طلال سلمان

حديث عتيق مع الامير الحسن بن طلال: اللقاء مع بيريز عملية فدائية!

“لن تكون هذه السطور تأريخاً للسقطات والانحرافات والارتكابات السياسية الشنيعة التي تعادل “الخيانة” او تمهد لها، ولكنها ثبت ببعض المحطات العربية في الطريق اليها.. التي يسرت لي الظروف أن اكون شاهداً عليها..”

*****

نعيد هنا نشر مقتطفات من حديث جرى مع الامير الحسن بن طلال شقيق الملك حسين وولي عهده قبل أن يخلعه ليجعل ابنه عبدالله (الملك الحالي) ولياً للعهد، وها هو تسلم العرش منذ وفاة ابيه.

أجري هذا الحديث في 1993/12/21 في عمان بعد عودة الامير الحسن من زيارة لواشطن التقى فيها، لأول مرة، علناً على الاقل، رئيس حكومة العدو الاسرائيلي شيمون بيريز… وبناء لدعوة منه، وقد قبلتها لأشهد رد فعل مسؤول عربي كبير بعد لقاء مع مسؤول خطير في الكيان الصهيوني.

بعد هذا اللقاء، سأعيد ايضاً، نشر اللقاء مع امير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني بعد ارسال وزير خارجيته حمد بن جاسم للقاء شيمون بيريز ايضاً في واشنطن.

*****

لكأنه ضَجَر من السياسة والسياسيين هذا المتحدر من أسرة مهنتها الحكم، والذي التقيناه داخل اللقبين “نائب الملك وولي العهد”، لأن الملك الشقيق كان خارج الأردن.

متعب هو، الأمير حسن بن طلال بن عبد الله بن الشريف حسين، حفيد شريف مكة وأمير الحجاز ثم ملكها الذي انتهى منفياً غريباً في قبرص، بينما صار اثنان من أبنائه الأمراء ملكين الأول على سوريا (لشهور) ثم على العراق، والثاني على إمارة شرق الأردن ثم على المملكة الأردنية الهاشمية بعد نكبة فلسطين الأولى (؟!!).

مهموم، محبط ومثقل بالإحساس بالهزيمة، والضحكات المجلجلة ليست علامات فرح بل هي تنضح بالمرارة وتعكس معنى التشفي وتعذيب الذات.

مع الكلمات الأولى كان يقدم خياره لما يحب أن يتحدث فيه: الأبعاد الفكرية للواقع السياسي العربي مع محاولة لاستقراء الغد بمفاهيمه وقيمه وتوازناته الجديدة، ربما لإيجاد أو استيلاد مخرج لائق أو باب للنجاة من المأزق الخطير الراهن الذي يمتد من الفكر إلى السياسة إلى الواقع الاقتصادي ـ الاجتماعي والعكس بالعكس.

التاريخ مرهق، والمأساة إرث هاشمي، والاسم يُلزم، وسيرة الأسلاف ترسم المسلك وتتحكم بالخلف، فلا يستطيع التحلل مما تقرر أنه “الواجب” أو أنه “الضريبة” أو ـ بلسان الجد الأول في هذا القرن الشريف حسين بن علي: “مشيناها خطى كتبت علينا…”.

ومن موقع الشقيق ولي العهد فهو مشفق على الملك من أعباء التاج والعرش، ولذا يتطوع لدور “الفدائي” ليحمي الموقع والدور وسط التحولات الهائلة التي أطاحت إمبراطوريات كونية وقوى عظمى فكيف بالكيانات الصغيرة التي أريد منها أن تكون عوازل وأدوات قطع لا امتداداً أو جسوراً للاتصال والتفاعل.

ولقد جرى الحوار في المكتب الصغير والأنيق للأمير حسن كأنما على حبل مشدود. فالظرف حرج، وللكلام ذيول، والألفاظ يجب أن تنتقى بعناية فلا تقطع مع “القيادة الفلسطينية” التي ذهبت بعيداً وأبعد مما يفترض أن يحتمل، ولكن لا بد من الصلة ومن التحمل…

كذلك فالضغوط الأميركية شديدة الوطأة، ولا يجوز أن يصدر عن “الأمير الأحمر” كما أسماه بعض الغربيين ما يستفز “القطب الأوحد” فيجنح أكثر إلى “الحليف الاستراتيجي” ويؤذي الكيان الصغير (الأردن) بذريعة حماية الاتفاق الذي ولد في احتفال مهيب ثم لما أنفض الأهل بالتبني تبين أنه يتيم، ولعله لقيط…

“- هناك تصور خاطئ مفاده أن الضغط على الأردن يوفر لياسر عرفات فرصة الاستمرار في ما اندفع فيه من نهج لا يحظى برضا الأكثرية من الفلسطينيين.

لكن الرفض أو الاعتراض لا يجيء نتيجة تحريض الأردن، بل لأن الاتفاق البائس نفسه لا يشكل حلاً.

إن اللقاءات ـ الصورة قد استنفدت أغراضها، ويجب فتح المسألة بكليتها، والحل يكون شاملاً أو لا يكون حلاً، ولا بد من أن تتم الإجابة على عدد من الأسئلة الأساسية من مثل: كيف يمكن استثناء إيران من النظام الشرق أوسطي الذي يتحدثون عنه؟! وإلى متى يستمر تجاهل العراق، بغض النظر عن الرأي في نظامه، ولماذا يمارس الضغط على الأردن عبر استمرار الحصار على ميناء العقبة، وهو ضغط سياسي بالمطلق، كما أبلغت ذلك بالدليل لبعض أعضاء الكونغرس الأميركي ممن كانوا في زيارة لنا.

“ولأننا مع شمولية الحل فنحن حريصون على علاقة مميزة مع سوريا، ولذا فلقاءاتنا واتصالاتنا مستمرة مع الرئيس السوري حافظ الأسد. لقد انتهينا من أسطورة “الخيار الأردني” و”الخيار السوري”… والتواصل بين آسيا العربية وأفريقيا العربية ضروري، ومن هنا حتمية الحفاظ على الصلة بمصر. على أنه لا بد من تجنب الارتجال، لأن الارتجال خدمة للآخرين.

ابتسم بمرارة وهو يستعيد فصول العلاقة المعقدة بين الاردن وقيادة منظمة التحرير، ثم انطلق يؤكد الثوابت الأردنية، نافياً أية شبهة لمحاولة “الهيمنة” أو “التدخل” في ما يسمونه القرار الوطني المستقل… “بل لقد كان الاردن سباقاً دوماً إلى بلورة الشخصية الفلسطينية، وإلى توكيد الحقوق الوطنية الفلسطينية”…

وأضاف فقال:

– لطالما حاولنا إعادة إنتاج علاقة أردنية ـ فلسطينية أكثر صحة وأكثر سلامة، منها كان مشروع المملكة العربية المتحدة الذي طرحه الملك حسين في العام 1972. لكن الأطراف جميعاً سارعت إلى رفض ذلك المشروع، وكان بينها إسرائيل التي كانت حريصة على إزالة آخر أثر أو لمسة أردنية في الضفة الغربية.

ثم طرح الأردن خطة التنمية في الضفة الغربية العام 1986، بتمويل دولي، لكنها هي الأخرى رفضت بغير نقاش أو تعليل.

اختفى الصوت المتهدج للحظات، ثم دوت ضحكة قصيرة جارحة، وهو يضيف قوله: – المسألة هي حقوق الإنسان العربي من منظور السلام الشامل. دعني أقول إن هذه “حقوق تراكمية” وتشمل حق اللاجئين في العودة، والحقوق الدينية والسياسية في القدس، وحقهم في الحياة وفي أن يكون السلام شاملاً، لأن ذلك هو الذي يجنب المنطقة “التطرف” الناتج عن “تصرفات اليأس”.

العملية الفدائية

ران شيء من الصمت، وخيّم ظل التاريخ على “المكاتب” داخل “القصور الملكية” التي أنشأها الملك الراحل ـ المؤسس ـ عبد الله بن الحسين، وما تزال أنيقة أكثر منها فخمة، تظللها الأشجار المتنوعة التي استقدمها ذلك القادم من الحجاز من أربع رياح الأرض.

وبوحي من الإرث التاريخي سألنا:

– كأن القدر وضع الصهاينة في مواجهة الهاشميين، فالنزال سجال منذ نهايات الحرب العالمية الأولى وحتى اليوم…

ماذا كان شعورك، كأمير هاشمي مثقل بتاريخ الصراع مع الصهاينة وأنت تصافح وزير خارجية الكيان الصهيوني شيمون بيريز في البيت الأبيض في واشنطن برعاية الرئيس الأميركي بيل كلينتون؟!

خيّمت غيمة سوداء في جو الغرفة، وهرب الأمير الحسن بناظريه إلى البعيد، وغطس ذلك الصحافي النابه الذي استقدمه الأمير إلى الديوان، أحمد سلامة في الحزن المستعاد بل الباقي بعد تلك اللحظة “التاريخية”، ثم انتبهنا إلى صوت الحسن بن طلال يقول عبر المرارة وبعض الدموع تترقرق في عينيه، بينما احمد سلامه يشهق بالبكاء:

– ماذا كان يكون شعور “الفدائي” الذاهب إلى عملية مهلكة ولكن لا بد منها لإنقاذ ما يؤمن به؟!

كنت “الفدائي”. كنت المتطوع للعملية الفدائية.

صمت للحظات ثم أضاف:

– إن فهم السياق التاريخي كاملاً يختلف عن الانتقائية في تحديد المواقف، وغالباً ما تكون المواقف المتداولة انتقائية…

أنا كهاشمي أحس وأدرك أن هاشمياً واحداً لم يتنازل عن حق من حقوق الأمة. وإذا نحن استذكرنا اللقاء الأول بين فيصل الأول وحاييم وايزمن فإنه أيضاً قد تم بالإكراه، لكن إلامَ تسألني عن شعوري في تلك اللحظة؟! تقول إنني ذهبت بمذكرة جلب؟! أجل لقد استدعيت بمذكرة جلب، وكانت لحظة كئيبة بطبيعة الحال، ولقد أمضتنا المرارة والقهر فبكى بعض من كان معي.

وإذا أردت الإيجاز أقول إنني أحسست وأنا التقى بيريز بالحزن والأسى لحال الأمة العربية. لكن ماذا تعني للإنسان حياته وكرامته الشخصية بمعزل عن حياة الأمة وأحوالها العامة؟!

لقد استعدت تلك اللحظة القاسية من صبيحة 5 حزيران 1967، حين اتصلوا بي حيث كنت أدرس في بريطانيا وأبلغوني بما جرى فانفجرت باكياً، وأحسست بعجز قاتل. كان واحداً من أسوأ أيام حياتي، خصوصاً وقد كنت في الغرب، ومن يعش في الغرب يعرف ماذا يراد لهذه الأمة، وماذا يدبر لها، وما للصهيونية من قوة ونفوذ وأساليب.

إن حال الأمة يجعل المرء مسكوناً بحال من الأسف والتمزق. ولعلنا، نحن أبناء الجزء الأخير من القرن العشرين، الأعمق حزناً بين أجيال هذا القرن،

لقد مزقتنا جميعاً أزمة الخليج، لم نكن في وضع ممتاز قبلها لكننا هوينا إلى قاع الكارثة بعدها.

ضمن هذه الحال الشاملة من التردي ومن هوان الأمة لا يعود الشخص مهما بذاته، وتهون عليه جراحه وما يمس كرامته الشخصية إزاء مصالح الأمة ومحاولات الدفاع عنها. ولا بد للإنسان من أن يحس بشعور الفدائي، وأن يفترض أنه مكلف بمهمة وعليه أداؤها بأي ثمن كان.

ومما زاد من مرارتي ما استقبلني به من صلف وعجرفة واستكبار. كان يمارس زهو الانتصار، وكنت أنحني تحت وطأة الهزيمة. لكنني لم أنظر إليه ولم أوجه إليه الخطاب أبداً. كنت ضيفاً على الرئيس الأميركي، وليس من حقي أن اعترض على من يستقبل أو يستضيف.

وفي الحقيقة، فلقد ذهبت لأطالب بحق الأردن في مؤتمر “الدول المانحة للدعم” لعملية السلام، ولم يكن الهدف أبداً لقاء بيريز.

ولقد جوبهنا بالصد، وطلب إلي إن أردت المشاركة أن أتصرف وكأن السلام قد قام فعلاً وأن أحصر النقاش في وجوه التعاون لقيام شرق أوسط جديد. ولما أصررت على أن أشرح رؤية بلادي للسلام العتيد، قالوا إنهم سيتكرمون علي بدقيقتين للكلام.

وبالطبع، رفضت، فالوفد الأردني الرسمي كان هناك، لكنني كنت أريد أن أتحدث في أساس القضية.

وكان أن اقترح اللقاء، في البيت الأبيض. وكان صعباً علي أن أرفض فلست المضيف أو صاحب الدعوة.

على أنني طيلة اللقاء ظللت أوجه الكلام للمضيف الأميركي، وحين خرجنا لمقابلة الصحافيين سمع الجميع بيريز وهو يطالبني بأن أمد يدي للمصافحة.. ثم سمعوا الرئيس كلينتون يطلب مني ذلك، كما سمعوني أقول بأننا لم نتفق بعد على ما يستحق أن نتصافح من أجله.

– لعلهم كانوا يريدون الصورة…

– ربما. إنهم يهتمون أكثر ما يهتمون بالصورة، لكن ماذا بعد الصورة، بل ماذا قبلها، وماذا خلفها؟!

– وما الفرق بين الصورتين، صورة عرفات ـ رابين (ومعه بيريز) وصورة الحسن ـ بيريز، في البيت الأبيض؟!

– للأسف، إن الصورة تعزل عن خلفياتها. أنا لا أقارن دور أحد بأحد، إنما أنا ذهبت حاملاً رسالة من جلالة الملك إلى الرئيس الأميركي وإلى مؤتمر الدول المانحة للدعم. وقد تضمنت الرسالة التوكيد على حقوق اللاجئين في العودة وحقوق الإنسان العربي في أرضه ومقدساته.

كذلك فلقد كنا حريصين ألا يتحول دعم الدول المانحة إلى دعم لإسرائيل ومكافأة لها على كل ما فعلته في الأرض المحتلة وما حولها.

سيادة القدس

وبعد ذلك، جرى الكلام هادئاً بغير توتر، لأن اللحظة المثيرة انصرمت وأخذت معها ذكرياتها المرة.

ـ العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية، كما يراها الحسن، هي علاقة التحالف الاستراتيجي كما يشهره ويعلنه الطرفان… وهو لا يتصور أن يقوم “تحالف” فعلي إسرائيلي ـ فلسطيني، ولا أن تمتد مفاعيل اتفاق غزة ـ أريحا إلى الخليجيين فيندفعون إلى نوع من التحالف مع إسرائيل “لأن ذلك ضد قانون الحياة، وضد منطق الواقع.”

ـ لا مجال لاعتراف إسرائيل بالعربي، والتعامل معه كند! هل تراها منحت “عرب 1948” حقوقهم كاملة، حتى “كمواطنين” فيها؟!

ـ ليس الكلام عن “الولاية الدينية” على القدس تحايلاً على “الولاية السياسية” عليها. إنه حق إسلامي طالما نادينا به وننادي به الآن… ونحن ندعو لأن تشارك فيه جميع المذاهب الإسلامية وأن تتعامل مع الأوقاف الإسلامية في المدينة المقدسة وفق خطة منظمة، وبالتنسيق مع الأخوان المسيحيين.

ـ حين جرى إحراق المسجد الأقصى في العام 1969، خرجنا بصيغة المؤتمر الإسلامي. لكننا الآن نستشعر حاجة ماسة إلى تطوير المفاهيم الإسلامية، وبين الأفكار المطروحة كمثل الصندوق الدولي للزكاة، الذي يتجاوز صيغة الزكاة المحلية.

ـ العالم يتحدث عن التطرف الإسلامي، ولكنه ينسى أن ثمانين في المائة من عموم اللاجئين في العالم هم من المسلمين.

ـ القدس هي القدس بأهلها، ليست المكان فقط. ولسنا نسعى إلى استبدال علم بعلم.

ـ نحن نطمح إلى نقل السيادة من الاحتلال إلى سلطة عربية بغير أن نكون راغبين في الهيمنة على أحد. ولذلك لا يعقل أن نفرغ سيادة القدس.

على الجسور

– إسرائيل تريد عضوية الشرق الأوسط. ولكنها ربما تطلب ما هو أكثر من العضوية، أي الهيمنة، ومما يشجعها غياب التنسيق العربي. ولعل إسرائيل تتصور إنها قادرة على أن تقيم تحالفاً يبدأً بأذربيجان وينتهي في أميركا، مروراً بدول النفط العربي.

– هل يكون لها ذلك؟!

– كل شيء يتوقف على العرب؟!

أما صورة الغد فهي بحاجة إلى عمل عربي جاد. وصورة الغد بحاجة إلى معرفة المضمون، إلى تحديد ما يريده وما يقدر عليه العرب.

وعند المدخل الرئيسي، كان ينتصب وسط الصمت ذلك الضريح ذو القبة الرصاصية للملك المؤسس الذي جاء من الحجاز باسم الثورة العربية وانتهى صريعاً في المسجد الأقصى في حمى الضياع عن مواجهة متطلبات الصراع مع العدو الصهيوني.

نشرت في “السفير” 24 كانون الأول 1993

Exit mobile version