انتظم في القاهرة قبل أيام احتفال بيوم إفريقيا، قيل لي إنه كان فاترا مقارنة بما كان يستحق لو أنه انتظم في أيام بعيدة خلت. لا أريد أن أكون واحدا من “الشكائين” أو”البكائين” على أمجاد انحسر تألقها بفعل الزمن أو بفعلنا، ولكن يجب أن أعترف أنني حزنت نوعا ما لأننا لم ننظم احتفالا يليق بذكرى يوم إعلان إقامة علاقة بين جمهورية الصين الشعبية والجمهورية المصرية، احتفال ينسجم مع قادم الأيام والأحلام. أتمنى على كل حال أن لا يتمدد سبب حزني أو يطول.
***
لي مع إفريقيا حكايات ولي مع الصين حكايات أخرى. ففي مثل عمري يحب المرء أن يقضي بعض فراغ وقته، وهو بعض كبير، يقضيه مع الذكريات ينعشها وتنعشه ثم يستأذن ليروي منها ما لا يزعج ولا يؤذي.
أذكرني جالسا في غرفة من غرف مخصصة لموظفي إدارة الصحافة في موقعها الجديد بالعمارة التي احتلتها وزارة الخارجية في ضاحية الجيزة، وفي الطابق ذاته سكنت الإدارة الإفريقية وإدارات غيرها غرفا أخرى. تصادف وقتها، أي قبل حوالى 60 سنة، أنني كنت عائدا للديوان العام من دورة السنوات الأربع التي قضيتها في الهند والصين وإيطاليا على التوالي. تصادف أيضا أن زملاء آخرين من دفعتي كانوا عائدين من دورات أخذت البعض منهم إلى سفارات في باكستان والسودان والدانمارك وقنصلية نابولي، هؤلاء التحقوا بإدارات متنوعة منها الإدارة الإفريقية ومكاتبها، كما ذكرت، تقع بالطابق نفسه الذي احتلته إدارتنا.
***
لاحظت، وهنا تبدأ الحكاية، لاحظت أن زملائي في الإدارة الإفريقية كانوا يقضون معظم أوقات عملهم في مكاتبنا بإدارة الصحافة وكأنهم بلا عمل يؤدونه. صرنا مع الوقت على علم بشكواهم، وخلاصتها أن جهازا يتبع رئيس الدولة مباشرة صار يحتكر كل العمل المتعلق بالنشاط المصري في إفريقيا وبسياسات وأنشطة الدول الإفريقية. تردد كثيرا اسم الضابط الشاب محمد فايق كرئيس لهذا الجهاز. ساد بيننا كشباب حديثي العهد بالدبلوماسية ما يشبه الحزن على زملائنا في الإدارة الإفريقية الذين قضوا عامين على الأقل بدون عمل هام يؤدونه.
-
***
مرت سنوات كثيرة بعضها قضيته في العمل الدبلوماسي في أمريكا اللاتينية وبعضها في جامعة للدراسات العليا وبعضها في العمل البحثي في مراكز للدراسات السياسية وبعضها في جامعة الدول العربية مسئولا في جانب منه عن قطاع المعونة الفنية للدول الإفريقية. هنا في هذا القطاع اقتربت من إفريقيا كما لم أقترب من مجال اهتمام آخر باستثناء الصين.
***
أنا مدين لكثيرين قدموني لإفريقيا، ولكني أختص باعترافي بالجميل، وهو كبير وصادق وثمين، لعدد محدود، على رأسهم محمد فايق. كان، ولا يزال يعيش في قلوب زعماء أفارقة قادوا معه بلادهم نحو الحرية ووضع الأساس لتصبح مصر دولة إفريقية رائدة، ولو إلى حين.
كان سمير أمين واحدا من بين كثيرين رشحوا لي فايق ليحتل هذه المكانة الفريدة في قائمة من أعتز بقيمتهم ومنهم من قدم لإفريقيا خدمات جليلة وسعى بكل الإخلاص ليحقق أهدافها ويعزز سعيها نحو التقدم والتكامل. من هؤلاء الدكتور بطرس غالي الوزير المغرم بإفريقيا، والسفير العظيم وزميل دفعتي بالخارجية أحمد حجاج، والناشط الإفريقي الرائع حلمي شعراوي، وصاحب المبادئ الخلاقة محسن عوض، والباحث الدؤوب والرائع حمدى عبدالرحمن، والسفيرة منى عمر الصديقة والصادقة في حبها لإفريقيا بخاصة ولعملها وزملائها عموما، والزميلة أماني الطويل الباحثة القديرة والإنسانة المتآلفة عشقا وتناغما مع الطبيعة البشرية الإفريقية.
***
زرت داكار. هناك رأيت سمير أمين يعمل على الطبيعة متحديا واقعا صعبا. حضرته يحاضر في التنمية عشرات الباحثين من كافة الجنسيات الإفريقية في مركز تابع للأمم المتحدة. وصفه سياسيون أجانب بالراهب الذي وهب نفسه لخدمة إفريقيا فقد ساهم في تكوين خبراء وعلماء اجتماع قادوا في بلادهم الناشئة الخطوات الأولى نحو السيادة والرقي والإرادة الحرة. اجتمعنا مرات وفي كل مرة ازداد ثقة بأنني أمام رجل سوف تذكره إفريقيا بكل الخير لسنوات قادمة.
***
زرت بعدها زامبيا وجنوب إفريقيا وفي رحلة ثالثة زرت جزر “الأقمر” وموزمبيق ومدغشقر وتانزانيا وكينيا وجنوب السودان وإثيوبيا والصومال، وفي جميعها اجتمع الناس في نفس واحد على مديح نيلسون مانديلا ومحمد فايق، وفى حفل أقيم لتكريمي قلد أحد هؤلاء الزعماء فايق صفة “بطل إفريقيا”، زعيم آخر اختصه بعبارة القائد المشارك لأسطورة الاستقلال الوطني في إفريقيا. لن أنسى قدر انفعالي يوم أطلعني أحد الحكام الأفارقة، وكان ما يزال يسعى للحصول على اعتراف الدول بدولته الناشئة، أطلعني على صورته مع فايق في القاهرة وسط استعدادات العودة لبلاده لإعلان استقلالها، معترفا بأن هذه الصورة حققت له أوسع تأييد وتضامن خلال المراحل النهائية لنضاله.
***
كان للتجوال في أنحاء إفريقيا في ذلك الوقت طعم محبب. طعم شعوب أفاقت من كابوس رهيب، أذكر قادتهم وقد جاؤوا إلى القاهرة بنية التصديق في مؤتمر شامل لكل إفريقيا على وثيقة إقامة منظمة إفريقية كبرى تلم شتات الإفريقيين دولا ومنظمات وشعوبًا وحركات وطموحات وأحلامًا. كنت شاهدا على فرحة أممية لا تعادلها فرحة أخرى.
أذكرني، قبل التخرج من الجامعة، وأنا أعيش يوما مع قبيلة تسكن جبالا في أعالي كردفان. تصادف أنه كان يوم احتفال شيوخها بعيد بلوغ شباب القبيلة. كنت أعرف أن للبلوغ عند القبائل الإفريقية مكانة مقدسة. يثقون، كما شرح لنا أحد شيوخ القبيلة صباح يوم الاحتفال، أن عيد “البلوغ” يعني أشياء كثيرة، في صدارتها يأتي الإيمان بأن القبيلة في هذا اليوم تتجدد وترتقي في آن. حضرني هذا الشرح وأنا أشارك ضمن فريق من شباب الخارجية المصرية مكلف بتنظيم عقد المؤتمر الإفريقي الأول فأتساءل عما إذا كان ما أشهد أمامي في القاعة من حماسة وصدق وثقة في المستقبل هو أول خطوة على الطريق نحو “البلوغ”، بلوغ الأمة، أمتنا العربية وأمة إفريقيا.
***
الغريب والمثير معا هو أن يخطر لي الشرح نفسه بعد مرور أكثر من عشرين سنة على انعقاد المؤتمر الإفريقي الأول وكنت رئيسا لفريق لجنة صياغة قرارات أحد مؤتمرات القمة العربية، وكنا، رئيسا وأعضاء وبينهم من صار وزيرا لخارجية بلاده، مجمعين على أننا نعيش للأسف مرحلة أفول في العمل العربي المشترك. يومها خطر الخاطر نفسه حتى رحت أتساءل عما إذا كان ما نشهده أمامنا خطوة إلى الوراء على الطريق نحو “البلوغ”؟ هل هو النكوص الجماعي عن مهمة تحقيق أقدس أقداس العمل السياسي، وأقصد التكامل القومي أو الإقليمي أمنيا واقتصاديا؟
***
مرت سنوات أخرى عديدة. اجتمعنا بعدها في القاهرة كفريق مشترك من متخصصين في الشئون العربية ومتخصصين في الشئون الإفريقية. فكرنا وبحثنا وتوصلنا إلى رأي أخشى القول إنه كان موحدا. نعم، لقد سعت الأمم الإفريقية والأمم العربية للوصول كل بوسائلها الخاصة إلى حال “البلوغ”، وكانت حصيلة السعي واحدة في الساحتين العربية والإفريقية:
كلاهما وصل إلى “سن البلوغ”، ثم تجاوزه دون أن يتوصل أي منهما، وللأسف الشديد، إلى “حال البلوغ”.
***
تؤلمني الإضافة بأنه حتى السعي نحو “البلوغ” توقف.
تنشر بالتزامن مع جريدة الشروق
