نشأت في أحضان أب يشجعني على الخروج في رحلات مع أقران من أبناء الحي أو مع رفاق في فرق الكشافة والجوالة. كنا في أوائل سنوات المراهقة عندما خططنا وحصلنا على موافقات أولي أمورنا ونفذنا سلسلة من رحلات النهار الواحد. نجتمع في الفجر وننطلق قبل بزوغ الشمس ونعود مع غروبها. أول رحلاتنا أذكرها جيدا وأذكر دوافعها وأهدافها ونتائجها. كنا قد سمعنا أو قرأنا عن الغابات المتحجرة في تلال المقطم. كنا قد سمعنا أيضا من جلسات الحواديت ونحن أطفال حول “أم فاطمة” عن السباع والنمور التي تسكن في مغارات جبل المقطم.
لم تتوفر لنا خرائط أو ما شابه. ضعنا مرات وجرى اعتقالنا قرب أحد المعسكرات واتصلوا بأهالينا ليتسلمونا من المعادي مرة ومن المعصرة مرة أخرى وكنا لجأنا لمعسكر قريب منها. لم أكن تجاوزت الخامسة عشرة عندما رحلتني الشرطة أنا ورفاقي في أكثر من رحلة إلى قسم السيدة زينب لنجد الأهل في انتظارنا.
تعودنا أو تعلمنا أن نطلق عليها سلسلة جبال المقطم، وهي بالتأكيد تلال وليست جبال. إلا أنها انطبعت في ذاكرتنا جبالا وليست تلالا، ومن حبنا لها خرجت إلى العالم وكلي شغف لحكايات عن أعظم الجبال وبانتظار القيام برحلات فيها ومن حولها، وبخاصة الجبال صاحبة القمم البيضاء.
***
كنت أتمنى لو بقيت في الهند مدة أطول حتى تتاح لي فرصة صعود أعلى في الهيمالايا. يهمني قبل أن أستطرد في الحديث عن تجربة من تجاربي العديدة في الهند أن أصرح بأن حبي للهند لا يتأثر بوجود السيد مودي على قمة السلطة السياسية في نيودلهي، ولا يتأثر بمنظره قبل أيام وهو يحتضن في الصور الإرهابي نتنياهو، الرجل الذي يسعى لقتلنا كعرب فردا فردا ودولة دولة أو على الأقل فرض هيمنته وأبناء جلدته علينا حتى يوم القيامة.
كنت، قبل انقطاع السرد، أحاول الكشف عن أمنيتي أن تطول مدة عملي بالهند حتى تتاح لي فرصة صعود أعلى في الهيمالايا. أعلى ما أمكنني الوصول إليه كان في سفوحها وكانت هي نفسها مرتفعة عن معظم مستويات ارتفاع سهول بقية الهند، وكانت آثار الجليد تغطي عاصمة المكان وأقصد مدينة موسوري. هناك عند أدنى سفوح الهيمالايا تأكدنا بما لا يدع مجالا للشك أن المرتفعات التي تركناها وراءنا في مصر لم تكن جبالا، فالسفوح التي وصلنا إليها كانت أعلى بمراحل من أعلى قمة مقطم صعدنا إليها وأخذنا الصور فيها.
***
غريب أمري!، أتساءل الآن وكلي خجل عن كيف سمحت لنفسي وقتها وقد تجاوزت سن الرشد بأسابيع، أن أفكر بطريقة أقرب إلى العنصرية حين رحت أتأمل في “سحنة” ووجوه أهل المنطقة، رأيت سمرتها لا تختلف إلا قليلا عن سمرة معظم شعوب المناطق المدارية ومنها مناطق في بلادنا، تساءلت عن كيف تجتمع سمرة البشرة وبياض الجليد. أعترف بأن التساؤل تكرر خلال رحلة قمت بها مع مجموعة من السياح إلى سفوح جبل كليمنجارو في تنجانيقا بعد أن تغير اسمها إلى تنزانيا، وبعد أن تعمقت علاقاتها السياسية ببلادي.
كنت هناك في العاصمة دار السلام في مهمة رسمية وقوبلت بحفاوة استغربتها لشاب في مثل عمري ومكانتي الدبلوماسية المتواضعة، وقبل نهاية مهمتي استطعت تدبير الانضمام إلى مجموعة من السياح هدفها مثل هدفي ألا وهو الاقتراب قدر الإمكان من الجبل البركاني الذي تتوجه هذه القمة البيضاء رائعة الجمال، كما ظهرت لنا في الفيلم ذائع الصيت بعنوان “جليد كليمانجارو” ومثل فيه جريجوري بيك معشوق أبناء وبنات جيلي ومعه سوزان هيوارد عن قصة للكاتب الأمريكي إرنست هيمنجواي.
أذكر على كل حال أنني حققت أمنية كانت غالية وهي رؤية أقاليم العالم المناخية وقد اصطفت فوق بعضها بنفس الترتيب الذي اصطفت به أفقيا على خريطة العالم. ما كان لهذا الترتيب ليحدث إلا في جبل نشأ بركانيا في منطقة هي الأقرب إلى خط الاستواء واستوى صاعدا في أجواء بترتيب معين تسكن كل مرحلة جوية حيواناتها وبيئتها الزراعية منتهية عند القمة بكسوة جليدية ومواصفات قطبية.
اختلف هذا الجبل الأفريقي الأشهر عن كل ما زرت وشاهدت من جبال وقمم خصصت لها رحلات، أو تمنيت وجودها على طريقي من مكان إلى آخر ومن مهمة إلى أخرى. لم يكن المقطم هو القمة الوحيدة المتواضعة بين كل ما رأيت من قمم متواضعة، إذ تطل على دمشق قمة جبل قاسيون، ولعله الجبل الذي تناقلت الأساطير أسراره أكثر من أي جبل متواضع آخر. هناك في جبل قاسيون تقع المغارة التي يقال إن هابيل قتل فيها شقيقه قابيل ودماءه تلطخ بعض جدرانها. هناك أيضا وعند القمة دعيت أكثر من مرة مع أروع الأصدقاء للاستمتاع بأنوار دمشق مع أطيب أكلات الدجاج المشوي في وجود شتى أطباق المقبلات ومستمعا لأحلى قصائد الشعر حينا وحينا آخر لـ “قدك المياس” وأروع ما غنى صباح فخري.
***
يعنيني الآن أكثر من سيرة جبل قاسيون حال دمشق. زرتها مرات عديدة لا تحصى، وعرفت من أهلها أكثر مما عرفت في أي عاصمة عربية أخرى، وسمعت منها وعنها حكايات بعضها يعود إلى أيام بيزنطة وفتح أسبانيا وأكثرها عما فعلته “الشام” بنا وبنفسها. أما عن نفسي فأعترف بكل الصراحة الممكنة أنني ما أزال، رغم كل التطمينات الواردة من هناك، غير مطمئن لحالها. أرادوا بها شرا فوقع وبقي ولم يغادر إلا أقله.
أقول قولي هذا وكل سمعي وبصري هناك عند مرفأ المصنع على الحدود مع لبنان. كانت هذه النقطة علامة الحدود ولا تزال المؤذن الأصدق لأحوال كل بلد على حدة أو أحوال البلدين معا كما هو الوضع ساعة كتابة هذه السطور. مرة أخرى ضمن مرات عديدة رأينا أفواج النازحين تتحرك من ناحية في اتجاه الأخرى. تهدأ يوما أو يومين ليتاح لأفواج أخرى أن تتحرك كهدير بحر هائج في الاتجاه المعاكس. فعلوا بلبنان ما سبق أن فعلوه ويفعلون، وإن مختلف شكلا، بسوريا واليمن وليبيا والسودان والعراق وإيران، وبه يهددون مصر وتركيا في سنواتهما الآتية.
تعالوا نبتعد عن مواقع الألم في رحلات تبحث عن قمم لها تاريخ وما تزال تسجل حكايات تخصها أو تخص أحوال المجتمعات التي تطل عليها. عند القمم أنت أبعد ما تكون عن سخونة الواقع وتلافيفه وعن مزيج العنف والخداع والابتزاز، ولكن أنت وفي الوقت نفسه وعند القمم أقرب ما تكون إلى التفكير السليم والنقاء الاستراتيجي وبالتالي أقرب ما تكون إلى لحظة اتخاذ القرار السليم.
***
أشعر بضمير قد يتأذى لو أنني توقفت عن الاستمرار في سرد حكايات عن مرتفعات في آسيا تعرفت عليها دون أن أحكي عن تلال شمال غرب بكين التي شيد فوقها جانب مهم من سور الصين العظيم، وقد زرته أكثر من مرة في رحلات لنهار يوم الأحد في صحبة الزميل الغالي نزار قباني والسفير حسن رجب. السور في حد ذاته معجزة بكل المعايير وبخاصة هذا الكنز الرائع من الأساطير التي سجلها الصينيون على امتداد العشرين ألف كيلومتر طول السد من شاطئ المحيط في أقصى الشرق إلى صحراء جوبي العظمى في أقصى غرب الصين. تتصدر هذه الأساطير حكاية الليدي مينجيانج التي أرسلت زوجها لإصلاح بعض أضرار أصابت السد ولم يعد وكانت تستعد لزيارته مع مجموعة من الملابس الشتوية. هناك، عندما وصلت سمعت أنه فارق الحياة قبل وصولها فجلست تبكي وبقيت حتى أغرقت دموعها جانبا من السد، لا زالت آثار دموعها باقية ليراها السياح وطلبة المدارس باعتبارها تدرس ضمن مادة عن قيمة الحب في حياة الإنسان!.
ما أكثر ما يحكيه سكان الجبال في كل القارات من أساطير وروايات. تنتظرنا ما سمعت من هذه الحكايات خلال رحلات قمت بها إقترابا من قمم وسفوح مرتفعة في سلاسل جبال الألب في أوروبا والآنديز في أمريكا الجنوبية.
تنشر بالتزامن مع جريدة الشروق
