طلال سلمان

عن فتية السكاكين والصبايا المنذورات لتحرير فلسطين

سقطت فلسطين ـ القضية المقدسة من الذاكرة الرسمية العربية.. فازدادت توهجاً!
تمّ تفتيتها قبل إسقاطها، فصارت فلسطين ـ السلطة في الضفة الغربية وقطاع غزة.. وذهبت فلسطين 1948 إلى النسيان مع أنها تستحضر نفسها في “الهبّات الشعبية” التي تجتاح الضفة في المناسبات التي تتاح فيها لشعب فلسطين أن يثبت حضوره بغضبه، وتبقى غزة خارجها..
فأما الضفة الغربية التي جازت عليها، في البداية، خديعة السلطة التي كادت تصدق أنها “حكومة لدولة”، فقد استفاقت على الحقيقة المرة والثابتة: الاحتلال الإسرائيلي باق، يمارس كل ما كان يمارسه قبل اتفاق أوسلو، وقبل السماح بقيام “السلطة” التي سرعان ما تحولت إلى “إدارة محلية” يتحكّم فيها المحتل، أمنياً واقتصادياً واجتماعياً، وسياسياً بطبيعة الحال… إذ إن “السلطة” تكاد تكون أقرب إلى “المجلس البلدي”، حتى لو حرص المسؤولون فيها على امتيازات الوزراء والنواب والمديرين والضباط ـ القادة ورجال الشرطة الذين يحاولون تأكيد سلطتهم، نيابة عن المحتل الإسرائيلي، حتى على رفاقهم وأقرانهم ورفاق الدراسة.
وأما غزة فقد أخذتها “حماس” مبتعدة بها عن الضفة والسلطة فيها حتى لقد غدت وكأنها “كانتون” لا تربطها بالضفة وسلطتها إلا شكليات أو مجاملات في مناسبات محددة ومحدودة سرعان ما تعود الخلافات لتفجرها فإذا “الانفصال” كامل. ولقد تجلت هذه الحقيقة المرة خلال الحروب التي شنها العدو الإسرائيلي على غزة في السنوات الماضية، فكان أهل الضفة يتمزقون وهم يتابعون النار الإسرائيلية تحرق إخوانهم في غزة، تدمر بيوتهم ومدارسهم والمساجد والجامعات ومصادر عيش الأهالي المحاصرين براً وبحراً وجواً، تتساقط عليهم الصواريخ وقذائف المدفعية والدبابات مطراً، ولا ملجأ ولا من يغيث.
على أن الأرض المقدسة لا تفتأ تتحدى عدوها وتؤكد رفضها لاحتلاله بالدم.
.. ولقد انشقت الأرض عن جيل جديد من المقاومين هم من بين الفتية الذين آمنوا بربهم فزادهم هدى، فإذا هم يؤكدون حضورهم بطريقة مبتكرة: إنهم لا يملكون سلاحاً نارياً، ولكنهم يملكون بالتأكيد ما ينسبهم إلى المقاومة.. فسكين المطبخ يصلح سلاحاً مقاوماً، والسيارة يمكن تحويلها إلى سلاح مقاوم… ألم يؤكد الحجر أنه يصلح سلاحاً فعالاً في وجه المحتل وغطرسة القوة؟!
هكذا يكتب هذا الجيل صفحة مضيئة في تاريخ النضال الوطني الفلسطيني: نزل إلى الشوارع والطرقات، عارياً إلا من إرادته وإيمانه بأرضه وسكين مطبخ أو خنجر صغير، فإذا لم تتوفر السكين وتوفرت السيارة فيمكن اعتماد الدهس… إضافة إلى الحجر المقدس الذي طالما أعان صاحب الأرض وابنها على توكيد حضوره ورفضه الاحتلال المدجج بالدبابات والطائرات والغواصات والمدفعية الثقيلة وبطاريات الصواريخ الواصلة حديثاً من مخازن القوات المسلحة الأميركية.
“يا لوحدنا…”.
لكن هؤلاء الفتية الذين آمنوا بربهم فزادهم هدى وزاد من إيمانهم بأرضهم، قد هزوا كيان الجبار الإسرائيلي هزاً عنيفاً، فأرعبوا جنوده المدججين بالسلاح، وبثوا الذعر في أوساط المستوطنين المستقدَمين من أربع جهات الأرض فصاروا لا يتحركون إلا جماعات تواكبهم حراسة مشددة.
أما أهل النظام العربي فمشغولون عنهم بالحروب الخطأ التي يخوضونها في المكان الخطأ والزمان الخطأ… فهم يقاتلون أهلهم في اليمن والعراق وسوريا ويحاصرون بذهبهم مصر وليبيا وتونس. يقاتلونهم مباشرة، كما في اليمن، شمالاً وجنوباً مفسحين المجال أمام “داعش” و “جبهة النصرة” لكي يتمدد مقاتلوهما في مشارق الأرض ومغاربها، في حين تجهر بعض الأوساط الحكومية العربية بانشغالها ـ في هذه اللحظة ـ في قتال “حزب الله”، ومحاولة وضعه على القائمة الدولية للإرهاب… ربما لأنه قاتل العدو الإسرائيلي على امتداد عشرين سنة أو يزيد وهزمه في حرب تموز 2006 وأكد قدراته وجهوزيته لأن يقاتله مرات أخرى وفي أي وقت، بل وأن يقتحمه ويقاتله من داخله وفيه.
وهكذا تتبدى الحقيقة عارية:
هناك من يقاتل العدو، وهناك من يقاتل معه ومن موقع حليفه.
***
إن فتية فلسطين وصباياها يجددون فينا الأمل. إنهم يؤكدون بعملياتهم العفوية الشجاعة أن القضية المقدسة ما تزال حية في وجدانهم وهي تشغل أفكارهم، وتحصنهم ضد اليأس الذي تنفخ فيه أنظمة الهزيمة وتهرب من مواجهة من كان “العدو القومي” إلى مهادنته، بل إلى مصالحته علناً (كما قطر) أو سراً (كما دول أخرى في الجزيرة والخليج بينها الإمارات) في حين تلجأ السعودية إلى الحوار بالواسطة وعبر منابر ومؤسسات دولية.
.. وطالما أن معظم الدول العربية قد خرجت من ميدان فلسطين أو أنها على وشك الخروج منه فليكن الإعلام وسيلتها للتغطية على خروجها المشين. وهكذا تتسابق الفضائيات العربية على نقل مشاهد الدهس والطعن مأخوذة من مصادر إسرائيلية أو وكالات أنباء دولية وإنما بإذن إسرائيلي.. وهي صور قد تنفع في التخويف لأن معظم الفتية الشجعان والصبايا المقدامات قد قُتلوا أو ألقي القبض عليهم أو عليهن، واقتيدوا إلى السجن. وحتى لو كان القصد من النشر بريئاً فإنه يظل بلا صدى، ويصوّر الأمور وكأنها جملة من “الحوادث” المتفرقة لا رابط بينها ولا قضية تجمع بين أبطالها وبطلاتها وجمهور القراء أو المشاهدين. ويوماً بعد يوم يعتادها المشاهد كما يعتاد ـ مثلاً ـ على مباريات كرة القدم أو تصريحات المسؤولين التي كلما كثرت كلماتها غادرها المعنى وتحولت إلى قرع على طبول مثقوبة.
على أن الأبشع من هذا كله هو موقف “السلطة” التي تتصرف وكأن هذه المواجهة تتم في بلاد بعيدة وبين طرفين “متخاصمين” لا يمت أي منهما لها بصلة قربى أو بوحدة القضية المقدسة… ومع أن كبار المسؤولين في هذه السلطة يجولون بين عواصم العالم، لابسين أفخم الثياب وبربطات عنق من ماركات شهيرة، ويطلقون ثرثرات بلا معنى، متحاشين إغضاب سلطات الاحتلال الإسرائيلي حتى لا يزعجهم عند المعابر، أو يؤخر صرف مستحقات السلطة التي تشكو من إفلاس دائم وتكاد تعجز عن دفع مرتبات الجيش اللجب من موظفيها وشرطتها التي تكاد تنزلق، في بعض الأحيان، إلى معاونة قوات الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، وذلك حين يمنعها العجز عن إسناد أولئك الفتية والصبايا الذين واللواتي يحبون الحياة ولكنهم يحبون وطنهم أكثر ويسارعون إلى افتدائه بحياتهم.
إن شاشات المرئيات العربية، سعودية وخليجية ومصرية ولبنانية، تُغرقنا يومياً بصور أطفال “داعش” الأشاوس وقد أخفوا وجوههم بالأقنعة السوداء وفي أيديهم السكاكين لحز رؤوس رهائنهم، عرباً وأجانب، في ميادين إعدام ضحاياهم المختارين بقصد طائفي معلن وبهدف بث الرعب في قلوب المشاهدين في الداخل العربي ومعه، بل قبله الخارج الأجنبي.
ومن أسف فإن الأشرطة تمر أمام عيون “المتفرجين” بسرعة تكاد تمنعهم من التمييز، خصوصاً وكل الصور تعبر أمام عيوننا “كحوادث” وليس بينها “أحداث” يُفترض أن تهزنا وأن تدفعنا إلى التحرك لنصرة إخوتنا وأبنائنا وبناتنا في فلسطين.
إنه شريط آخر من أشرطة الأخبار التي تمر أمام عيوننا في لحظات خاطفة تواكبها التعليقات الإنشائية الفارغة من أي مضمون… خصوصاً وأنها قد باتت متوقعة يومياً، وتُعرض من خارج سياقها، وكأنها فقرة أخرى في الشريط الإخباري العادي.
ومن سيهتم؟ من لديه فضلة من الوقت للاهتمام بفلسطين والعديد من الأقطار العربية يعيش حالاً أعظم بؤساً من حال الفلسطينيين.
لا المواطن السوري يعرف مصير وطنه ومصيره في وطنه،
ولا المواطن العراقي يعرف… بل لعل بعض أهل العراق يُدفع إلى مناقشة هويته فضلاً عن اسم دولته..
ولا المواطن اليمني يعرف إلى أين ستأخذه هذه الحرب الظالمة التي تُشن ضده والتي لو مُنح نفقات كلفتها لحوّل بلاده إلى “جنة عدن”..
إن العرب يقتتلون. إن بعض الأنظمة العربية يقتل ألوفاً مؤلفة من شعب دولة أخرى بحجة اعتراضه على نظامها. إنه ينصر شعبها بالمذابح والمجازر وتهديم المدن والقرى الفقيرة.
ومفهوم أن تكون الأنظمة العربية قد انتقلت من التخاذل عن نصرة القضية المقدسة إلى التواطؤ على شعب فلسطين (من ضمن تواطئها على حاضر الأمة العربية ومستقبلها).. ولكن ما ليس مقبولاً أن تندفع أجهزة الإعلام العربية، رسمية وخاصة، إلى تعظيم قدرات “داعش” مما يبرّر تقاعس الأنظمة عن مواجهته، بينما هي تكتفي بنشر محايد لصور المواجهات الأسطورية التي تشهدها أنحاء الضفة الغربية، بمدنها وقراها والمخيمات.
نكتب هذه الكلمات ونحن نفكر، على مدار الساعة: كيف يمكننا أن نخدم القضية المقدسة أكثر، وفي ما يفيدها مباشرة… ولكننا نحس بأننا، نحن المعنيين بقضية فلسطين والمتابعين بإعجاب وتقدير عظيمين جهاد شعبها الباسل الذي قهر اليأس مرات وما يزال يقهره لا نملك غير دعمه بالكلمة.. حتى النصر.

Exit mobile version