك في أن من يتعرض للطائرات الإسرائيلية سيلقى العقاب الأميركي الذي لا يرحم.
وفي حين تبرر إسرائيل مناوراتها الأوسع مدى والأقوى سلاحاً في تاريخها بالخطر النووي الإيراني وهو احتمال لم يتأكد بعد حتى لدى الإدارة الأميركية، فإن هذا التبرير لا يمكن أن يغطي على حقيقة أن إسرائيل هي الدولة النووية الوحيدة في منطقتنا هذه، وإنها تملك ـ في التقديرات الأقرب الى الدقة ـ مئتي رأس نووي، وان مفاعل ديمونا في النقب يحظى بحراسة أميركية على مدار الساعة.
اللافت أن إسرائيل لم تعد ترى في «القضية الفلسطينية» مصدر خطر عليها!
وهذا يعني أن إسرائيل قد اطمأنت الى أمرين حاسمين:
÷ الأول ان التمزق الذي يعاني منه شعب فلسطين قد أصاب القضية المقدسة في مقتل، وأعطى ذريعة قاطعة لمن يريد التنصل من واجباته حيالها، إذ يمكن أي «عربي» الآن أن يرفع عقيرته بالصياح قائلاً: لقد ضيعها أهلها!! فلماذا تطالبوننا بأن نكون فلسطينيين أكثر منهم؟! هم أصحاب الشأن، وعليهم المسؤولية، أما نحن فلدينا همومنا الثقيلة! لقد أرادوا دائماً أن يستقلوا بقضيتهم عنا، واتهمونا بأننا بعناها وخناهم! فليذهبوا الى جهنم وبئس المصير!
÷ والثاني أن العرب قد ازدادوا فرقة الى حد التبعثر وافتقاد القيمة، بعدما تخلوا عن «القضية المركزية ـ فلسطين» التي كانت تشكل الرباط المقدس بينهم.
وعلى تعدد القمم العربية، كاملة أو بتراء، والمبادرات العربية، متروكة على الطاولة لأمد معلوم، أو مرشحة للطي والتجاوز، فالحقيقة الصارخة انه لم يعد للعرب وجود سياسي كقوة فاعلة لها قضاياها المحقة والجامعة لصفوفهم، والحافظة بالتالي لوزنهم (الافتراضي) وقدرتهم على التأثير، ولو كاحتمال.
صار لكل دولة عربية، الصغيرة بحجم مدينة، أو الكبيرة بحجم قارة، (السودان، مثلاً) مطلب أو مطالب خاصة بها، لا تعني الدول العربية الأخرى، بل هي قد تكون أحيانا على حساب الإخوة ـ الأعداء!
من اليمن وحتى المغرب، تبدو كل دولة عربية غارقة في همومها الذاتية، السياسية والاقتصادية وحتى الأمنية.
كانت القضية الجامعة فلسطين،
ولقد تم تذويب هذه القضية، بقداستها الاستثنائية، مع الأرض، فصارت فلسطين «مشكلة الشرق الأوسط» أو «أزمة الشرق الأوسط»… بل إن التخلي العربي يكاد يجعلها مشكلة داخلية إسرائيلية، والرئيس الجديد لحكومة إسرائيل، بنيامين نتنياهو واجه الرئيس الأميركي باراك أوباما برفضه مشروع الدولتين، مصراً على التعامل مع الموضع الفلسطيني كشأن إسرائيلي، قد يكون لبعض الخارج حق الرأي فيه، تعاطفاً أو إشفاقاً، أو تنبيهاً الى خطورة الحل المرتجل، لكن القرار الأخير هو لدولة اليهود على الأرض التي كانت تسمى فلسطين!
[[[
نعود الى الانتخابات اللبنانية كحدث كوني استدعت خطورته أن يجيء الى بيروت، وفي زيارة استثنائية غير متوقعة، أكبر مسؤولين في الإدارة الأميركية الجديدة: وزيرة الخارجية ونائب الرئيس… هذا فضلاً عن الزيارات المتواصلة للمبعوثين الخاصين، دبلوماسيين مثل السفير السابق في بيروت ومساعد وزيرة الخارجية، اليوم، جيفري فيلتمان، أو عسكريين، لا يغيب بعضهم حتى يحضر آخرون، ودائماً تحت عنوان «زيادة قدرات الجيش اللبناني» ودائماً بعنوان «لمساعدته على حفظ الأمن في الداخل»، بحيث لا يسيء أحد الظن فيفترض أن هذه الآليات محدودة القدرات قدمت اليه لمساعدته على صد الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، وعلى وقف السياحة الجوية التي يقوم بها الطيران الحربي الإسرائيلي فوقه من أقصى الجنوب الى أقصى الشرق والشمال.
ولقد أعلنها نائب الرئيس الأميركي قاطعة في صراحتها: المساعدات لخدمة الموالاة ولتأمين فوزها في الانتخابات النيابية، فإذا خسرت الموالاة المعركة فلسوف نعيد النظر في هذه المساعدات… وهذا ما كشف خواء التصريح الحربجي الذي أطلقه وزير الدفاع اللبناني، الياس المر، في حضور المسؤول الأميركي الكبير، من أن البواخر التي تحمل المساعدات العسكرية الأميركية الى لبنان هي الآن في البحر وستوالي إنزال شحناتها تباعاً!!
وهذا يعني أن هذه البواخر ستعود بشحناتها اذا ما فقدت الموالاة أكثريتها الحالية… هل أصرح من دعاية انتخابية عسكرية كهذه؟!
في هذا الوقت توالي الأجهزة الأمنية في لبنان كشف شبكات التجسس الإسرائيلية، بمعدل شبه يومي، خصوصاً وقد تم حصولها ـ في ما يبدو ـ على أجهزة متقدمة علمياً، مكنتها من حل الرموز المستخدمة، وبالتالي فقد توالى انكشاف العملاء في مختلف أنحاء لبنان، وفي الجنوب خصوصاً حيث استمر الاحتلال الإسرائيلي يأسر أهله في مناطقهم ما بين 1978 وحتى مثل هذه الأيام من العام ألفين، حين استطاع مجاهدو المقاومة طرده وتطهير الأرض اللبنانية لتعود خالصة الى أهلها.
[[[
ليست الانتخابات دائماً الطريق الى الديموقراطية.
وهذه تجربة لبنان ناطقة: فلقد أعيد إنتاج قانون عتيق، صدر في العام 1960وبقصد طمأنة الخائفين (طائفياً) من الأكثرية العددية.
وكان ذلك علاجاً أشوه، فالأكثر عدداً سيصيرون مع كل دورة انتخابية أكثر عدداً مما كانوا، والأقل عدداً سيغدون أقل عدداً، وبالتالي فإن الحل كان في اعتماد النسبية في قانون الانتخاب، وتنفيذ ما تبقى من اتفاق الطائف، وبالذات إنشاء مجلس للشيوخ تتساوى فيه الطوائف في المقاعد، ويكون له حق الفيتو على القرارات التي قد يرى فيها مساً «بحقوقها» أو تهديداً للوحدة الوطنية.
لكن ذلك حديث آخر.
فلنتأمل الآن هذه الحفلة الديموقراطية في لبنان، تحت الرعاية الأميركية المباشرة (وضمنها الكثير من العرب) وبحماية سلاح الجو الإسرائيلي الذي غطى بطائراته سماء المنطقة، وهو سيستمر يجوبها فوق فلسطين بشمالها وجنوبها حتى الأول من حزيران ـ يونيه ـ المقبل.. بحيث يخليها، حتى لا تزعج مقدم الرئيس الأميركي باراك أوباما الى القاهرة، عشية الذكرى الثانية والأربعين للانتصار الإسرائيلي على العرب مجتمعين!
[ ينشر بالتزامن مع جريدة «الشروق» المصرية

Exit mobile version