طلال سلمان

جولة بين “جدار من سكن الديارا”..

“أَمُرُّ عَلى الدِيارِ دِيارِ لَيلى             ُأُقَبِّلَ ذا الجِدارَ وَذا الجِدارا

وَما حُبُّ الدِيارِ شَغَفنَ قَلبي           وَلَكِن حُبُّ مَن سَكَنَ الدِيارا “

انحدرت بنا السيارة من الاشرفية في اتجاه الجميزة، ونحن نتابع ” التفاصيل” بذهول، ويرتفع نسبة تقديرنا لصبايا الورد وطلاب الجامعات وكل يحمل مكنسة او رفشاً لرفع الانقاض والمساهمة في فتح الطريق مع حماية ما تبقى من المحلات التجارية والبيوت نصف المهدمة والسيارات التي مزقها الانفجار او جعلها ركاما..

اقتفينا آثار زيارة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون قبل أيام. وعبرنا بالبيت الذي سكنه الجنرال شارل ديغول، قائد جيش التحرير الفرنسي خلال الاحتلال النازي، في الحرب العالمية الثانية.

كان البعض من اهالي الجميزة – امتداداً الى المبنى الهائل لمؤسسة كهرباء لبنان يتجولون بعيون دامعة بين أنقاض بيوتهم وهي التي لم تكن بحاجة الى هذا الانفجار لكي ينطفئ النور في المدينة الصابرة، والتي تغزل بها الشعراء وغناها المطربون والمطربات حين كانت عاصمة الحرف والنور في هذه الارض العربية وعلى شاطئها التي عبرت منه اليسار الى قرطاج، والتي منها انطلق الشعراء او جاءها شعراء العرب ليغنوا انفتاحها واتساع هامش الحريات فيها: الصحافة والشعر ومقاهي النقاش الصاخب والمطاعم التي تجوع بمجرد عبورك من امامها.

كانت الاذاعات تتبارى في وصف مشاهد الخراب وتصريحات السياسيين التي تضيف الى الخراب الدعوة المضمرة الى الفتنة، كأنما للإنفجار دين ان او طائفة او انتماء حزبي.. مع ذلك وجد بعض الانتهازيين ودعاة الفتنة فرصة لتوجيه الاتهام الى “حزب الله” بالقول ان المستودعات التي تفجرت كان يستخدمها لنقل السلاح من يحث يأتيه الى بيروت!

أثبت الرئيس الفرنسي بأنه اشجع من معظم السياسيين اللبنانيين عبر تجوله بين الركام، في حين اكتفى الآخرين بزيارة الركام في الميناء ثم التفجع امام الكاميرات على “زهرة المدائن” (بالإذن من القدس الشريف وفيروز ونزار قباني )

***** 

تابعنا الجولة في المنطقة المهدمة، واشرفنا على الميناء من دون ان نستطيع الاقتراب من الإهراءات حيث وقع الانفجار.. وعدنا لنطمئن على مكتب حزب الكتلة الوطنية الذي خرج عن تقاليد مؤسسة (اميل ثم ريمون اده واختار لأول مرة رئيسا سيدة ومسلمة من بيروت، بداعي التغيير واعتماد وجهة سير جديدة..)

السيارات محطمة، وشبابيك البيوت وابوابها مفتوحة على مصاريعها، والبعض من الاهالي يقبعون في الشارع وينظرون بحزن الى جنى اعمارهم وموئل ذكرياتهم وقد ذهبت بها النيران.

***** 

سمعنا من الاذاعة خبر استقالة وزيرة الاعلام..

وبعد الجولة سمعنا اخبار استقالة العديد من الوزراء، من دون ان نسمع خبر استقالة رئيس الحكومة (الذي لم يكن يحلم بالوصول الى هذا الموقع لولا الاشتباك السياسي المفتوح..)

كذلك سمعنا، بدهشة واستغراب، تزايد الدعوة الى الحياد، كأنما “عدم الحياد” هو الذي ادى الى تفجير الميناء وجوارها ووقوع الضحايا، وبعضهم من العمال في الميناء وبعضهم الاخر من الجمارك ومسؤولي ادارة الميناء، ومن دون تبرير لهذه الاستدعاءات وحصرها بهؤلاء بالذات، من دون غيرهم .

عزينا أنفسنا بمشهد شبابنا وصبايانا وهم يرفعون الانقاض بهمة، من دون استذكار “هوية” المنطقة وطوائف ساكينها.

.. وتتبعنا آثار الانفجار في اسواق بيروت وفنادقها ومعالمها وفي طريق العودة اوصينا على زجاج جديد لمكاتب مبنى “السفير”..

Exit mobile version