طلال سلمان

عن “صفقة القرن”: تزوير التاريخ والجغرافيا! المضارب في البورصة يمنح فلسطين للإرهابي!

ما تشهد به احوال “العرب”، دولاً بملوكها ورؤسائها، بمدنها والقصبات والأرياف، قبل العواصم وبعدها، أن التاريخ الذي يحفظه الناس مجموعة من الاكاذيب والخرافات والحكايات ابتدعها الرواة بما يوافق امزجة سلاطين العصر، وان الحقائق تبقى خارجه.. في انتظار أن يكشف عنها المهتمون بالآثار والمنقبون بحثاً عن كنوز اخفاها اهلها عن مظالم حكامهم.

بين الاسئلة القلقة في هذه اللحظة:

§ لماذا تتوالى الانهيارات وتتصدع المجتمعات العربية، وتتقزم الدول التي كان لها شرف القيادة بأهلية شعبها والرؤية المستقبلية لحكامها، والوعي القومي العام بالمخاطر التي تهدد مستقبل الامة وتذهب بحاضرها وتحول ماضيها إلى اساطير ملفقة؟

§ لماذا هانت عليهم بلادهم، بتاريخها وكرامة ارضها التي تمنحهم شرف الانتماء إلى “خير امة”، وارتضوا أن يكون اتباعاً، يقرر لهم الغير من اعدائهم وخصومهم طريقهم الى مستقبلهم، بعد أن يعيدوا صياغة حاضرهم ويشوهوا ماضيهم؟

§ كيف هانت عليهم أنفسهم، وهم اهل الفتح، وتاريخهم حافل بصفحات المجد التي حملتهم من اول الارض إلى آخرها، بزخم الرسالة وقوة الايمان والشعور بفخر من يحمل إلى الناس الهداية.

§ ثم… لماذا يبيع حكامهم الارض المقدسة وكرامتهم البشرية ودينهم وامجاد ماضيهم وحقهم بحاضر يليق بهم ومستقبل يستحقه ابناؤهم، فلا تحاسبهم شعوبهم ولا تقتص منهم اجيالهم الآتية لأنهم حولوهم إلى لاجئين او إلى اعداد بلا مستقبل، حاضرهم في يد مستعمرهم، وتسليتهم التغني بأمجاد الماضي الذي لن يعود؟


كيف تعبر “صفقة القرن” صحراء الصمت العربي، بكل ما تحفل به من تواطؤ وخيانة مكشوفة وارتهان الارادة والتصرف بمستقبل الاجيال الآتية؟

من سمح للآباء، ملوكاً وامراء ومشايخ، بمسخ هوية الاجيال وتجهيل انتمائها وتشويه تاريخ الامة وتحقير ابطاله، وتعظيم العدو حتى انكار الذات والتفريط بكرامة الارض وانكار الهوية والدين واسماء الله الحسنى نفاقاً للقاهر؟

صفقة القرن؟!

وما أدراك ما صفقة القرن؟

صفقة القرن أن تلغي التاريخ، وان تحقر الجغرافيا، وان تنكر عليك هويتك، وان تجعلك تتنازل عن اسمك وحقوق اطفالك في وطنهم الذي ورثوه عن اجدادهم وقد حفظوه بسيوفهم ومآقي العيون وقصائدهم وحدائهم الذي يأخذ من المجد إلى المجد؟!

صفقة القرن: أن تُنكر نفسك وأهلك وارضك، وان تقبل أنك كذبة صغيرة في بحر من الاكاذيب التي اصطنع منها تاريخك. فلا الارض ارض اجدادك، ولا التاريخ صنع سيوفهم واقلامهم والقصائد!.. لا الانبياء منهم، ولا الكتب المقدسة مراجعهم، لا هم عرفوا الشعر ولا الكيمياء، ولا هم ابتدعوا “الصفر” اساساً للحساب والهندسة، وليسوا من عمر هذه الديار بعد اجلاء الاجنبي والطامع منها!

لا عمر بن الخطاب صلى هنا.. خارج الكنيسة حتى لا يأخذها المسلمون من النصارى في القدس، ولا شرحبيل بن حسنة ورفاقهم من الصحابة، مدفونون في اغوار الاردن، خلال معركة فتح دمشق..ولا ضريح عمر بن العاص في ضواحي حمص، بعدما اتعبته الفتوحات ومعاركها التي حسمها بشجاعته وسيفه وايمان المجاهدين بقيادته الفذة.


ماذا، وبأي حق، وبأية صفة، “يتنازل ” الرئيس الاميركي، المضارب في البورصة، والذي نجا من السقوط بأكثرية صوتين، عما لا يملك لمن لا يستحق؟

ما علاقة ترامب بفلسطين وكنيسة القيامة فيها ودرب الآلام ومسجدها الاقصى الذي باركنا من حوله، حتى يقرر من هو صاحبها ومالكها وبانيها وراعيها منذ آلاف السنين، حتى “يتنازل” عنها لمن لم يعرفها اجداده ولا اباؤه، بل جاءها غازياً ببندقية بريطانية على متن بارجة أميركية واخذها من المهزوم التركي والمستضعف العربي الذي افتقد النصير وهو يجرد من املاكه وقبور انبيائه ودرب الآلام ومسرى صلاح الدين، هازم الصلبيين الغزاة.

من أعطى هذه الارض المقدسة للبولوني الذي ظلمه النازي الالماني، واضطهده الفرنسي وأقطعه البريطاني ارضاً لا يملكها وغذاها السوفياتي بيهوده لتكون ارض الميعاد.. على حساب اهلها الذين كانوا عبر التاريخ اهلها، لم يتركوها يوماً لغازٍ او لمحتل، وفضلوا الموت فيها على الخروج منها إلى الضياع والانسحاق؟

ما علاقة ترامب بفلسطين؟ وهل تراه يعرف تاريخ بلاده، قبل تاريخها؟

بل ما علاقة نتنياهو بفلسطين… وهل يمكن لأي محتل بقوة التواطؤ الدولي وسلاح الخيانة أن يأخذ بلاداً اهلها فيها، وقد كانوا دائماً اهلها، قبل تشكيل الولايات المتحدة الاميركية، وقبل قيام الاتحاد السوفياتي وبعد انفراط عقد دوله، وقبل أن تصبح بريطانيا امبراطورية عظمى وبعدما تهاوت امجادها وتحررت منها مستعمراتها، وقبل أن توجد فرنسا كدولة بالثورة الشعبية ضد اسرتها الحاكمة، حتى ان نابليون قد شطط في حيفا ثم ارتد عنها..


لا يدوم الاحتلال، ولا هو يستطيع تبديل هوية الارض واهلها، وان هو استطاع أن يقتحم حصونها وان يهدم مدنها وان يزور تاريخها (إلى حين).

ألم تكن الولايات المتحدة الاميركية ارضاً محتلة يتقاسمها البريطانيون والفرنسيون والاسبان والبرتغاليون و… قبل أن يُباد اهلها الذين كانوا دائماً اهلها من الهنود الحمر واعتبروا طارئين.. لا يستحقون الحياة.

ثم.. هل يمكن لمضارب في البورصة أن يُعيد كتابة التاريخ، بما يمكنه من ربح المستقبل بمحو الماضي والحاضر والناس اهل الارض وبناة الحضارة؟

Exit mobile version