طلال سلمان

باراك وديعة اين مناورة

إذا ما تجاوزنا الأسئلة المنطقية التي يفرضها الاعتراف المتأخر والمفاجئ لإيهود باراك بوجود »وديعة رابين«، من مثل: لماذا الآن بالتحديد؟! ولماذا بعد جولتين بائستين من التفاوض؟! وبعد استنفار المعارضين، من أنصار الحكومة الإسرائيلية وخصومها، ودفعهم إلى الشارع في حملة محمومة لحماية الاستمرار في احتلال الجولان والتمتع بنبيذ عنبه الفاخر؟!
إذا ما تجاوزنا هذا كله ورددنا المثل الفرنسي »أن تعترف متأخراً أفضل من ألا تعترف أبداً«، وفي ضوء العديد من التجارب الإسرائيلية السابقة، فلا بد من التوقف أمام تساؤل جدي يفرض نفسه: أين تكمن المناورة في هذا »الاعتراف« الخطير الذي أحدث زلزالاً في إسرائيل مما يعقّد أكثر فأكثر موضوع التفاوض على الانسحاب تحديدا وإلى خط الرابع من حزيران، وهل هو تمهيد للالتزام به أم تحريض ضده، خصوصا إذا ما استذكرنا حكاية »الاستفتاء الشعبي« (على أرض الغير) والأكثرية المطلقة اللازمة له، والعد التنازلي السريع لإدارة بيل كلينتون الذي يعجزها عن تحقيق »الانجاز« الذي وعد الرئيس الأميركي نفسه به لدخول التاريخ؟؟
أين المناورة وأين الاستهداف الجدي: هل في ما حاوله إيهود باراك خلال الشهور الثمانية الماضية، أو بتحديد أدق خلال فترة التفاوض على العودة إلى طاولة المفاوضات مع سوريا »من حيث توقفت« قبل ثلاث سنوات، أم في ما يحاوله الآن من تهدئة غضبة العرب بعد ضربه لبنان، ومن الإيحاء بأنه يريد ولا يقدر؛ كما أراد ولم يقدر ثلاثة من أسلافه (إذا ما استثنينا شامير) وهم إسحق رابين نفسه الذي قتله تعهده، ثم شيمون بيريز الذي أسقطته خيبته في الإصرار على التفاوض مع عدوه بعد قتله، وأخيراً بنيامين نتنياهو الذي قتل نفسه بتطرفه العلني فوفر على عدوه حربا صعبة؟!
أين المناورة وأين الاستهداف الفعلي: هل في تأكيد إيهود باراك اليومي على حتمية سحب جيش احتلاله من جنوب لبنان، في موعد أقصاه تموز المقبل، باتفاق (مع سوريا ولبنان) إذا أمكن، وبغير اتفاق إذا ما تعذر ذلك، أم في تشكيل لجنة الحرب الثلاثية التي تحصر قرار إحراق لبنان في يده، إذا ما استمرت المقاومة في اصطياد عسكره المذعور (والذي لا يريد جنديه أن يكون القتيل الأخير) في الأرض التي استعصت على الجيش الذي لا يُقهر؟؟
أين المناورة وأين الاستهداف العملي: هل في محاولة استرضاء الرئيس المصري حسني مبارك بعد الإهانة التي ألحقها باراك بمصر كلها حين استغل منبر القصر الجمهوري في القاهرة لتوجيه تهديداته (التي لم يتأخر في تنفيذها) ضد لبنان، أم في تبنيه لموقف »الصوت المعتدل« في حكومته، صاحب المنطق النازي والمعوِّض عن تفاهة دوره بدموية لفظية، وهو ينذر لبنان ثانية بإحراق أرضه وقتل أطفاله وإغراقه في دماء أهله؟!
أين المناورة وأين القصد الجدي: هل في محاولة تخويف العرب المغضبين والمجرَّحين بالاذلال اليومي لمجموعهم قبل قياداتهم، بتحريض الاميركيين والغرب عموماً عليهم، وهي محاولة بلغت ذروتها بالتصريحات الرعناء وذات الخلفية شبه العنصرية التي اطلقها رئيس الحكومة الفرنسية ليونيل جوسبان، خلال زيارته فلسطين المحتلة ولاقت من الجيل الثاني للانتفاضة ما يليق بها من رد لا يتقنه الا العامرة صدورهم بروح المقاومة، ام في اعتماد سياسة الصد المطلق وعدم الالتزام بأي اتفاق سابق واي موعد محدد حتى مع »سلطة« شكلية متهالكة ونازلة الى قعر التنازلات وهي تطلب الفتات من الارض ومن الايحاء باقترابها جغرافياً من القدس… او حتى من اماكنها المقدسة فحسب؟!
هل يقصد ايهود باراك اعادة تقسيم العرب الذين تبدوا لوهلة وكأنهم سيتلاقون مجدداً من حول لبنان الذي يفتديهم اليوم، كما في كل مرة، ويقاتل نيابة عنهم، ويعطيهم بمقاومته المجيدة عنوان الكرامة وشرف الصمود، ومن حول سوريا التي تصر على حقوقها كاملة في ارضها، وتصارع لحفظ دورها المستقبلي في حماية ذاتها وامنها من الاجتياح الاسرائيلي وذلك »باتفاق مشرف على تسوية مقبولة« لا جوانب سرية فيها ولا تنازل ولا صفقات في الظلام الضروري لانبات الفطر… السام؟!
هل سينفض العرب، من قبل ان ينتظم عقدهم في بيروت، وعلى قاعدة الحد الادنى، مرددين تلك المقولة التي طالما اجترتها الالسنة والاقلام: من ان الاتفاق بين سوريا واسرائيل ناجز لا يحتاج الا التوقيع، وان كل ما يعلن ويقال، بما في ذلك تعليق المفاوضات، يدخل ضمن التكتيك والاخراج المسرحي ليس الا؟!
ان التوقيت الاسرائيلي مثير للريبة العربية.
فاذا ما كان باراك يعني ما يقوله فلماذا لم يعترف ولم يلتزم به قبل اسابيع، وعندما جلس الى السوريين لاستئناف المفاوضات »من حيث توقفت«، اي من عند »الوديعة« تحديداً؟! ولماذا تغيب عن الاجتماع اليتيم للجنة الحدود حتى لا يقترب من خط الرابع من حزيران؟!
في انتظار ذلك سينتظر العرب جلاء المعركة داخل فرنسا، بين جوسبان الذي وجه اليهم بمجموعهم اهانة بالغة، وهو يتهم مجاهدي المقاومة في لبنان بالارهاب، وبين الرئيس جاك شيراك الذي حاول جاهداً ونجح في ترميم صورة »الصديق الفرنسي« للعرب انطلاقاً من لبنان وعبر البوابة السورية تحديداً… وقد تكاملت صورة هذا »الصديق« فعلياً في »تفاهم نيسان« الذي ارتكز الى الحق المشروع للمقاومة في لبنان بالتصدي لجنود الاحتلال الاسرائيلي (الذين هم لا غيرهم من يمارس الارهاب اليومي المفتوح وباسم الدولة المتفوقة عسكرياً على مجموع دول المنطقة)!
وشكراً لطلاب جامعة بيرزيت، الذين بعد المبادرة الموفقة للرئيس مبارك، اعادوا الينا الامل بان العرب لم يسقطوا من التاريخ، ولم يستسلموا للقدر الاسرائيلي.
لقد خرج »العربي« من بيرزيت فجأة، وفي يده حجره وقدره وقد عصب رأسه بالعلم اللبناني، واسكن »حزب الله« في عينيه فرأى الصورة التي يراد طمسها باتفاقات الاذعان وبمناورات التفاوض الذي لا يلتزم بشروط النجاح.
ها هي الشعلة تشق بنورها الليل مجدداً… ها نحن نرى الصورة بأساسياتها من جديد.

Exit mobile version