طلال سلمان

لا إعلام من دون ضحايا

إنه عصر الظلمات. هو زمن الإرتكاب. العنف لعبة السياسة الأولى. الإعلام خادم لعقيدة السيطرة. العالم مسرحٌ أنيقٌ لهمجية متمادية. الكذب رأسمالٌ لا ينفذ. السياسة لعبةُ قمار يفوز فيها حثالات “العقائد” و”المبادئ” و”القيم”. الإعلام الكوكبي ميليشيا مسيطرة و”مُقنّعة”. الرأي العام، ممسوكٌ ومطيعٌ ويعبرُ بهمجَية عن غرائزه الشهوانية. أهم غرائز الكون راهناً تحقيق ثروات الفحش والإغتصاب.

الحقائق، تقريباً كل الحقائق، هي ضحايا الكذب الأنيق، والكذب إلى ازدهار الاصطفافات المبرمة، في القارات الخمس. الكذب سيولة لفظية توازي السيولة المالية الملوثة بدماء الضعفاء و”الملعونين”. التلقين المبرمج رائج وسهل، والنقد مفقود ومعدود. الكذب مزدهر. الاصطفاف يولد من رحم التلقين. الإعلام الكوكبي، يُتقن التضليل. الإنصياع “طوعي” و”مغرٍ”، والهدف هو القبول بنعمة السيطرة والإنتماء إلى سلطة المال ومقام الفساد، وزحمة الفتن، وحجج التبرير. حتى الجرائم والحروب والفتن، باتت وليمة شهية، والإصطفاف مشهدية مبرمة.

الأدلة وافرة. إصطفاف القتلة في الحرب الروسية الأوكرانية. تبرئة إسرائيل في وضح جرائمها. تدمير العرب بأيديهم وأياد القوى الرأسمالية السخية في عطاءاتها العسكرية.

تعبت من هذا النص. أحيل القارئ الى ذاكرته اليومية. وأدعوه إلى تفحص السلاح الإعلامي. الإعلام يُحقّق فلسفة الهيمنة. الهيئات الدولية منصات لممارسة العقوبات، وتبرير الحروب. الحقائق السياسية مصنفة ومبرمجة. التنميط البشري بات سهلاً وعادياً. الكرة الأرضية، في معظم منحنياتها وثرواتها، معروضة للمنازلة كل يوم. الإعلام يتولى تأمين أرضية النزاعات. الإعلام طغمة محلية ودولية. الحروب يتم إشعالها على الورق أولاً، وفي مطابخ النشرات التلفزيونية. الكذب واجب يومي. الإعلام أوكسجين الفساد والفحش والقتل. وهو أفظع من ذلك، يُبرّر ويُبرّئ الحروب العدوانية. (تذكروا حروب أميركا والغرب على الشعوب في كياناتها المتناثرة في القارات). الإعلام الراهن ممسك بالراهن من أذنيه، وصنع الغد على قياس جموح رأس المال. المال هو من غلب الله. المسيح في إنجيله يظهر بوضوح، قلق الله عندما يقول: لا تعبدوا ربين: الله والمال. لقد عبدوا المال ثم المال ثم المال. رأس المال هو هدف سامٍ جداً، الربح المستدام هو الجائزة؛ وعليه، لا بد من تأمين خطوط العرض والطول، حول الكرة الأرضية، لإنجاح السيطرة، بأدوات الفكر وأرقام المصالح وتزوير القيم، والقفز فوق الحرية والديمقراطية.. ولقمة العيش، ولغة الحياة.

الكرة الأرضية قادرة على إطعام العالم، كل العالم. الكرة الأرضية أُمنَا جميعاً. الرأسمال العالمي، المدعوم فلسفياً وعقدياً ودينياً ومذهبياً ومصرفياً وسياسياً وإعلامياً، يحتفل باجتياحاته ويُنصَّبْ مجرمي الحروب ابطالاً وقديسين.

الإعلام خرج من أسس وجوده. اكتشف الرأسمال أنه بحاجة إلى لغة، غير لغة الأرقام. صادر الإعلام. وظّف الثقافة في مساراته النفعية. اشترى العقائد والمذاهب والأندية الرياضية والصحفيين والكتَّاب ومراكز الأبحاث. اشترى أندية القمار. صادر مسارات التهريب. ارتكابات الكبائر تؤهل الفساد والمفسدين، ليكون العالم رهن الطاعة. الإعلام حمى ويحمي الفاسدين والمجرمين. ينحاز إلى خنادق القتال. يحرُم الكاميرات من نقل المجازر والدمار والقتلى. الإعلام ليس أعمى ابداً. انما هو يرى بعين واحدة. الإعلام، يحمي الفساد والفاسدين. لبنان نموذج مصغَر للإرتكابات. الفاسدون فوق القانون. اللبنانيون يتسوَلون أموالهم المهدورة والمنهوبة. عبث. الإعلام في معظمه، يحمي الرأسمال المصرفي، الرأسمال الرسمي، والرأسمال الديني والمذهبي. لبنان بلد عصابات، ومن يظن عكس ذلك، إما غبي جداً أو منخرط في الإصطفاف، فيدين خصمه ويحمي “قبيلته”.

الإعلام مع الحرب وليس ضدها. تذكروا إعلام الفتن العربية التي ورثت غصباً عن الجميع، ثورة بوهج البوعزيزي. لقد خطفوا “الثورة”، ووضعوها في فوهة الأسلحة. تحولت الخريطة العربية الى مذبحة ترتكبها جيوش وأنظمة ودول وإمارات وملكيات.. الرابح فيها هو الرأسمال. الخاسرون: قتلى بمئات الآلاف. تذكروا، لبنان، سوريا، العراق، ليبيا، اليمن، الصومال والسودان.

يا إلهي! هذا كوكب أم جحيم.

أفدح ما بلغناه، عبر وسائل الإعلام والتواصل المبرمج والمذهل، أننا بتنا نفرح بتحولنا من بشر الى نعاج. تُجيد الإصغاء، وتمضي بقدميها إلى المقصلة الرأسمالية. ولا يبدو أن هناك استعادة للإنسان. المطلوب راهناً، نزع الأنسنة من الإنسان، وجعله قطيعاً أو قطعانا، في الإصطفافات الدولية والحربية والاقتصادية والسياسية، تتولى “نخبة” متعددة إقناع العدو أنه كذلك، ومحاربة هذا العدو واجب “بشري”.

وظيفة الإعلام راهناً، تمتين السيطرة، والمرشح الدائم للسيطرة، دولة أو دول، تُحقّق أهدافها، عبر شعار من ليس معي فهو ضدي. ولقد نجحت في ذلك دائماً. فالشعب اللبناني مثلاً، يُقدّم صورة كاملة للبشاعات السياسية والاصطفافات. الإعلام المرئي والرقمي في لبنان وسواه، لا يحتاج إلى صدقية أبداً. مجتمع النعاج يتناغم مع الفرز المحلي والعربي والدولي الراهن، حرباً وسياسة واقتصاداً. لبنان مثلاً، مصطفٌ من زمان في زقاقين سياسيين: مع الغرب ضد الشرق. ومع الشرق ضد الغرب. ترجمة ذلك في اصطفاف فريق “وازن” مع الولايات المتحدة وعصاباتها الدولية الأنيقة الهندام، والسافكة لدماء وغذاء الشعوب، واصطفاف فريق وازن، مع كل ما هو ضد الغرب وإسرائيل. اللبنانيون أمثولة للإنحيازات المتناقضة. آخر موال سياسي: فريق مع أوكرانيا وفريق مع روسيا.

اللبنانيون في خنادق الإعلام. لا يصدقون إلا ما يريدونه. الإعلام المحلي والعالمي، يدّعي بفجور نذل، أنه يصون الحريات ويقود العالم إلى السلام والديموقراطية وحقوق الانسان. كذّابون. داعرون. الإعلام العربي مقلد ببغائي للإعلام الغربي، والإعلام المضاد. لذا، الفساد دين الإعلام. الكذب مسار الإعلام.

من فدائح الإعلام في العالم، أنه يركن إلى ما يلي: من معنا تم شراؤه. من ضدنا، اشتراه سوانا. السكوت عن خطايا وجرائم دولة، أو دول، يقابله التهرب من الحقيقة.

أخيراً، لا بد من القول: الحياة مسرحية. والسياسة تكذب. والإنسان لاعب مغلوب. الكذب أوكسجين العلاقات. عادة، تنتهي المسرحية بالقتل. لا تصدّقوا أن الحرب والتوحش زائران عابران. غبيٌ من لا يستشعر الدمار القادم.

هل أنا متشائم؟

ما زلت أبحث عن بقعة الضوء.. وسأصل اليها.

 

Exit mobile version