طلال سلمان

رويدا ايها مهللون

قبل أربع سنوات اغتالت رصاصات أحد أحفاد التطرف في إسرائيل واحداً من »أبطال« حروبها، إسحق رابين عندما رغب في محاولة مغادرة ميادين القتال ليضمن مستقبل الكيان الصهيوني مستفيداً من تسليم العرب بوجوده بعدما عجزوا عن إلحاق الهزيمة به.
وقبل ثلاث سنوات، اغتالت حماقة شيمون بيريز ورغبته في اكتساب صورة »البطل« إلى جانب صورة »التاجر الشاطر« والمزايدة على أقصى التطرف، مشروع إسحق رابين، فلم يربح الحرب وحصد خسارة »مفجعة« في الانتخابات.
أمس، وقف بنيامين نتنياهو أمام الإسرائيليين يعلن سقوط سياسته الانتحارية، وخروجه من الحياة السياسية، ومن قيادة حزب الليكود بالذات، ليتفرغ لشؤونه العائلية في »مكان ما تحت الشمس«.
سقطت »الأسطورة« أمام »الجنرال«،
سقط التطرف الغبي المستفز للحليف قبل الخصم والصديق قبل العدو، والمحرج لكل أولئك الذين كانوا قد أقبلوا على إسرائيل، من العرب، ففتحوا لها المكاتب والسفارات، وأوفدوا إليها السفراء ورجال الأعمال، وفتحوا أمام طيرانها الأجواء، واعتبروها »شريكاً كبيراً« مسلِّمين بها كقوة مهيمنة على المنطقة، من داخل تسليمهم بالقيادة الأميركية المطلقة.
لم يسقط النهج المتطرف، بل سقط الرجل الذي قدم نفسه على الحزب والمؤسسة والنهج ذاته، في حين وجد التطرف »بطلاً« أحسن تقديم نفسه في صورة »العاقل« مستفيدا من »جنون« خصمه، ورجل الدولة المسؤول، مقابل صورة »الأرعن« الذي هدّد بإحراق واشنطن وأعلن الحرب على أوروبا وأحرج إلى حد الإذلال »المهرولين« العرب الذين اعتبروا أنفسهم »أصدقاء« فعاملهم كأنهم مجرد هاربين من الميدان مستسلمين بلا شروط ولا يستحقون منه إلا الإهانة والاحتقار.
لقد عاقب الإسرائيليون من لم يعرف كيف يسوس الحكم، وكيف يمارس التطرف بأسلوب »معتدل«، ويحصد »جوائز السلام« المحتمل من دون أن يخسر »الأمن« والتفوق الذي يتيح له التحكّم بمستقبل المنطقة بغير حروب.
الصورة نموذجية الآن: جنرال متحدر من المؤسسة العسكرية التي كانت دائماً تحكم أو تتحكّم بالسياسة الإسرائيلية، و»بطل« مجموعة من العمليات الخاصة التي أودت بنخبة من قيادات العمل الوطني الفلسطيني، يتحدث بلغة ملتبسة لا يرفضها »المتطرف« ويقبلها »المعتدل« داخل إسرائيل، ويرحب بها »الحليف الأكبر« الأميركي لأنه يستطيع أن يسوِّقها، ويستقبلها »المهرولون« العرب بالترحاب ويتلطون بها ليستروا تسليمهم بالشروط المهينة التي كان يتعذر التوقيع عليها لمن »يرفضهم«.
من الخطأ السياسي اعتبار انتصار باراك هزيمة للتطرف في إسرائيل، وإن كان سقوط نتنياهو مدوياً،
فالتطرف في إسرائيل ليس شخصاً وليس حزباً بذاته، بل هو »أسلوب حياة«… ولعل هذا بين ما يفسر سهولة الانتقال بين »أحزاب اليمين المتطرف« وتكتلات »اليسار« أو »يسار الوسط« أو غير ذلك من التسليمات: فلا دافيد بن غوريون كان يسارياً، ولا ليفي اشكول، ولا خاصة غولدا مائير، وبطبيعة الحال فإن إسحق رابين لم يكن أحد مناضلي الاشتراكية الميامين.
التسميات شديدة الخصوصية في »مجتمع« فريد من نوعه، ويصبح متعذراً فهم »اشتراكية« العنصريين، و»يسارية« أبطال التطهير العرقي، إلا بمعايير ابتدعت لإسرائيل وحدها دون غيرها من دول العالم.
إسرائيل أكثر انسجاماً مع ذاتها اليوم تحت قيادة »الجنرال«.
إسرائيل اليوم أخطر مما كانت تحت ظل نتنياهو، الذي كان يبدو كأنه خرج على تقاليدها، في حين أن صلفه وغروره وطاووسيته وثمله بانتصاره الصاروخي العام 1996، كل ذلك قد جعله »يغرّد خارج سربه«.
عاد السرب إلى الانتظام الآن.
وعسى أن يستطيع العرب التدقيق في التسميات والمواصفات والألقاب فلا تأخذهم التطمينات اللفظية، سواء أصدرت عن الجنرال، أم عن واشنطن التي تتصرف الآن كأنها المنتصر الأكبر، إلى خديعة جديدة أو إلى مزيد من التنازلات التي قد لا تبقي لهم ما يبرر ادعاءهم بأن لهم قضية تستحق مثل هذا الصراع الدموي الطويل.. والمفتوح إلى ما شاء الله.

Exit mobile version