طلال سلمان

لسنا في عصر الانحطاط…

من زمان، قُدر لي أن أعيش في هذه المنطقة الجميلة، وأن اعمل صيفاً في بعض الفنادق هنا بشفاعة من والدي رئيس مخفر الدرك، أرحب بالمصطافين العرب وأساعد في حمل حقائبهم والترحيب بهم، مقابل قروش معدودة.

كانت حقائب بعضهم أثقل من أن استطيع حملها..

وكانت أمزجة بعضهم أقسى من أن تُحتمل..

لكنني كنت اسعد بالبخشيش البسيط لأنه يغنيني عن أن اطلب من والدي مصروف الجيب.

وما زلت حتى اليوم، التفت إلى الفندق حيث عملت ذات صيف بشيء من اللهفة… ربما نتيجة استذكار زمن الفتوة والاحلام العراض التي عملت لتحقيقها، فنجحت احياناً وقصّرت عن الانجاز في احيان أخرى.

أيها الأخوة والاخوات في بيت بعلشمي

أعرف انني اتحدث خارج موضوع هذه الندوة، ومع ذلك فلسوف أبقى خارجها لابث شجني وطيف الصديق المبدع الذي فقدناه وهو في عز عطائه المميز الدكتور عفيف ابي فراج.

ولعله كان بين ما يعزيني أن تكون شريكة عمره وانتاجه السيدة عائدة خداج ابي فراج قد حفظت بأهداب العين تراثه وأكملت اصدار كتبه المميزة، مضيفة اليها بعض ابداعها، وآخرها المجموعة القصصية “قمر يودع شهره وقصص أخرى”… خصوصاً وانها ستضيف بشراكتها في هذه الندوة طيفاً من الحضور البهي لزين الشباب الذي لم يمُتع بالشباب..

أيها الاصدقاء،

فأما الموضوع المطروح كعنوان لهذه الندوة فأخطر من أن يُختصر بكلمات عابرة. انه يحتاج حلقة دراسية ممتازة يشارك فيها نخبة من المؤرخين وعلماء الاجتماع والبحاثة وأهل الفكر السياسي.

لذلك سأكتفي ببعض الافكار العارضة والسريعة مع الاعتذار عن التعمق في الاسباب والنتائج، آملاً أن يتقبل عذري من اقترح هذا العنوان الفضفاض لندوة تقام عصراً في هذا المصيف الجميل فتفسد على الحضور هدأة البال والاستمتاع بهذه الهدأة، في زمن الازدحام على الطريق وفي أفكار المنظمين.

إن زمن الانحطاط دهر، اختلطت فيه التركة الاستعمارية، بعد انهيار الامبراطورية العربية التي تقاسمها المماليك والتتار، قبل أن يأتي الصليبيون بجحافلهم وشعاراتهم المزورة التي استعادها المستعمر الاسرائيلي في فلسطين، وصولاً إلى السلطنة العثمانية بتركتها الثقيلة من التخلف والجهل والفقر والظلم.

بعد ذلك جاء الاستعمار الغربي وكانت قد سبقته بعثاته التعليمية التي تصرفت بشكل فاضح الانحياز.. فتمركزت في مناطق محددة متيحة فرص التعليم امام بعض اللبنانيين دون بعضهم الآخر..

ثم كان تقاسم منطقة المشرق بين بريطانيا وفرنسا، ووضع حجر الاساس للمشروع الاسرائيلي في اعقاب الحرب العالمية الأولى… ولمن نسي فان وعد بلفور بالوطن القومي لليهود في فلسطين العربية قد اعطاه من يملك لمن لا يستحق عشية انتهاء الحرب في خريف 1917.

وهكذا استولد الانكليز امارة شرقي الاردن من خاصرة سوريا، بينما احتلوا العراق وفرضوا عليه نظاماً مختل التوازن في اعقاب ثورة العشرين للتأسيس لمشروع الفتنة بين السنة والشيعة، يمكن تلمس نتائجها الآن.

وأعاد الفرنسيون تركيب لبنان بصورته الراهنة بعد ضم الاقضية الاربعة، أي الجنوب والبقاع والشمال فضلاً عن بيروت إلى متصرفية الجبل وهكذا استولدت الجمهورية اللبنانية على قواعد طائفية يصعب أن تستقر بنظامها الطوائفي ويكاد يستحيل اصلاحها لان اية ثورة للتغيير ستدمغ بالطائفية والمذهبية.. وهكذا تتحول إلى فتنة.

أيها الاخوة والاخوات،

لسنا في عصر الانحطاط… فلقد ثارت شعوب هذه الامة، من سوريا إلى العراق، وتقدمت مصر بعد خلع الملكية والانتصار على العدوان الثلاثي في العام 1956 لقيادة حركة التحرر الوطني، فأنجزت مشروعاً للوحدة بقيام الجمهورية العربية المتحدة في العام 1958.. وصحيح انها اسقطت في العام 1961 لكن ذلك لم يمنع من انتصار الجزائر على دهر الاستعمار الفرنسي الذي حاول تزوير هويتها بدوامه لأكثر من مائة وخمسين سنة ..

كذلك فلقد انتفضت اليمن وخلعت إمام القرون الوسطى في ايلول 1962. ثم توالت الانتفاضات في العراق وسوريا.. وقام الجيش بحركته الانقلابية في ليبيا فخلع الملك السنوسي واعلن الجمهورية الخ..

أيها الاصدقاء،

أن هذه الامة امة حية.. وانتفاضاتها متوالية برغم قساوة الظروف وتركة التخلف الثقيلة وسرطان الطائفيات والمذهبيات والاحتلال الاسرائيلي لفلسطين والهيمنة الاميركية على المنطقة، وانظمة الاستبداد التي استولدها التخلف والقهر وتغييب الشعوب عن القرار.

وصحيح أن ظروفنا الراهنة بائسة وقد تدفع إلى اليأس..

لكن حياة الامم لا تقاس بالسنين..

واحب أن افترض اننا نمر بمخاض طويل وصعب..

ولكننا نعرف الآن ما نريد،

والطريق امامنا طويلة وشاقة..

ولكن ارادة الشعوب هي الاقوى والأبقى..

ولسوف تكون الرحلة شاقة.. ولكن الاهداف السامية تستحق التضحيات الغوالي..

وهذا تاريخ الامم والدول العظمى أو الكبرى مليء بالفواجع والخيبات والحروب الاهلية.

المهم الا نيأس، وان نواصل المسيرة في قلب الصعب..

والأهم أن نتوحد خلف أهدافنا الجليلة فلا تغرقنا الطائفية والمذهبية والضعف ونقعد عن النضال.

ولنستذكر دائماً ما قاله امرؤ القيس:

بكى صاحبى لمّا رأى الدّرب دونه … وأيقن أنّا لاحقان بقيصرا

فقلت له: لا تبكِ عينك إنما … نحاول ملكا أو نموت فنعذرا

لن نبكي، بل سنعمل وسنحاول حتى نحقق اهدافنا التي تستحق أغلى التضحيات.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

كلمة القيت في بيت بعلشميه العام خلال ندوة فكرية حول “زمن الانحطاط في الشرق”، الجمعة 25 آب 2017

Exit mobile version