طلال سلمان

حريري يخسر فيصير حاكما عرفيا

لم يكن رفيق الحريري بحاجة إلى لقب إضافي مثل »الحاكم العرفي« ليؤكد أهميته ونفوذه، وحتى ضرورته في هذه المرحلة الدقيقة التي يعيشها لبنان والمنطقة العربية.
إن لقب »الحاكم العرفي« يخصم من رفيق الحريري ولا يضيف إليه،
لقد وصل رفيق الحريري إلى الحكم يسبقه وهجه، بإمكاناته الذاتية وشبكة علاقاته الواسعة عربيù ودوليù، وقدم نفسه إلى الناس على أنه القادر على إنجاز المصالحة بين الحكم وجمهوره، ووعد بالنهوض الاقتصادي والإنماء المتوازن والاصلاح الاداري والبحبوحة وتوفير فرص العمل للخريجين خاصة والأجيال الجديدة عمومù، باعتباره يتمتع بحيوية رجال المال والأعمال وبركات فاعل الخير.
لم يكن رفيق الحريري بحاجة إلى مظاهر القوة، لأن الناس كانت تفترض أنه »الأقوى«،
وكان »وهجه« الشخصي و»حيدته« المفترضة، وعلاقاته المتشعبة والوثيقة بأمراء الحرب و»نخب المجتمع المدني« على حد سواء، توفر له فرصة الفوز على منافسيه المحتملين، مما جعلهم يخلون له الساحة قائلين بلسان عمر كرامي: »هبّت رياح الحريري«،
ثم انه كان قد دخل من »باب دمشق«، أي أنه جاء »محصنù« متمتعù بحماية استثنائية وبتزكية مفتوحة منعت عنه أي فيتو محتمل وجعلته شبه معصوم لا يأتيه النقد من خلفه ولا من أمامه ولا عن جانبيه.
فماذا وقع للحريري حتى بات اليوم يتنافس مع رئيس الاتحاد العمالي العام الياس أبي رزق، ويكاد يفرض على الناس أن يختاروا بينه وبين »خصمه« الذي إنما يستمد منه شخصيù أسباب لمعانه و»شعبيته« المستحدثة؟!
وليس الناس حزبين: أولهما مع الحريري والثاني مع أبي رزق،
بل لعل الأكثرية اليوم خارج دائرة مثل هذا الفرض، بغض النظر عن مصالحها مع الأول وعواطفها ازاء الثاني أو ما يمثله.
إن الحريري بنصف حالة طوارئ أقل بما لا يقاس من الحريري الذي بدأ حلمù ثم أملاً ثم وعدù ثم احتمالاً والذي يكاد يلخصه الآن المثل الشائع: »خمَّنا الباشا باشا فإذا الباشا زلمي«…
إن الحريري من دون اللجوء إلى الجيش أقوى من الحريري المحتاج إلى الجيش لتأمين استمراره،
لكأنه يفترض أن حجم المعترضين أو المعارضين لحكمه قد بلغ من القوة حدù يحتاج معه إلى الجيش لكي يستطيع مواجهتهم.
ثم إن رفيق الحريري هو »الوجه المدني« الذي كان يقدم بديلاً من وجوه رجال الحرب، بالعكسر فيهم والميليشيات،
فأين هو »المدني« وسط المدينة التي يمسك الجيش بنواصيها، من دون أن يكون الناس مقتنعين بضرورة مثل هذا التدبير، ومن دون أن يكون العسكريون أنفسهم على اقتناع بأن الوضع قد بلغ من الخطورة حدù يستدعي تدخلهم أو التلويح ببنادقهم لردع »من تسول له نفسه العبث بأمن البلاد«؟!
لقد آذى رفيق الحريري نفسه، وآذى الحكم الذي يشكل أهم ركائزه الآن، وآذى حلفاءه المفترضين، وآذى حكومته باللجوء إلى تدبير غير مبرّر.
فبعد اليوم سيطعن في كل قرار، في كل إجراء، في كل مرسوم يصدر، بذريعة أنه إنما أُصدر في ظل وضع استثنائي وغير مبرر قانونيù بأسباب موجبة مقنعة.
سيقال إن الحريري أصدر في ظل الطوارئ ما كان يعجز عن استصداره في وضع طبيعي من القوانين والتدابير والمراسيم التنفيذية ذات الطبيعة الاستثنائية.
هذا من دون التعرض إلى ما قد يلحق بسمعة الدولة من أذى في الخارج، إذ ما أسهل أن يزداد ترويج النظرية القائلة بأن لا أمان في لبنان، وبأنه ما زال يعيش أوضاعù استثنائية تمنع التفكير بالاستثمار فيه بوصفه »جنة ضريبية«، وتعطل الحركة السياحية التي تراهن عليها الحكومة تحقيقù للازدهار، وتشل الانتاج من خلال تضخيم المشكلة الاجتماعية والعجز عن التوفيق بين مصالح أرباب العمل وبين العمال، بل بين الدولة وموظفيها إضافة الى جمهورها الطبيعي،
كان رفيق الحريري يطمح لأن يكون زعيم بيروت ورئيس »حزب الأوادم«،
وليس لقب »الحاكم العرفي« هو الطريق لتحقيق مثل ذلك الطموح،
وكان رفيق الحريري يطمح لأن يكون »باني لبنان الحديث«،
وليس التنافس مع الياس أبي رزق في شارع مغلق بالآليات العسكرية هو الطريق الصحيح الى مثل تلك المرتبة العالية.
والدبابة لا تؤكد هيبة الحريري الحاكم، خصوصù وقد قدم نفسه في البداية على أنه مصدر الهيبة للحكم المدني، وللنظام الديموقراطي والبرلماني، ومن ضمنه الجيش،
والهيبة التي تذهب بها تظاهرة لا توفرها دبابة.

Exit mobile version