قبل عشرة أعوام، حين أعلن طلال سلمان توقف جريدة «السفير» عن الصدور،
لم يكن ذلك إعلاناً عن نهاية، بل عن بداية زمن آخر،
بتنا نعيشه اليوم وقد تكشّفت ملامحه وازدادت قسوته يوماً بعد يوم.
صدر العدد الأخير من «السفير» كما يلفظ شهيد أنفاسه الأخيرة،
وهو يسقط في فلسطين، أو في لبنان، أو في أي أرض عربية مستباحة،
بالأمس كما اليوم.
يسقط وهو يحلم بأنه جزء من كلّ،
يساهم في بناء وطن وأمة لا تختصرهما أنظمة السلطة.
وها نحن نعيش زمن الخذلان والهزيمة،
حتى يكاد البعض منا يظن أن لا مفرّ مما نحن فيه.
لكن، كما كتب طلال سلمان، «الهزيمة ليست قدراً».
في تلك العبارة دعوة إلى تحمّل المسؤولية.
فنحن من نصنع انتصاراتنا،
ونحن أيضاً من نتسبّب بهزائمنا،
حين نخطئ ولا نعترف،
وحين نعرف ولا نجرؤ،
وحين نستسلم لما هو قائم كأنه قدر لا يُردّ.
فلنتحمّل مسؤوليتنا،
ولنسأل أنفسنا أين أخطأنا وكيف،
لنتعلّم ونجهَد ونكمل مسيرتنا
في زمن تتعاظم فيه التحديات في كل خطوة نخطوها.
وحتى لا نضيع في نقاش البديهيات حول الهوية والوطن والانتماء،
فلننتقل إلى العمل،
ولنواصل النضال من أجل مستقبل وطننا وأمتنا ومستقبل الناس فيها.
فالطريق واضحة، وإن ازدادت وعورة،
والعدو هو هو.
فلنتعلّم من إخفاقاتنا، ولنجتهد أكثر، ولنجعل من الهزائم دروساً لا نهايات.
فالغد لن يُشرق ما لم نعمل ونجتهد لولادته.
شكراً مهى زراقط،
لأنك وضعتِ حجراً جديداً في بناء ذاكرة هذا الوطن وتاريخه، لأجيال تتوالد،
حتى لا تضيع حكايتنا، ولا تُترك كتابتها للمنتصرين وحدهم.
وشكراً لكم على حضوركم،
لأنكم لم تأتوا لمجرد استعادة ذكرى رجل أو جريدة، بل لأنكم مؤمنون بأن الطريق لم تنتهِ، وأنكم ما زلتم تناضلون لصنع ما سيكون.
وشكراً طلال سلمان،
لأنك كنت خير معلّم لأجيال تتوالى، وأخرى لم تولد بعد.
لأنك علّمتنا أن نقرأ المعنى، وأن ننحاز إلى الناس،
لا إلى أصحاب السلطة المتخاذلين.
فـ«السفير» توقفت عن الصدور،
لكن القضية التي صدرت من أجلها لن تسقط.
*كلمية ألقيت خلال اطلاق كتاب “طلال سلمان… صحافي من عصر مضى” ضمن فعاليات الدورة 67 لمعرض الكتاب العربي في بيروت
