طلال سلمان

الصين تستعد لمرحلة جديدة باستعراض للقوة

كنت حتى أسابيع قليلة مضت أحد المراقبين الذين لم يتوقعوا أن يستقر قرار القيادة الصينية على الكشف عن بعض أحدث الاسلحة المتقدمة في عرض مبهر يقام بمناسبة العيد التسعين للجيش الصيني. غلب الاعتقاد عندي وعند آخرين على أن الصين سوف تستمر لفترة أخرى تنفذ سياسة تأجيل قرار خروجها إلى العالم وإعلان الاستعداد لتحمل كامل مسئولياتها كدولة عظمى مشاركة في القيادة الدولية.

كانت لنا أسبابنا. وجدنا الصين مرتاحة إلى سياسة تأجيل اقتحام مواقع القيادة الدولية اقتناعا وتواضعا من جانبها إلى أن شروط مشاركتها في القيادة الدولية لم تكتمل بعد. ما يزالون في الصين يعتقدون أن الأمور الداخلية لم تستقر تماما إلى الحد الذي يسمح للقيادة السياسية تطوير أولوياتها والانغماس في شئون الخارج. يعتقدون أيضا وعن حق أن خبرتهم في إدارة النزاعات الاقليمية والدولية ما تزال محدودة وقدرتهم على التأثير في قرارات دول أخرى ما تزال هي الأخرى في حاجة إلى محكات اختبار عديدة. لا شك أن خبراء في مراكز البحث لا يكفون عن التذكير بأن الصين اليوم ليست بخبرات انجلترا التي قادت العالم أو اشتركت في قيادته بعد أن صار لها مخزون هائل من خبرة التعامل مع ثقافات وزعامات متباينة.

من ناحية أخرى كانت الصين مستفيدة من تطور الأوضاع في الغرب ومسارات التجارة الدولية والانحسار النسبي ولكن المتدرج للنفوذ الأمريكي قبل وخلال ولايتي الرئيس باراك أوباما. ارتاحت إلى أن أحدا في الغرب لم يتوقع خلال فترة منظورة مفاجآت خطيرة في العلاقات الدولية وفي الأوزان النسبية للدول الكبرى. استفادت أيضا من التزام أوباما وقادة الاتحاد الاوروبي مبادئ حرية التجارة.

من ناحية ثالثة كان قادة الصين الفخورين بما حققوه على أصعدة الثورات التكنولوجية والانتاجية والمالية يدركون في الوقت نفسه ضخامة الحاجة إلى مواصلة التركيز على عمليات تحديث المجتمع الصيني. أدركوا وإن متأخرين قليلا استحالة عزل الثقافة الصينية عن ثقافات العالم بحجة خصوصيتها البالغة. ولا شك أن بعث مشروع طريق الحرير بتسميته الجديدة مهد طريق اختلاط الثقافة الصينية بالثقافات الأخرى وتشجيع التفاعل بينها، الأمر الذي حققت فيه الهند خلال العقدين الأخيرين بتطويرها ممارسات وأفكار لتصبح مصدر قوة ناعمة ومورد دخل معتبر للبلاد.

***

فجأة وبدون مقدمات إعلامية وسياسية معتادة في الصين تم الإعلان عن نية الاحتفال بالعيد التسعين لجيش التحرير الصيني بإقامة عرض عسكري، وكان عرضا مبهرا. كذلك كانت التحليلات التي تعرضت لهذا الحدث المهم والتي ترجع أهميته إلى أن ادخال الجيش في مسيرة دخول الصين ساحة التوازن الدولي كان قرارا مؤجلا لحين استكمال شروط أخرى عديدة ولم تكتمل. كذلك يصعب إغفال موقع جيش التحرير الصيني في منظومة الحكم في البلاد عند اتخاذ قرار على هذه الدرجة من الأهمية. من الجائز جدا أن تكون المبادرة قد جاءت من جانب الجناح العسكري في الحكم لاعتبارات استراتيجية قدرها القادة العسكريون، جائز أيضا وشائع أن الرئيس ” تشي” بنفسه كان وراء القرار بهدف تمتين وتمكين قاعدة التأييد له خلال اجتماع الحزب بعد اسابيع.

***

نحن أيضا أمام احتمالات أخرى تبرر إصدار قرار على هذا المستوى يحمل رسالة إلى كافة القوى الكبرى عن نية الصين الكشف عن جانب مهم من جوانب قوتها الكلية لأول مرة على امتداد ثلاثة أرباع القرن. أميل إلى تفضيل احتمالات، أو فلنقل اجتهادات، بعينها. أعتقد أن قادة الصين، ككثيرين غيرهم من قادة العالم صاروا مقتنعين بأن وجود الرئيس ترامب على رأس الحكم في واشنطن يتسبب في أضرار لدول عديدة وليس فقط للولايات المتحدة. المسألة لا تتعلق فقط بعدد من قناعاته مثل موقفه من حرية التجارة، قدس أقداس العولمة وشريان الرخاء للصين، ولكن تتعلق أيضا بسلوكياته هو وعائلته وإدارته وبالفوضى الناشبة في البيت الأبيض. جائز جدا أن يكون قادة الحزب في الصين اختاروا ألا ينتظروا أطول مما انتظروا وليشرعوا في انتزاع أو استلام مكانا في موقع القيادة الدولية قبل أن تزداد أوضاع القيادة الدولية تدهورا.

جائز أيضا أن تكون الصين قد قررت “اللعب على المكشوف وبالواقعية المطلوبة”. حان أوان أن تحصل الصين علنا على مقابل لما تقدمه للدول من مزايا محمولة على طريق الحرير. هي الآن تطالب اليونان بثمن لإنقاذها من أزمة الديون الخارجية، طالبت وحصلت على نصيب في ملكية تسهيلات ميناء بيريه، المصب المثالي لتدفقات حمولة طريق الحرير. لو صح هذا التوجه لصارت القوة العسكرية كمكون أساسي في توازات المصالح والقوة ضرورة مصاحبة للتوسع في التجارة والاستثمارات والنفوذ في منطقة بحساسية أوروبا.

محتمل جدا أن تكون القيادة العسكرية الصينية قد انتبهت إلى خطورة ما وصلت إليه برامج التسلح في الهند. راقبت القيادة الصينية بتسامح جهود تسلح العدو الهندي إدراكا منها لحقيقة أن إمكانات الهند لن تسمح لها بتوسع شديد في برامج التسلح إلا إذا كان الرئيس مودي قد وجد في الولايات المتحدة نصيرا أوحليفا يدفعه للمغامرة أو التهور. من هنا وقع الانتباه إلى ضرورة تفعيل القوة الصلبة الصينية لردع الهند والمؤسسة العسكرية الآمريكية.

***

تبقى احتمالات أخرى أقل أهمية باستثناء احتمال ذاع صيته في كتابات العسكريين الأمريكيين، وهو أن تكون الصين قد أدركت مؤخرا أن أطرافا مغامرة في كل من واشنطون وسول وبيونج يانج تضغط من أجل إشعال أزمة عسكرية تنتهي بتغيير في معدلات وتوازنات القوة في شبه الجزيرة الكورية. بل ولا أستبعد شخصيا أن يكون العسكريون الصينيون قد توصلوا إلى أن القيادة الحالية في كوريا الشمالية لم تعد مأمونة الجانب، بل وأن التفوق الصاروخي والنووي فيها ربما صار يمثل خطرا دائما يهدد أمن الصين. لذلك جاء التحرك العسكري الصيني في شكل استعراض قوة بهدف ردع المغامرين والمتهورين. الصين بالتاكيد لا تسعى لمواجهة مع القوات الأمريكية في كوريا ولكنها في الوقت نفسه تتمنى خروج هذه القوات ضمن تسوية إقليمية شاملة.

***

لن يبقي طويلا بدون حل لغز استعراض الصين لقوتها الصلبة في هذا الموعد المبكر. قريبا، بل قريبا جدا، يعقد الحزب الشيوعي الصيني مؤتمره الأساسي ليتخذ قرارات مهمة ويضع سياسات جديدة. المؤتمر الماضي أوصل تشي إلى منصب الرئاسة وعدل المكتب السياسي ليكون في صالح الرئيس الجديد، وهو أيضا المؤتمر الذي أطلق من خلاله الرئيس تشي صيحة الحلم الجديد، حلم بعث طريق الحرير وتجديد دماء العولمة بجعلها كما ذكر لا حقا في أحد مؤتمرات دافوس عولمة صينية المعالم. يأمل الرئيس تشي أن يجدد المؤتمر القادم له الولاية لفترة ثانية ويخلصه من بعض كبار عناصر الفساد في الدولة والحزب، يأمل أيضا في أن يحصل مسبقا على دعم الذراع الثانية في منظومة الحكم وهو جيش التحرير الصيني. كان لافتا لمراقبين عسكريين غربيين أن الرئيس تشي ارتدى زيا عسكريا ولكن خال من علامات الرتب. أراد أن يكسب الجيش إلى صفه دون أن يفرض نفسه عليه لأنه في واقع الأمر ليس منه ولا يمكن أن يكون.

تنشر بالتزامن مع جريدة الشروق

Exit mobile version