طلال سلمان

في حضرة طارق بن زياد

يُقال، والعلم عند الله، أن أحد أسباب “فتح” الأندلس كان صراع ملوك الطوائف في اسبانيا آنذاك، وأن منهم من استنجد بالغريب ضد القريب…

الحمد لله أنه كان فتحاً.. وأن العرب العاربة كللَّت التاريخ بالغار…

وملوك الطوائف يا سادة يا كرام، كانت تعني حينها، والعلم أيضاً عند الله، أن المَلكَ منهم، وعوضاً عن أن يرعى ويراعى شعوبه المتنوعة، اختار أن يكتفي بحكم أبناء ملَّته ومناكفة بقية المِلل! وهكذا تقاتل الرعاة وتناحروا ووشى بعضهم ببعض حتى رأوا في الغريب منقذاً، إلى أن جاء حقاً المُنجد من طرف البحر فأحرق مراكبه وقال كما تقول الأساطير: البحر من وراءكم والعدو من أمامكم (لم يقل لنا أحد لماذا كان من أمامه عدواً) قبل أن يتساءل بشاعرية ملحمية: أين المفر؟

الحمد لله ثانيةً أنه التاريخ، وأن طارقنا لم يفر، وأننا اعتبرنا من العِبَرْ، فأصبحنا أذكى من ملوك الطوائف لا نقع مثلهم في نفس المطب الذي قاد ذات يوم طارقاً بن زياد وموسى بن النصير إلى تبوأ سدة التاريخ.

كان ذلك يا سادة يا كرام، قبل أن تفرقهما الضغائن والمكائد، وقبل أن يُسجن والي افريقيا بسببٍ من غضب خليفة المسلمين الأموي، وقبل أن يقضي من حرق مراكبه بقية عمره متسولاً في دمشق، تهيم روحه في حواريها كما يقول بعض من امتهن الحكاية: كان يا مكان في سالف العصر والأوان… وبعد الاسترسال في تفاصيل الحبكة والسيف البتار والبطل قاهر الرجال، يضيف الحكواتي وعيناه تحدقان بالجمع الغفير: وهكذا يا أكابر ويا ذوات، لا مُلكَ يدوم ولا حال، أفلا تكونوا مثل من بكى “كالنساء مُلكاً لم يحافظ عليه كالرجال”.. لئن يكن المٍلك أندلسيا، سورياً، فلسطينا أم لبناناً، وكله يا سادة يا كرام مُلكُ طوائفَ جديدةٍ / قديمة، مهدورٌ على الدوام، تتنازعه وحوش نألفها فتأكلنا… فنراقب وجعاً مستديماً ونبقى على حافة هاوية لا تروح و لا تجيء!

Exit mobile version