طلال سلمان

على الطريق الغربتان

لعل صائب سلام قد أنكر بعض ما رآه وعرفه وسمعه في بيروت. لعله قد تساءل إن كانت هذه هي بيروت فعلاً. ولعله قد وصل إلى الاستنتاج بأن “بيروته” قد تضاءلت وشحبت وتصاغرت وهي تنطوي داخل “سورها”، مخلية الساحات والأحياء والشوارع لبيروتات أخرى، استولدت منها الحرب بقدر ما أخذت فهدمت ودمرت وخربت من بيروت الزمن الجميل.
ليس العمر ومفاعيله، إنه التغيير. إنه زمن الآخرين.
ومن قبل كانت الشكوى من طغيان الميليشيات وتحكمها بالناس والأرزاق والمرافق العامة.
ولربما اعتبرها صائب سلام وآخرون حالة عارضة وطارئة يزيلها لقاء بين “قطبين” أو بضعة من “أقطاب الطوائف” أو “الزعماء التاريخيين”…
لكن العارض صار دائماً، ورحل “الزعماء” مخلين الساحات لورثتهم غير الشرعيين، في نظرهم، وإن كانوا نتاجهم الطبيعي في نظر الناس… حتى لو اعتبروهم “نتاج أخطاء نظامهم وخطاياه”.
ومن داره في المصيطبة إلى ساحة البرج بالكاد تعرّف صائب سلام إلى الأمكنة والوجوه. لقد تبدل كل شيء. وحين كان نجله تمام يقدم إليه “الوافدين” والزوار، لاسيما من المختلفين معه سابقاً أو المختلفين معه الآن، كان يزيد من المجاملة ليبعد السياسة وتقلباتها والمستجدات أو المستحدث فيها.
وبالتأكيد فإن صائب سلام يرى رفيق الحريري الأقرب إليه من بين سياسيين “العهد الجديد” ونواب المجلس الذي قام على أساس اتفاق الطائف، بطبعة منقحة ومزيدة، ورأى فيه هو وغيره خروجاً على نتائج ذلك المؤتمر الذي كان أبو تمام من مهندسيه والذي صك له – على جري عادته – الشعار المناسب : ممنوع الفشل!
… مع أن رفيق الحريري هو الذي يمسح ما تبقى من بيروت، ويتخذ مما أصابها من دمار في الحرب سبباً لبناء مدينة مختلفة تماماً عن أهلها وعن تاريخها، في حين أن أبطال الحرب سيكونون بهذه النسبة أو تلك شركاءه فيها.
رفيق الحريري، بالمال ومصدر المال، بنمط التفكير والسلوك ومن أخذ عنهم، أقرب إلى صائب سلام بالتأكيد من معظم نواب بيروت “الجدد” الذي يصعب على صاحب شعار “لبنان واحد لا لبنانان” أن يفهم أو يتفهم ثم أن يقبل الأسباب التي حملتهم إلى البرلمان.
فنواب بيروت التسعينات كانوا مصنفين على لائحة “الخصوم” أو المنافسين السياسيين (رشيد الصلح، سليم الحص) أو العقائديين مثل غسان مطر (القومي السوري) وعصام نعمان (القومي العربي – التقدمي إلى حد استعداد لمناقشة العلمنة) ناهيك بالمنتسبين إلى التيارات الأصولية (حزب الله، الجماعة الإسلامية، جمعية المشاريع – الأحباش)… هذا قبل أن نصل إلى نماذج “متطرفة” كان نجاحها دائماً مبعث قلق للزعامات مثل نجاح واكيم.
وإذا كان أمر المنافسين هيناً لأنه من طقوس الفولكلور السياسي اللبناني، فإن أمر الآخرين صعب قبوله لأنه يعمق الإحساس بالغربة في نفس هذا الذي كان يفترض نفسه مساهماً في صنع التاريخ والسياسات، فإذا هو “ضيف شرف” في احتفال لغيره.
وليست بيروت الحالية وحدها مصدر الغربة، بل بيروت “الموعودة” والتي يستشعر صائب سلام إنها لا تحفظه ولكنه مضطر لأن يتظاهر بأنها مدينته، وإن تنكرت أو أنكرت الماضي وأهله!
.. وحتى تمام سلام الذي انتدب نفسه لمهمة “التعريف” بلباقة بالمستجدين والمستحدث لم يشأ ان يكون منهم، وليس أكيداً أنه سيجد المكان المفتقد في بيروت المجددة.

Exit mobile version