باتت المعادلة على الشكل الآتي: كلما استمرت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران ولبنان، كلما تراجعت، عالمياً، شعبية البلدين المعتدين نتيجة الاستنزاف الاقتصادي وعدم الإجماع على شرعية العدوان وغموض أهدافه. الحلّ إذن من زاويتهما هو محاولة تقصير أمد الحرب ما أمكن، مما يقتضي حتماً زيادة وحشيتها.
بالمقابل، تفريغ الحرب من مضمونها لا الانتصار فيها هو رهان الطرف الثاني. هذا يعني تحمُّل كلفة إطالة أمدها على حساب الخسائر البشرية والعمرانية الهائلة.
على التخوم وخارج دائرة اللاعبين الأساسيين، يبقى نوعان من البلاد: دول لم تشارك وقد تحصد نتائج لصالحها كالصين وروسيا، ودول لم تشارك لكنها ستحصد خسائر هائلة في اقتصادها ووزنها الدولي كأوروبا.
هناك أيضاً دول خاسرة حتمياً في كل الاحتمالات وكل السيناريوهات، وهي الدول العربية جميعها التي يظهر عُريها وعجزها أكثر فأكثر: أمن قومي منهار لم تبنه مليارات الدولارات التي أُنفقت، لنكتشف أن القبة الحديدية تحمي فقط الدولة العبرية. أمن مائي وغذائي غائبان، وارتهان كامل لموازين قوى لا نتحكم بأي من مفاتيحها.
إن صح ما سبق، فهذا يعني أن الأراضي العربية أصبحت ساحة حرب طويلة، الحياد فيها ممنوع، ولا معنى للسؤال إن كانت حربنا أم لا.
يمكن، لو توفر لدينا الحد الأدنى من السياسة والحد الأدنى من الإحساس بجسامة ما يجري على مستقبلنا، أن نبادر إلى محاولة الفعل لا الاكتفاء بملاحظة أننا جُررنا إلى الحرب جرّاً.
ذلك أن المنطق الذي يكتفي بالشماتة وتحميل المسؤولية لهذا الطرف أو ذاك لا يكفي، ولن يخفف الكارثة التي نحن فيها.
نحن في قلب عاصفة تغير العالم وموازين قواه، وقد يكون هناك، رغم ذلك، نافذة لمحاولة الخروج من كل التبعيات والارتباطات العربية، والتي قد يكون أخفّها ارتباط حزب الله بحليفه الإيراني.
بلادنا مهددة في وجودها ذاته، لا في لبنان وحده وإنما في كل دولنا المترامية، نقول هذا دون أي رغبة في المبالغة، والتهديد هو أن تخضع منطقتنا نهائياً لشروط المنتصر أو لتجاذبات فشله.
لنتأمل الصورة: أمريكا وحليفتها تقصفان إيران، فتردّ الأخيرة بقصف مواقع أميركية في الخليج وقصف دول الخليج ذاتها بما فيها من نفط واقتصاد… لا يحمي الكاوبوي من يحالفه، بل يطلق يد وحوشه في لبنان فتقصف وتُهجِّر وتقتل و… يبقى الكاوبوي حليفاً، ثم يستمر المندوب السامي براك بالتوجيه والإرشاد وإطلاق التصريحات كأنه الآمر الناهي…
كنا قد تركنا غزة بالأمس، واليوم نترك لبنان بعد أن وصلت النار إلى دول الخليج وهي واحات أمان يتبدّى زيفها أكثر فأكثر… كبرى البلاد العربية أفيالٌ مشلولة… و ما تبقى منها يرجئ مشاكله القادمة بجرعات تهدئة… ولا أمل يُرتجى من أحد.!
ماذا يتبقّى إذن، وكيف نصوغ معادلة وجودنا والسباحة في حقول الألغام التي تحيط بنا؟ تلك هي معادلتنا البائسة … بائسة وحسب.
