طلال سلمان

محاورات عن الحب والحقيقة والواقع

في لحظة واحدة، وبلا مقدمات، تقف حياتك في مواجهتك وتفرض عليك أن تنجز إجاباتك المبتورة عن أسئلتها المعلقة.
تأخذ الأمر ببساطة، في البداية، وتباشر المحاولة، مفترضاً انك قوي ومحصن بالتجربة العريضة، لكنك سرعان ما تغرق في لجة الأسئلة المفتوحة على المزيد من الأسئلة، وتنساق رويدا رويدا الى موقع المتهم، وتكتسي لهجتك نبرة دفاعية ثم اعتذارية تكاد تنكرها أنت قبل أن ينكرها »قضاءك« وممثل الادعاء العام!
هل أنت حيث قررت أن تكون؟!
هل أنت من أردت أن تكون؟!
هل هذا ما كنت تنويه فعلاً، وهل هذا ما أردت أن تبنيه فعلاً؟!
لا يتصل الأمر ولا يختصر بالنجاح أو الفشل، ولا يغير فيه حجم الثروة التي جنيت أو الديون التي عليك. عليك أن تندفع في غابة الأسئلة أبعد وأعمق.
ألست تتراجع مهزوماً عن كثير مما كنته أو مما كنت تطمح إليه أو تدعيه؟!
ألست تطوي أخلاق زمانك، والقيم التي كانت تعمر صدرك، وتنسحب من الأفكار التي كانت تثقل رأسك وتضخ في ذراعك زخم الارادة؟!
هل أنت تتقدم في اتجاه الصح، أم تتراجع تحت ضغط الغلط السائد الذي اجتاح دنياك فبعثرك فيها رايات محطومة لأهداف مستحيلة؟
ألست تنكر منطقك اليوم، إذا ما استذكرت نفسك بالأمس؟!
هل أنت الأب الشرعي لذلك الشاب الذي كنته؟!
وهل أبناؤك على صورتك (ثم على أيّ من صورك: القديمة أم الجديدة..)؟
هل هم كما أردتهم أن يكونوا؟!
وقبل: هل لك الحق في أن تجعلهم كما تريد؟! وهل لك بعد الحق القدرة على جعلهم على الصورة التي تريد أو تحب أو تتمنى؟!
وأين التمني من الواقع الذي يكتسب أو يفرض نفسه في صورة الحقيقة؟
هل تستطيع بعد أن تميّز بين الواقع والحقيقة؟
ألا يأخذك الواقع وتسليمك بقوة تأثيره، بعيداً عن الحقيقة؟!
هل لديك الجرأة على الاعتراف بأن واقعك يناقض حقيقتك، أم أنك قد أسقطت الحقيقة لتعيش أسير واقعك؟!
أنت مكبّل بأثقال الواقع، على مدار الساعة. لم يتبق من الحقيقة إلا تلك الأطياف التي تزورك ليلاً لتصطنع لك أحلام النوم الوردية.
وستتنصّل من المسؤولية بادعائك أنك لم تكن صاحب القرار. كنت المستجيب والملبّي والمسلِّم بالضرورة والمُخضَع بقوة الأمر الواقع لما كان مما ليس منه بد!
لكن المسؤولية ستبقى تحوم فوق رأسك. لن يتبرع أحد برفعها أو بسحبها إليه. وحتى لو جاملك بعضهم فادعى انه شريكك فيها فلسوف تظل أنت، في نظر نفسك أولاً، المسؤول بداية وانتهاء.
اخرج إلى الناس بحقيقتك إذن.
هلا ما زلت تملك صوتك، أم التهمت المداراة والمجاملة وضروب النفاق، والمخاوف أحيانا، قدرتك على النطق ومواجهة الذات؟
إلى الجحيم الآخرون. أينك من نفسك أنت؟ أينك من رأيك أنت؟ أينك منك؟ أين أنت من أنت؟!
يتفجّر في داخله السؤال المرجأ: من أنا؟!
يدور داخل ذاته محاولاً التعرف على ما تبقّى منه: هنا فكرة مكسورة، وهنا عاطفة مهجورة. هنا مشروع مجهض، وهنا بداية تقصّف سياقها بالنسيان. هنا مهجع الأماني وقد نسج فوقها العنكبوت شباكه. هنا بقايا إرادة، هنا جملة غير مكتملة مشفوعة بكلمات مبعثرة غادرها المعنى.
وحدها بعض الأحلام ما تزال سليمة لأنك لا تملك القدرة على حطمها.
أهذا ما أنت عليه؟! أهذا كل ما تبقّى منك.
* * *
لكم أنت فصيح في دفاعك عن ذاتك! سمعناك فأخذتنا البلاغة خارج الموضوع. لكنها مرافعة جميلة، ولك أن تنشرها.
تقول أنك تصرفت بقدر ما تعرف. ما فاتك هو ما لا تعرف كيف تؤدّيه.
تقول إنك قد أنشأت نفسك، فأخذت من الناس وعنهم، وتعلمت من تجاربهم ثم من تجربتك ذاتها، ولعلّك تعلمت من أخطائك أكثر: »وكيف كان لي أن أعرف الخطأ وأنا لا أعرف الصورة المكتملة للصح؟! لم أجد مرجعا للصح يعلمني كيف أصنعه أو كيف أمشي على صراطه المستقيم؟! لقد تعلمت من الخطاة. لو سمعتم الناس لأدهشكم ادعاء كل منهم انه مثال الصح، بينما هو في نظر الآخرين النموذج المجسم للخطأ«.
تقول إنك تركت كل الزهور تتفتح في المدى المتاح أمامك، »وها هي حديقتي الجميلة، ورودها تملأ الأرض بهاء وشذاها يقطر الهواء ويُسكر النحل، وشوكها يجرِّحني فأنزف نشوة«.
تقول إن بيتك تحول الى مرتع للحب: »نتنفس حباً، نغمس لقمتنا في صحن الحب، نشرب حباً، نسهر مع الحب حتى يتعب الليل فنأخذه إلى النوم، ونسعى نهارا في ركاب الحب فلا نتعب ولا يتعب ولكن يتعب منا من لم يعرف الحب أو لا يعترف به إلا إذا أعماه«.
تقول إن ما كان غير ما أردت ولكنك لا تملك أن تجزم بأن ما أردت هو الصحيح.
وتقول إن الحب لا يهبط من السماء السابعة، ولكنه يأخذ من يختارهم فيستقر فيهم الى جنان تعلو السماوات جميعا… وانك قصّرت فلم تستطع الارتفاع مع المحبين الى حيث رفعهم الحب، فاكتفيت بأن تخاف من خوفك على المحبين وتركتهم يتحملون هذه المسؤولية المبهجة والثقيلة.
تقول إنك لم تصنع كل هذا الحب لكنك سعيد لكونك تعيش في فيئه وتستمد منه شجاعة الاعتراف بأن لا حياة لك خارجه.
تقول إن حياتك حافلة بالأخطاء، لكن بيتك يضج بالهمس الحميم فيسهر الجيران يسترقون النظر والسمع لينعموا بشيء من وهجه القدسي وليمدهم بالقدرة على الحلم.
* * *
الحياة هي الحياة. ندّعي اننا من يصطنعها ثم نكتشف متأخرين انها إنما اصطنعتنا.
خيارك: أن تقبل حياتك فتعيشها وتسعد بأنك من أبنائها، أو أن ترفضها وتدعي أبوتها وتحاول إعادة صياغتها وفق مقاييس الآخرين فيذهب العمر ولا تربح حياتك ولا يرحمك الآخرون الذين سيتبارون في رجمك لأنك لم تعرف أو لأنك فشلت أو لأنك قد خسرت الدنيا والآخرة.
احفظ حبك تربح حياتك.
لا حياة خارج الحب.
والذين لا يعرفون الحب ولا يعيشونه لا يعرفون الحياة ولو حملتهم مكرهة.
بالحب نصنع حياتنا.
وحياتنا أعطيت لنا من أجل أن نحب،
أيها المحبون اتحدوا تكن لكم الحياة.

 

عاد إلى الوجدان الذي جاء منه

روى محمد سلمان، وهو مَن كان يبهج إذا روى، فقال:
كان الوقت عصراً، وكنا متعبين بعد ساعات طويلة من العمل المضني في تسجيل مجموعة من الأناشيد. وخرجنا من الاستديو في مبنى إذاعة صوت العرب، بشارع ماسبيرو في القاهرة، لننال قسطاً من الراحة.
لعلني غفوت قليلاً، ولعل رفيقيَّ نجاح سلام وعفيف رضوان قد سرحا. المهم أنني انتبهت فجأة على ما لم أستطع تصديقه. هززت رأسي وفركت عيني، وأعدت التحديق لأتثبّت من أنني صاح وأن ما أراه حقيقة، ثم هتفت: أهلاً، أهلاً يا بطل.
لكزت نجاح سلام، ولكزت بدورها عفيف رضوان، ووقفنا مأخوذين بالمفاجأة الممتعة: كان جمال عبد الناصر يتقدم نحونا كالطود داخل تلك الطرقة الفقيرة من مبنى إذاعة صوت العرب.
أسرتنا ابتسامته التي كانت تتقدمه، وبرغم متانة بنيته فلقد كانت عيناه تشعان ببريق مخدر، فلا تملك أن تحوّل بصرك عنهما.
جاءنا صوته العميق والدافئ: لا بد أنكم الفرسان اللبنانيون الثلاثة. أنت (وأشار إلى نجاح) نجاح سلام حكماً، وأنت (وهو يلتفت إليَّ) محمد سلمان، لأنني سبق أن رأيت بعض صورك (ثم لعفيف) لا داعي للعبقرية إذن للقول إنك عفيف رضوان.
اندفعنا نعانقه ونشد على يديه مأخوذين باللفتة الرائعة، وحين هدأنا قال جمال عبد الناصر:
لقد وجدت أن من واجبي أن آتي الى هنا لأشد على أياديكم وأقدم لكم الشكر، باسم شعب مصر، بل باسم الأمة. انكم جيش كامل، بل لعلكم أهم من جيش وأفعل، ان الفن الصادق أخطر سلاح. إنه لا يعبّر فقط عن ضمير الأمة بل هو أيضاً يشحذ إرادتها ويبلور إحساسها بجدارتها.
كان هدير الطائرات المغيرة على القاهرة يتردد صداه في جنبات عاصمة المعز، يقطعه بين الحين والآخر دوي الانفجارات وأصوات طلقات المدافع المضادة للطائرات.
لكن ابتسامة جمال عبد الناصر كانت ساحرة، وذلك البريق الأخّاذ المنبعث من عينيه يتغلغل فيك ناقلاً إليك بعض صلابته النابعة من الاعتزاز بتاريخ أمته.
سألنا عما سجلنا، فأسمعناه بعض كلمات الأناشيد.
قال: انني أقدر الفنانين جميعا، لكنني انتبهت الى طوف من الأناشيد ذات النبرة الجديدة والمميزة خلال الأيام القليلة التي مضت على بدء العدوان الثلاثي. وأدركت ان هذه النبرة »عربية« أكثر مما هي »مصرية«.. شكراً لكم، لقد عزّزت فيَّ إيماني بأن معركتنا قومية عربية بقدر ما هي وطنية مصرية.
عقدت الدهشة ألسنتنا: هو يشكرنا!! ثم لديه الوقت ليأتي تحت غارات الطيران المعادي لكل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل لكي يحيينا. هو القائد؟!
بعد ثلاثين سنة أعاد محمد سلمان عليَّ الرواية، ثم أدار شريطاً في المسجلة إلى جانبه ليسمعني، عبر نشيجه، أحد أغلى أناشيده على قلبه »الله معك الله«.
في القاهرة، في دمشق، في الرياض، في بيروت، وفي عواصم عربية عديدة: بدأ محمد سلمان فأعطى ولم يكمل ما بدأه.
لقد ترك بعضاً منه في كل أرض عربية،
كان مثل كلمة »عروبة« مبعثرة، ومثل كلمة »موهبة« متناثرة الحروف على مجالات إبداعه العديدة.
محمد سلمان من الوجدان جاء، وإلى الوجدان عاد فاستقر فيه.

 

تهويمات

} يسقط السؤال على السؤال فأسمع صوت تكسّر ضلوعي،
أحاول أن أكون منطقيا فيبتسم من يراني أتهافت داخل قوقعة حبي خوفاً من أن أحطمها.
للسؤال موعده، أما الجواب فقد فاتته الطائرة وتاه عن موضوعه.
أنا والجواب معلقان على مدار الشفتين.
} كلما فتحت كتابك هربت بعريك مني وتركت الكلمات خاوية فتنتثر رمادا ويفرغ الكتاب.
تمتلئ بك الكلمات. يمتلئ بك الوقت. وأبقى حروفك المبعثرة والواقفة على تخوم المعنى.
} لا ضرورة لتسجيل المواعيد. صرت الزمان ما قبلك قبل وما بعدك بعد وما تبقّى هو العمر الممتد كاسمك.
} قالت رباب للمتباهي بعشقه: أكاد أحسدك! حياتك كلها حب.. ترى هل يمكن أن يختزل الحب الحياة؟!
لم يشأ أن يخيِّب أمل رباب فلجأ الى الفلسفة وهو يغطي وجهه بابتسامة المتشاوف: وهل تكفي حياة واحدة للحب؟!
ثم لما رآها تهم بالانصراف عاجلها برجاء ملهوف: لكنَّ حباً واحداً يكفي،
قالت رباب: لكل يوم في حياتي حبه. سأضع اسمك في قائمة أيامي، فانتظر لي.
} في الدفتر الأزرق صفحات بيضاء. الصفحات البيضاء مقطّعة الى مربعات.
لم أستطع أن أحبس نفسي في مربع.
لم أستطع أن أقرأ نفسي على الورق الأبيض.
لم أنجح في أن أستعير لعيني اللون الأزرق.
جرّبت الكتابة فاحترق الورق.
وخشيت أن تذهب بك النار فأغلقت عليك أربعة مربعات وجلست أتأمل الدخان الأزرق للورق الأبيض وهو يكتب اسمك على الهواء ويطلقه ليصير غمامة يستظل بها المحبون.
رافقني بدر البقاع في رحلتي الليلة وعاملني كسائح فأخذ يضيء لي الأسماء والأشكال والأمكنة، ويتوغل في ظلالها لتنكشف لي أسرارها جميعا.
فتح لي السهل قلبه المقمر، فإذا صورتك فيه.
وحين رفعت رأسي نحو البدر وجدته قد تخفّف من لباسه الرسمي وارتدى منامة مزركشة بألوان الطيف، وقد أسند رأسه إلى الجبل وراح في إغفاءة قصيرة.
حين بلغت قمة جبل القمر كنت وحدك فوق ملفوفة طيفا فوق طيف، أما البدر فقد اقتعد القمة ليراقب لنا الطريق.

 

من أقوال »نسمة«

قال لي »نسمة« الذي لم تعرف له مهنة إلا الحب:
مَن يحب في نفسه الناس جميعا لا يحب أحدا غير نفسه، ومن يحب في الناس نفسه يستطيع أن يملأ الدنيا حباً. أرقى الحب مَن يأخذه حبيبه الى الناس لا مَن يمنعه عنهم أو يمنعهم عنه. لا ينضب الحب بالعطاء، إنما ينضبهُ الشح.

Exit mobile version