طلال سلمان

الهزل والتآمر ومصائر الأمم في حفل تكريم الرئيس الأمريكي

لا أذكر يوما خلال سنوات النضج كنت فيه عاشقا لنظرية او أخرى من نظريات التطرف والخرافة والتآمر السياسي ولا باحثا عنها، وفي الوقت نفسه لا أذكر أنني كنت إذا فوجئت بواحدة منها أهملت متابعتها والتحقق من مصادرها ودوافعها ودراسة آثار ما صنعت وخلفت.

عشنا خلال هذا الأسبوع أياما لم تفارق أذهاننا فيها سيرة الرئيس دونالد ترامب. لا جديد في هذه المقولة فنحن نعيش شهورا لا تغيب عنا  للحظة صورة ولا صوت الرئيس الأمريكي، وإن غاب أيهما لسبب أو آخر لاحقتنا من على البعد أو القرب أخبار تنقلاته ، والأهم من تنقلاته، نصوص تصريحاته وإبداعاته الكلامية ، وخصوصا ما تعلق منها بملاحمه الحربية وعلاقاته الشخصية بزعماء دول عظمى وصغرى، وبمن اختار من الصحفيات والصحفيين المعتمدين لدى البيت الأبيض ليصب عليها او عليه جام غضبه وأسوأ ما في مستودع الصفات المهينة ، ولا مانع لديه من أن ينتهز الفرصة ليمارس الكراهية ضد اصحاب الصحف والقنوات التلفيزيونية التي تعمل او يعمل بها الصحفي او الصحفية محل سخطه وغضبه.

لا جدال أننا كنا خلال الأسابيع الأخيرة نعيش في أجواء سياسية إقليمية شديدة السخونة، والسبب فيها اختيار الرئيس ترامب وتفضيله “الحرب الدائمة” أسلوب عمل وعنوان الولاية الثانية له في حكم الولايات المتحدة، القطب الأعظم في النظام الدولي. غير خاف ولا يغيب عن فكر السياسة انه إذا قررت الدولة الأعظم في العالم أو في نظام إقليمي انتهاج هذا الأسلوب فستكون اول النتائج الارتباك الشديد في السياسة الدولية او الإقليمية، والزيادة الملموسة في الميل بالسلوك الاجتماعي والسياسي نحو العنف، والبحث العاجل عن تحالفات مناسبة وفض تحالفات غير مناسبة، والزيادة المفضوحة في إجراءات القمع الداخلي والدولي والإقليمي. راسخ في ظني أن أحوال العالم وأحوال الشرق الأوسط الراهنة شاهدة على عواقب اتخاذ كل من أمريكا وإسرائيل، الحرب الدائمة أسلوبا في إدارة العالم والاقليم، كل في مجاله وكلاهما معا في المجال المشترك.

لست مبالغا في القول بأن الأيام الأخيرة شهدت غضبا أشد في مواقع أكثر من العادي والمألوف. كان الاعلام الأمريكي الموقع الممارس للغضب أكثر من  العادي والمألوف، وكان القطاع الممارس للسخرية السياسية في هذا الاعلام الأكثر وقعا وشعبية بين كل قطاعاته، وكان تركيز الهجوم فيه على شخص رئيس الدولة الهجوم الأشد تجريحا والأعمق أثرا وانتشارا على مختلف المستويات. تذكرت الانتقادات ضد جونسون وبوش وكلينتون وأوباما وبايدين وكلهم اشعلوا حروبا أو ورثوها ولم يوقفوها باستثناء بايدين  الذي انسحب في شكل فضيحة عظمى فاستحق غضبا شديدا ، لعله الغضب الذي أحبط مساعي الديموقراطيين لجعل كاميلا هاريس تفوز في انتخابات الرئاسة ضد ترامب. كان الغضب ضد ترامب خلال الشهور التي أعقبت توليه منصب الرئاسة في المرة الثانية أعنف ومن نوع مختلف.

لا يمكن انكار ان الايديولوجيا التي تميز مواقف الحزبين الجمهوري والديموقراطي من قضايا بعينها لعبت دورا في تأليف وصياغة مواقف الانتقاد المتبادلة بين الحزبين، إلا أنه في حالة الرئيس ترامب لم يكن للايديولوجيا  الدور  الحاسم خلافا لرأي الرئيس الذي يردده في كل مكان. الرئيس يعطي الأيديولوجيا دورا هاما في خلافه مع المعارضة على عكس الواقع وهو أن الرئيس قادم للحكم ، ومستمر فيه، على أساس قناعة لديه بأن حروبا عديدة يجب أن يشنها ليبقى في الحكم ويترك أثرا لا تمحوه الوثائق التاريخية التي قد يسطرها رؤساء قادمون من بعده.

 لم ينتبه الرئيس إلى أن التوسع بالاعتداءات  المسلحة ضد دول صغيرة مثل فنزويلا وبنما وإيران أو أقاليم تخضع لسيادة دول حليفة مثل جرينلاند أو التوسع بالايحاءات والدعاوي التاريخية والنواحي الجغرافية مثل الحملة المخططة من جانبه من أجل انضمام كندا الى الولايات المتحدة كولاية إضافية ، جميعها وبخاصة الحرب ضد إيران استجابة لجزء ضمن خطة إسرائيلية أوسع لإقامة ظروف تسمح بإنشاء إسرائيل الأكبر في أقرب وقت وبتكلفة ليست قادرة على تدبيرها منفردة ، أقول لم ينتبه الرئيس الى حقيقة أن حال الانحدار الذي تمر فيه الولايات المتحدة منذ عقود أفرز تداعيات تصب جميعها في ميل شعبي أمريكي لرفض الحرب ، ورفض سياسة دعم إسرائيل بلا حدود أو تردد.

 الخلاف هنا لم يتخذ الشكل الأيديولوجي الذي يدعيه ترامب. الخلاف لم يكن ولن يكون بين نخب حاكمة لكل منها عقيدة سياسية تبشر بها وتدافع عنها. تابعت عن قرب تعليقات ومواقف الكوميديين الساخرين، وهي بالفعل حادة ولكن معبرة بحق عما يدور في ذهن رجل الشارع المتأثر بقيود اقتصادية تفرضها استعدادات وتأثيرات الحروب الخارجية والمعونات لدولة إسرائيل. تابعت أيضا تعليقات ومحاضرات وكتابات بعض كبار الاقتصاديين وعلماء السياسة الدولية وراقبت التحول المتدرج، ولكن الواثق، في اتجاهات دوريات وتقارير مراكز البحوث الأشهر في الولايات المتحدة، أعترف أنني لفرط حماستي وكثافة متابعتي للحوار الثري الدائر في الولايات المتحدة داخل أهم دوائر التفكير السياسي والاقتصادي، كدت أعرض على أكثر من موقع المشاركة في هذا الحوار مقدرا منذ البداية أن الأمر خطير ليس فقط بالنسبة لمستقبل الولايات المتحدة  ولكن أيضا لمستقبل بلدي وبيتي وأولادي وأحفادي.

جاءت الليلة التاريخية، ليلة اجتماع الرئيس الأمريكي بممثلي الصحافة الأمريكية في حضور كبار شخصيات الدولة وشركاتها وجامعاتها. جلست امام الشاشة متأهبا مثل أصدقاء أعرفهم. أرى أمامي القاعة وقد جلس الرئيس وزوجته ونائب الرئيس والوزراء وغيرهم على المائدة الرئيسية المطلة على القاعدة من عل، وفي ظني أن الرئيس جاء مسلحا بخطاب يحمل عديد الاهانات المعتادة لخصومه الصحافيين وهم كثر في القاعة وخارجها، وبعضه مسلح هو الآخر بخطابات تركز عل الحرص على حرية التعبير والاعراب عن كونها مهددة. توقعت، ولكن بتردد ، ليلة ساخنة. أما التردد فمبعثه ارتباك تسرب لي من قاعة المؤتمر عبر الشاشة.

رأيت وتابعت الهرج والمرج، وكأنه أمر واقع ومتوقع. لفت نظري سرعة دخول الجنود المسلحين الى القاعة وكلهم بملابس ميدان غريبة على مرتادي مثل هذه المؤتمرات. لفت نظري أيضا أن بعضهم كان يتحرك كما لو كان في عرض تدريبي مدروس ومألوف وليس كحال وجود عناصر إرهابية تهدد حيوات أعضاء الجهاز الحاكم. رأيت رجال الخدمة السرية وهم يتقافزون حول الموائد يدفعون الرئيس للخروج من الباب المؤدي نحو الموقع الذي جاءت منه أصوات ما يشبه أصوات الرصاص، بينما وجدت أبواب أخرى تؤدي الى جهات ربما أقل خطورة.

لاحظت الارتباك ولم أجد تفسيرا في تلك اللحظة سوى أننا نعيش جميعا في حال ارتباك منذ يوم تولي الرئيس الأمريكي مقاليد الحكم. الصين في ارتباك وكذلك روسيا والدول العربية وإيران بسبب ما يقال عن انقسام الجماعة الحاكمة في إيران، بل وارتباك أيضا في واشنطون أمام المشهد المتكرر لإقالة وزيرة بعد أخرى أو بعد آخر. راعني في النهاية أن لا هلع في القاعة ولا ولع. ربما هناك ضيق لأن برنامج الحفل لن يكتمل.

أيقظني قرب الفجر الهاتف الراقد بجواري لأستمع الى صوت زميلة  من الصحفيات المتمردات تنقل لي القناعة السائدة بين جماهير الصحفيين وبخاصة ممثلي قطاع الكوميديين الساخرين والقريبين من المسئولين عن دوريات السياسة الخارجية، قناعة بأن الجانب الحرج من الحفل نظمته جهات أمنية موثوق بها على علاقة وثيقة بالأجهزة الأمنية الإسرائيلية.

استمعت الى الرسالة يقظا ومنتبها خاصة وأن التقديرات الأولية ذهبت في أغلبها لتؤكد أن الرئيس أراد سد ثغرة في شعبيته المتدهورة ، أو أنه أراد أن يغطي على فشله في حرب إيران ،أو أنه تلقى تحذيرا مؤكدا وواثقا بأن الخسارة في انتخابات نوفمبر محققة ، أو أنه لن يحصل على المال المطلوب لاستكمال إقامة صالة الرقص العظمى  وقوس النصر الأكبر في العالم اللتين بإنشائهما يخلد إسمه بعد ان فشل في إقناع أحد باستحقاقه نوبل للسلام، أو أن فرص محاكمته وعزله تتزايد مع الوقت، أو أنه في حاجة لسبب إضافي يسمح له  بعسكرة العاصمة واشنطون  وبعض عواصم الولايات تمهيدا لفرض نفسه في ولاية جديدة، أو كلها معا.

إن صح ما يتردد بين بعض الصحفيين والدبلوماسيين بأن الولايات المتحدة تتدحرج نحو ورطة. وإن صدقت تجاربنا مع واشنطون خلال العقود الماضية وتأزمت أحوال أمريكا، سنكون جميعا في ورطة أشد مما نحن فيه.

تنشر بالتزامن مع جريدة الشروق

Exit mobile version