طلال سلمان

داهية الدبلوماسية اليمنية يروي وقائع الأيام الصعبة من الحرب لم تكن أميركا مع الوحدة بل سلمت بها في ما بعد كانوا قلقين من أن تهزم السعودية أو”يتفرغن”علي عبد ألله صالح(صورة)

صنعاء طلال سلمان
السياسة في اليمن مثل مجالس القات، أو »المقايل«: تتناول كل شيء، المفيد من الأمور والعبثي، الرصين والهزلي، تشتط إلى حد التطرّف أو تعتدل بأكثر من التوقع، ويجتمع فيها كل الناس بغير تمييز بين الحاكم والمحكوم، ولكنها تنتهي في الغالب الأعم إلى لا شيء…
هي ثرثرة في المقايل بين »مخزِّنين«، لأن الركائز الفعلية للسياسة ثابتة لا تتغير، وإن تمّ التعديل في الأسلوب: الجغرافيا تحكم، والبيئة الاجتماعية القبلية تتحكّم بتشكيل القرار، أما مصدره فهو »القيادة« حيث تتقاطع القبيلة مع المؤسسة العسكرية مع ثوابت الجغرافيا، مع »تلاوين« حزبية تعطي نكهة ديموقراطية وبالتالي عصرية… وخلف ذلك كله تقبع التأثيرات الدولية والعربية.
صعب هو الحكم في اليمن: فالميزان دقيق جدù، والمعادلات تفرض نفسها بقوة، وبين ما تفرضه ضرورة الاعتراف بالجميع، وضرورة الانفتاح على الجميع. فالأسماء ما زالت أقوى من الألقاب (الرسمية)، لا صاحب فخامة ولا صاحب دولة ولا صاحب معالي…
والاسم فضاح: إنه يدل رأسù على القبيلة والمنطقة والمذهب، ولا مجال للتمويه. ويحتاج »الموقف« إلى وقت طويل حتى يتحرّر من إسار الاسم ودلالاته والارتباطات التي يوحي بها بداهة.
عبد الكريم الأرياني يكاد يكون استثناءً في حرصه على تقريب مسلكه وحديثه ودوره من صورة »رجل الدولة«.
لعلها الثقافة، لعله امتزاج شخصية »القاضي« المتوارثة عائليù، مع شخصية »الدبلوماسي«.. لعلها الإطلالة على العصر، لعله التمرّس بالعمل الإداري وبأفق سياسي وطني عام. أو ربما ذلك كله قد أسهم في هذا التكوين المتميّز لهذا الرجل الذي تحسّ وكأنه قصير بقرار منه، وإن كان قصر القامة لم يؤثر أبدù لا على طول الباع في السياسة والدبلوماسية، ولا في القدرة الفائقة على »تسويق« المواقف بمنطق »يمني« صرف، أي بحدة ناعمة أو بنعومة حادة، ولكنه لا يضيع عن هدفه المقرّر.
هنا خلاصة حوار طويل مع وزير خارجية اليمن ورجل المهمات الصعبة فيها، الدكتور عبد الكريم الأرياني، الذي لا يخفي اليمنيون إعجابهم بحنكته برغم أن كارهيه يصفونه بأنه »عقرب يلدغ من تحت«!!
كان لا بد من أن تكون البداية من »الوحدة«، وبالتالي من »حرب الوحدة«:
أميركا لم تكن مع الوحدة
* كنتم تعرفون ان الموقف الأميركي معكم منذ البداية، أليس كذلك؟
ورد عبد الكريم الأرياني بمداخلة تفصيلية.. قال:
في البداية كان تقديري ان الموقف الأميركي لن يعارض الانفصال إذا تم بشيء من التفاهم والتراضي، أو بعملية جراحية سريعة لا تؤدي إلى تأزيم الوضع في المنطقة. وأنا لم أسمع من السفير الأميركي مثلا، وبشكل مباشر، ما يفيد أن الولايات المتحدة مع الوحدة ولن تسمح بإعادة تشطير اليمن، لأن ذلك سيخلق بؤرة للتوتر وعدم الاستقرار في المنطقة… بل يقال إن السفير الأميركي السابق قال لحيدر العطاس: نحن تهمنا مصالحنا في الشمال والجنوب.. وما دامت هذه المصالح لن تتعرض للضرر مع الوحدة أو من دونها فإن فك الوحدة أو بقاءها أمر لا يهمنا كثيرا.
كذلك عندما نشبت الحرب، وبدأ يتضح ان فرص الانفصاليين محدودة لم يذهب الأميركيون إليهم ليقولوا لهم: أوقفوا الحرب.. لكن أول تصريح لمساعد وزير الخارجية الأميركية بيلليترو كان لمصلحة الانفصاليين، وإشادة بمقدرتهم القتالية. وكان يعتقد أن الجيش الشمالي قبلي ومفكّك وأن موازين القوة لا تميل الى كفته. والأميركيون أول مَن قالوا إن الوحدة لا تفرض بالقوة. لكنهم في الواقع لم يكونوا يحرضون على الانفصال. وكان تقديرهم انه زواج غير ناجح ولا مانع من إنهائه بالتراضي.
وكان هناك عاملان يضغطان على الموقف الأميركي:
الأول: ان لدى الانفصاليين قوة…
الثاني: انه لا بد من العمل على حفظ ماء وجه السعوديين.
ألم ينتقل إليهم قلق السعوديين… ألم يتأثروا به، أم أنهم كانوا لا يمانعون في قليل من الإزعاج للمملكة؟
ورد الأرياني:
كانوا قلقين، وأبلغونا بمذكرة خطية ان دخول عدن خط أحمر أو أمر محظور ولا يمكن أن يسمحوا به… حدث هذا بعد سقوط قاعدة العند، أي بعد أن أصبح دخول عدن ممكنا.. ومع ذلك بذلوا جهودا حتى لا تهزم السعودية هزيمة نهائية. وكان موقفهم بمثابة »خط أحمر« يمنع سقوط عدن.
* لماذا سمحوا في ما بعد؟
لأننا لم نرضخ لهم.
* أنتم عنيدون إلى هذا الحد؟
نعم.. ولكن بمرونة.. وهم طالبونا ثلاث مرات بإبعاد المدفعية عن عدن..
وبعدما استعاد الدكتور الأرياني تحركات الأمير بندر بن سلطان في الأمم المتحدة، والدور الذهبي الذي قام به مع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، واستذكر »الدور الشرس« الذي مارسه الأمير سعود الفيصل في واشنطن ثم في العديد من العواصم العربية، عاد الى السياق فقال:
وقف النار والانفصال
أعلن الانفصال في 22 مايو.. قبل أربعة أيام فقط، أي يوم 18 مايو، كنت في السعودية، ورجاني الملك فهد أن نوقف إطلاق النار لمدة ثلاثة أيام لمناسبة عيد الأضحى… ولقد أقسم ان الفكرة طارئة وعلى أساس أن يدعو الانفصاليين الى الرياض ويقنعهم بأن الوحدة يجب ألا تمس. رددت عليه بأن قرار وقف إطلاق النار ليس بيدي، ولكن العيد مناسبة مقدسة لدى المسلمين، وسوف أتبنى الموضوع.. حين وصلت الفندق ولحق بي مستشار الملك العنقري وطلب ان يكون وقف إطلاق النار لمدة خمسة أيام، واستغربت، واستربت بالأمر، لكنني اكتفيت بأن قلت: لقد وافقت على طلب الملك هدنة لمدة ثلاثة أيام. وافق العسكريون.. وأوقفنا إطلاق النار عند الساعة التاسعة مساءً.. واتصل بي العنقري ليقول:
بلغ فخامة الرئيس ان وقف إطلاق النار أمر متروك لكم! ومن حسن الحظ ان القرار كان قد اتخذ.
الساعة التاسعة أعلنا وقف إطلاق النار.
الساعة العاشرة اتصل الملك بالرئيس، وهو أول حديث بين الاثنين منذ حرب الخليج. سأل الملك: هل قرار وقف إطلاق النار جاء بناء على ما اتفقت عليه مع الأرياني؟ (وكنا لم نبرز في الخبر اننا فعلنا ذلك بناء على مناشدة الملك،).. أجابه الرئيس: أجل، إنه بناءً على الاتفاق مع الأرياني.. وقال الملك فهد: هل يمكن نشر بيان يوضح هذا.. ووافق الرئيس وأعلن البيان، ولكن البيض أعلن الانفصال.
في ما بعد قال لي السفير الأميركي: إن إعلان وقف إطلاق النار خدمكم لأنه منحنا فرصة للتدخل ومنع دول الخليج من الاعتراف..
* حتى بيان الملك كان يخدمكم؟
نعم بيان الملك شكرنا.. وكانوا يعرفون ان الانفصال على وشك أن يعلن، ولدينا ما يثبت ان البيض ابلغهم بأن جماعة الاشتراكي سيعلنون الانفصال، وأن الجواب كان: »ربنا معكم وينصركم، ونحن سنقف معكم وسنطلب من الأميركيين والأوروبيين تأييدكم«.
وعاد الأرياني يلخص المواقف الدولية، يومها.. قال:
الموقف الأميركي إذاً، كان لا يمانع من الانفصال من دون خلق بؤرة للأزمات في المنطقة.. لكن بدأ يتضح لهم تدريجاً ان الجيش الشمالي متماسك، فتحركوا..
هذه الحركة استفزت الدول الخمس، برغم ان بريطانيا كانت مع الانفصال، أما فرنسا فكانت معنا، في حين ظلت الصين في موقف متأرجح، الارجنتين اسبانيا موقف ممتاز.
اما روسيا فهي غير موجودة، وهذا مؤسف.
وغرق الأرياني وسحبنا معه الى وقائع تلك الايام الفاصلة والتي ستبقى بداية جديدة لتاريخ اليمن المعاصر.. قال:
اول ما وصلت نيويورك دعوت رؤساء وفود الدول الاعضاء في مجلس الأمن الى فطور عمل، وجاؤوا جميعاً ما عدا رئيس الوفد الروسي. كان الاميركيون يضغطون لوقف إطلاق النار، بذريعة المياه والكهرباء، لكن هدفهم هو إنقاذ ماء وجه السعودية. كان واضحاً ان الانفصال فشل وانتهى، ولكن محظور دخول عدن. قلت: حسناً نحن موافقون على وقف إطلاق النار وموافقون على كل ما يطلبه مجلس الأمن، لكن ان تتولد حالة »لا وحدة ولا انفصال« هذا امر مرفوض ولا نقبله. ان تفصلوا بين القوات معنى ذلك ان القتال سيستمر الى ما شاء الله وان حسم المعركة سيتأخر.
كان قد تولد رأي لدى الإدارة الاميركية ان الأمم المتحدة ارهقت في عمليات حفظ السلام، ولا بد من ان ينشأ صندوق خاص لهذه العمليات. وهذا خدم اليمن.
وقلت للإبراهيمي: لا يمكن ان نقبل قبعة زرقاء تدخل اليمن.
وصدر القرار، وكان فيه ثغرات خدمت اليمن. وفي النهاية فإن الاميركيين لم يكونوا معنا او ضدنا، لكن كان قلقهم كبيراً من ان تهزم السعودية، او من ان »يتفرعن« علي عبد الله صالح.
ولكنهم قدموا مذكرة لدول الخليج تؤكد حرصهم على الأمن والاستقرار وأنهم لا يمكن ان يسمحوا لعلي عبد الله صالح بالتغطرس في المنطقة.. وسلمونا نسخة منها. وفي الواقع انهم لم يفهموا علي عبد الله صالح ولم يدركوا انه قادم من طبقة شعبية.. الذين »يتفرعنون« هم أنصاف الارستقراطيين.
وعاد الأرياني يلخص الموقف الاميركي فقال إنه اتخذ صورته الاخيرة بعدما ثبت لهم:
* لن تتضرر مصالحهم النفطية، وشركاتهم تعمل في الشمال والجنوب.
* اتضح امامهم فشل الانفصال.
* لم يكونوا على استعداد لتحميل الأمم المتحدة تكاليف حفظ السلام.
والواقع ان الأمم المتحدة وقفت معنا، وبطرس غالي كان معنا وله فلسفته الخاصة: انه لا يؤمن بإمكان قيام وحدة من دون حروب، ويستنتج هذا من قراءته للتاريخ.. ايطاليا.. المانيا.. اميركا. كل وحدة قامت في التاريخ، قامت بالقوة، هكذا هو إيمان بطرس غالي، ولذلك كان معنا.
الموقف السعودي:
فرسان الهجوم
* كيف كانت الصورة في الداخل السعودي؟
اثناء التحضير لم نكن نستطيع ان نميّز، لكن حين اندلعت الحرب كان واضحاً ان »سلطان« هو فارس الهجوم، ثم نايف الى حد ما وسعود الفيصل. الحرب اليمنية خدمت الأمير عبد الله، ويقال انه تجري تحقيقات حول الأموال التي صرفت على الحرب لأن شخصاً مثل »علي بن مسلّم« مرت من تحت اصبعه مئات الملايين من الدولارات، لا بد من اختلاس وعمولات.. وهو الآن تحت التحقيق.
وبخلاصة ان انتصار الشرعية غيّر الرؤية لدى السعوديين حول اليمن.
ً هل لهذا علاقة بالاتفاق الأخير، مذكرة التفاهم؟!
نعم، كانوا خائفين من الحرب، واتضح ان البعض قد رحّلوا السيارات والممتلكات الثمينة، وافرغوا محلات المجوهرات في نجران وجيزان وعسير تحسباً لقدوم الجيش اليمني.
* الاتفاق.. هل هناك رغبة في تنفيذه؟
عملياً، سنقدم اقتراحنا خلال ايام ان تجتمع اللجان بالتزامن والتناوب في الرياض وصنعاء وفي اوقات متقاربة. ولا نرى ان من مصلحة الطرفين تنفيذ المذكرة بالتقسيط. هم يطلبون استمرار اللجنة المنصوص عليها في المادة الثالثة من المذكرة.
وهم يريدون تنفيذ الاتفاق قطعة .. قطعة، ونحن نقدم برنامجاً متكاملاً ومتزامناً.. حتى الآن لم يسلموا لنا وثيقة التصديق.. نحن سلمناها لهم.
* وما تفسيرك لموقفهم؟!
سؤال لا جواب عليه لديّ.
مذكرة التفاهم
* في جو الحوارات التي سادت، هل تعتقد انه بالإمكان ان تحل المشاكل المعلقة كلها؟
المذكرة إطار صالح للعمل، ولكن الأمر يتصل بحسن النوايا.. لو أتينا بآيات من القرآن ولدى احد الطرفين نوايا سيئة فلن نتفق، واذا اتينا ب»اي كلام« والنية الحسنة متوفرة فسوف نصل الى حلول. الشارع اليمني حريص على إنهاء المشاكل مع السعودية. اما عندهم فهناك انقسام داخل الاسرة والقرار لم يتخذ لديهم بضرورة حل المشكلة.. نحن اتخذنا القرار.
* هل الشارع اليمني مقتنع بأن الحدود الحالية نهائية؟!
لا احد يقول هذا الكلام.. نحن جددنا الطائف.. وملتزمون بشرعية الوثيقة.
* لكن فيها نصوصاً ملزمة؟
نعم.. من الناحية القانونية، ولكن الحديث مع الشارع شيء آخر. اليمنيون يعتقدون ان صيغة مذكرة التفاهم تبقي على حقوق اليمن في ما تعتبره اراضيها.
ونحن نستفيد من هذا، والشارع لم ينزعج لأن المذكرة لم تقل ان نجران وجيزان وعسير سعودية.. وكان الشارع مع المنطق الذي اطلقه الرئيس بالذات، وهو اننا مع الطائف كمنظومة متكاملة.
* اذاً للطائف تفسيران؟
اذا ذهبنا الى محكمة العدل الدولية.
* هل هناك احتمال؟
لا اتوقع.. ومكسبهم من الطائف من ساحل البحر حتى جبل الثأر. أما عدا ذلك فلا تخدمهم الطائف في شيء.
* فهمت من مذكرة التفاهم إقرار السعوديين بالوحدة، أما كل ما هو مختلف عليه فلا يزال محل خلاف؟
مفهوم صحيح. وهم انتزعوا من الطائف ما جاء في الملاحق حول ترسيم الحدود والعلامات.. الملاحق رسمت الحدود نقطة نقطة (290 نقطة).
بعد الطائف ماطل الإمام يحيى ثم احمد في تشكيل الهيئة المنصوص عليها في المادة الرابعة من الاتفاقية.
* هل لأنه كان يعتبرها اتفاق اذعان؟
نعم.. واستمر الإمام وابنه سنة في المماطلة.. ثم ارسلا ثلاثة رجال لاغتيال الملك عبد العزيز.. اختار الإمام احمد ثلاثة من ابناء قبيلة سنحان (قبيلة الرئيس ذاتها) وارسلهم لاغتيال الملك بعد حوالى عشرة شهور من التوقيع على الاتفاق.. التوقيع كان في صفر، وفي ذي الحجة كان ثلاثة يمنيين يوجهون الطعنات الى الملك اثناء الحج، وقد حماه ابنه سعود حيث جرح من الخلف ويقال انه لم ينجب بعدها.
اذاً يحيى واحمد اعتبرا الاتفاق هزيمة وإذعاناً، وأرادا بمحاولة قتل الملك إلغاء الاتفاق قبل ترسيم الحدود، ولكنهما فشلا. وهناك رسائل من الملك الى الإمام يرجوه فيها سرعة تشكيل الهيئات، والإمام يرد عليه ان »الولد احمد« منشغل بمشاكل في حاشد ونحن في انتظار عودته حتى تم ارسال ثلاثة من ابناء قبيلة سنحان وبعدها اسقط في يد الإمام، وشكلت اللجنة ووضعت العلامات المؤقتة.
يعني انكم رضيتم الآن باتفاقية الإذعان؟
كما هي.. لأننا نعيشها منذ ستين سنة. نحن ننفذ ما ورد في محضر الترسيم منذ ستين سنة.. بعد ان انتهوا من الترسيم في سنة 1936 دخلت العلاقة بين البلدين مرحلة انسجام.. عبد العزيز اتصل بالإمام لعمل الساريات. وكان الامام يحيى بخيلاً فاعتذر بأن الظروف غير ملائحة. مذكرة التفاهم جاءت تؤكد ما قامت به لجنة الترسيم وصادق عليها الإمام والملك.
انتقلنا الى سائر دول المحيط، والمناخ في جميعها غير صحي وغير ودي تجاه اليمن.. قال الأرياني:
مع الأسف فإن دول الخليج ما تزال تقف منا موقفù متحفظù وغير ودي، ويمكن القول ان العلاقات سيئة. وعلى سبيل المثال، يصل الهندي الى »ابو ظبي« فيأخذ تأشيرة دخول من المطار، أما الدبلوماسي اليمني فينتظر اسبوعù حتى يحصل على تأشيرة من السفارة الاماراتية في صنعاء.
دول الخليج لم تتعلم الدرس بجانبه الإيجابي من انتصار الوحدة اليمنية، لأنه يمثل خدمة لهم، وسيثبت التاريخ أن انتصار وحدة اليمن يخدم الحكام الخليجيين، اذ هو يصحح التوازن المكسور بين هذه الدول الصغيرة وبين القوى الثلاث الكبرى في المنطقة؛ السعودية ايران العراق. أجل سيثبت التاريخ ايضù ان اليمن يحمي الخليجيين.. كل من حولهم يطمع فيهم الا اليمن، لأن عقلية اليمن ليست عقلية طامعة. كل الخليجيين ناشئون.
سأحكي لكم شيئù ظريفù؛ البنك الهولندي السعودي اصدر تقويمù لسنة 1995م فيه الخرائط التقليدية لشكل الجزيرة. كل الخرائط لا يوجد فيها خط حدود واضح ومعروف، لا يوجد خط ثابت الا لليمن، من الليث في البحر الاحمر وحتى جنوب قطر.
وانا اعتقد ان اليمن ككيان موجود تاريخيù وثابت في عقول اليمنيين، يفصل بين اليمن ونجد اليمامة وتنتهي حدود اليمن في الحجاز. وفي المستقبل سيجدون انهم يستغيثون بنا لحمايتهم، وسيكون هذا افضل لهم من الاستعانة بالآخرين.
* مواقفهم كانت متفاوتة؟
في البداية كلهم توسطوا بما في ذلك عمان.
* بماذا تفسر موقف عمان؟
سلطان عُمان لم يرسم حدوده معنا إلا بفضل علي عبد الله صالح.. البيض كان يقاوم الترسيم.. لكن العمانيين تأثروا بمصر.. قيل إن مسؤولين مصريين أطلعوا قابوس على الذي سيتوفر للانفصاليين من امكانيات. واكدوا له ان الانفصال حتمي، وقالوا له: ان الدولة الجديدة هي التي ستجاورك وليس صنعاء. وهؤلاء سيؤذونك خاصة وان خط الحدود قد تم توقيعه مع صنعاء وليس معهم. ربما لهذا ولأسباب اخرى فتح العمانيون المجال الجوي وربطوا هيئة الطيران المدني بعدن بمثيلتها في مسقط، وكان مطار عدن يعطي تراخيص لهبوط الطائرات بالتنسيق مع برج مسقط بحيث تأتي هذه من دول اوروبا الشرقية من دون استئذان صنعاء. وفي فترة الحرب كان التنسيق على كل مستوى.. المجال الجوي والطيران.. وكانت عمان مركز تصنت ضدنا من خلال محطة انشئت خلال حرب الخليج وشغلت للتنصت على ما يجري في صنعاء وربما عبرها على بغداد.
ولم يكن هذا حبù في الاشتراكي ولا كراهية في صنعاء، ولكن حساباتهم للمصلحة الذاتية دفعتهم لهذا، وبحيث لا يعلنون وقوفهم مع الانفصال ويكتفون بدعم غير معلن.
* قلت ان المساعدات التي قدمت للانفصاليين كثيرة؟
عجايب.. اشياء لو تقدر. كان هناك ضابط مكلف بشراء الاسلحة من روسيا.. (والعقد على شراء طائرات ميغ 29 وقع مع وزارة الدفاع الروسية برغم انها جاءت من مالدوفيا وكانت الطائرات تنقل الى عمان ثم الغيظة بمحافظة المهرة ثم حضرموت) هذا الضابط اتصل بعلي البيض وقال له: أنا عدت اليوم على طائرات الميغ 29.. وستأتي اشياء اخرى.. حاجات حلوة تعجبك.
وسأله البيض: الى اين ستصل؟
الى مطار الريان، في حضرموت؟!
ولكن ليس هناك إضاءة للهبوط ليلاً في الريان؟!
سيأتون بإضاءة نقالة.. ثمة ما سيعجبكم كثيرù كثيرù!
وكانت هذه »الحاجة« هي الغازات السامة.. أما التمويل فقد شارك فيه الى جانب السعوديين بعض الخليجيين. والطيارون المرتزقة الروس اول ما فروا فروا الى الامارات وظلوا هناك فترة.
لذلك أقول ان الوحدة اليمنية هي »مريم المجدلية« بالنسبة للعرب جميعù، ولعلني استثني، الى حد ما، السوريين وإن بدا عليهم انهم كانوا يائسين من الاتفاق وقلقين من الحرب ويائسين من بقاء الوحدة.. لقد قال لي فاروق الشرع: اذا كانت الحرب مؤكدة فإن الوحدة مستحيلة ولا بد من الانفصال… قلت له: الانفصال حرب دائمة..
* هم بعد ان قابلوا الطرفين كانوا يشعرون بأن الاتفاق مستحيل.
علي البيض كان يقول هذا.. ومع ذلك فإن الذين عملوا قدر طاقتهم لاستمرار وانتصار الوحدة هم السوريون والاردنيون.
لماذا تدير مصر وجهها؟
* علاقتكم بمصر تاريخية؟
أمس كنت في جلسة عشاء مع مورفي.. واثار قضية العلاقة بين اليمن ومصر، وقلت له ان الخلل في سياسة مصر اليوم انها تدير وجهها في اتجاه غير معروف تاريخيù.
قلت لمورفي ايضù: لا اعرف في التاريخ ان مصر اعتبرت الشاطئ الآخر للبحر الأبيض هو اتجاهها. حتى من قبل الاسلام.. حتى في زمن الفراعنة، مصر اثرت في شمال افريقيا ولكنها لم تتأثر. مصر دائمù تيمّم وجهها الى البحر العربي ونقطة ارتكازها تاريخيù هي اليمن.. في العصر الاسلامي، الفاطميون حكموا مصر، وكان الصليحيون أنصارهم في اليمن يعلنون الولاية للخليفة في مصر. الأيوبيون أيضù.. واول عمل قام به صلاح الدين حين تولى الحكم هو ارسال اخيه »طوران شاه« الى اليمن.. كذلك المماليك الذين ارسلوا حملة الى اليمن لصد البرتغاليين. ومحمد علي باشا ارسل ابنه ابراهيم الى اليمن لمواجهة الوهابيين في نجد. كذلك فقد ارسل عبد الناصر جيشه الى اليمن لحماية الثورة في ظل صراعه مع السعوديين.
احد اخطاء مصر السياسية اليوم انها تهمل اليمن، وانا لا اعرف ان دور مصر هو التوجه الى الشاطئ الآخر.
ومؤسف ان المصريين يضعون اليمن في الدرجة العاشرة من اهتماماتهم.. ويستجيبون لكل ما تقوله السعودية.
كان الرئيس علي عبد الله صالح يقول للأميركيين: انتم تتعاملون معنا عبر رأس الرجاء الصالح يقصد عبر السعودية ولم يفهم السابقون حتى جاء جورج بوش، ومن مأرب قال: نحن نتعامل مباشرة مع اليمن. وكان هذا انتصارù دبلوماسيù كبيرù، الأفضل ان نأتي اليمن من بابها، أليس كذلك..
***
.. وكان لا بد للحوار مع رجل الدبلوماسية اليمنية من أن ينتهي، وكعادة اي دبلوماسي عريق، فقد ابلغنا وهو يودعنا: لك أن تنقل ما عرفته مني ولكن لا تروِ عني..
هل ترانا فعلنا؟!

Exit mobile version