طلال سلمان

الحب ألوان

في مقهى في أحد الشوارع القريبة من البحيرة في مدينة جنيف جلستا ترشفان بصوت الهمس القهوة السويسرية الممتعة. تساءلت إحداهما عن سر المتعة في هذه القهوة؛ أهو البن أو طريقة ودرجة تحميصه أو لعلها نسمات الهواء الباردة قليلا معظم الوقت، ولكنه الاقتناع بأنه، وأقصد الهواء المصاحب لشرب القهوة، يأتي إليك مغسولا فترتاح إليه وقد سقطت منه الأتربة والجراثيم إن وجدت، وفي الغالب لن توجد. تساءلت زميلتها بدورها عن هذا السكون المريب الذى يلازم كل مواقع المدينة، سواء كانت مقاهي أم حافلات أم سوقا لبيع الخضراوات والفواكه. أهي الجبال الشامخة بعد أن فرضت هيبتها، حتى أنها فكرت أن صدى الصوت الصادر في وديانها يصل إلى القمم غليظا ومتضاعفا ربما كإنذار لمن أخطأ وصدر عنه هذا الصوت في نبرة ليست كنبرات الهمس السويسري. خاف الرعاة على أبقارهم الساكتة أن تتوه في مسالك الألب ووديانه فأحاطوا أعناقها بعقود من الأجراس تكشف لهم مواقعها. لكنهم تركوا البشر بدون أجراس فهم ساكتون بحكم العادة والتقاليد، لا يتغير شيء في حياتهم حتى الضيوف الذين يأتون إلى جنيف لدوافع دبلوماسية يتعودون خلال ساعات على احترام هذا السكون اللذيذ والممل.
•••
نظرت واحدة منهما إلى ساعتها لتنبئ الثانية بأن ثالثتهما تأخرت دقيقة ونصف عن موعدها، ردت زميلتها بأن طلبت منها الاستدارة، ها هي الثالثة تنزل من حافلة وسوف تعبر الطريق متوجهة إلى حيث تجلسان في انتظارها. تابعتاها دون أن تنطق إحداهما بحرف ولكنهما تبادلتا النظر أكثر من مرة في صمت وبفضول. صاحبتهما صارت أكثر جمالا وفتنة. الناس من مختلف الأعمار في الشارع وفي الحافلة ينظرون نحوها بكل إعجاب وفي لياقة وأدب. نظراتهم إليها وهي تمشى في اتجاه المقهى تكاد تصرح بأن هذه امرأة لم يأت الزمان إلى جنيف بمثلها. جسمها من نحت نحات قادر ومتمكن. جمالها من رسم رسام مبدع وواثق من كفاءة ريشته. لونها من لون وربما ملمس المرمر الأسمر مقتربا من الأسود وعيونها مع شفاهها عربية المزاج والفتنة. لم تستطع زميلتاها غض بصرهما عنها خلال الدقيقة التى استهلكتها حتى تصل إلى حيث جلستا، وقد وقفتا لتحيتها وبادرت باحتضانهما كل على حدة، الحضن الواحد استغرق ثواني ولكن عديدة.
•••
وصلت قهوتها. لم تنتظر لتبرد قليلا بما يسمح لها برشفة معتبرة تعيد لها، كما عبرت بنفسها، استقرارها النفسي بعد ساعات من لقاء قلق ومتوتر. هي الآن في صحبة حب حقيقي لا جدال حول نشأته وتطوره. هي الآن تستطيع أن تقول الحقيقة التي لن تجرح أحدا أو تثير غضبا أو حقدا أو كرها. قالت: «تذكران عصر يوم جئت إليكما أطلب منكما أن تقضيا الأمسية بعد العمل معي في مطعم كنت ارتاده مطمئنة إلى نوع زبائنه والقيم التى يعيشون بها. ليلتها بادرتكما بعبارة شدتكما إلى الاستماع إلى ما كنت أنوي قوله. ولم أقله. ليلتها اعتذرت اعتذارات لم تقبلاها ولكن أعلنتما تفهمها.
•••
جئت إلى بلدكم لأستكمل تعليمي العالي. ثلاثتنا، قضينا معا وقتا لا ينسى. أنتما من أقنعني بالعمل في الشركة التى تتدربان فيها لأتدرب فيها بدوري. عملنا معا فتدربنا وجاء وقت تعين فيه أن أستقيل تأهبا للعودة. فوجئنا برئيس جديد يستلم ويطلب منا كما تذكران أن نتعهد له بالبقاء في الشركة حتى تستقر أموره وأمور الشركة. كان يمكن أن أعتذر وأصر على قبوله استقالتي. شيء ما منعني. راوغت أهلي في مسألة عودتي إلى وطني وخطيبي متعللة بالتزاماتي تجاه الشركة التي آوتني ودربتني. الآن جاء وقت المصارحة. كنتم معي من الأوفياء الصادقين وتستحقان من جانبي الحقيقة كاملة.
ألجأ لكما اليوم، وأنتما الصديقتان اللتان يندر وجود مثلهما إلا في الحواديت والأساطير. ألجأ لكما لتحمياني من خطوة قد أخطوها نحو حياة أعتقد أنها ستكون مزروعة بالألغام ومكدسة بالوحوش المفترسة. يا بنات أنا وقعت في الحب. أنا الفتاة المخطوبة منذ طفولتها إلى رجل يكبرها بثلاثين عاما ويحتل في بلدها مكانة هامة أسمح لنفسي بالوقوع في حب رجل آخر.
خطيبي بالكاد أعرفه، ولكني التزمت تجاه أمي وأبي ومشايخ القبائل أن أطيع رغبة أهلي التي وثقها هؤلاء المشايخ. الرجل الآخر الذي يبدو أنني وقعت في حبه غريب عني وعن تقاليدي وأعرافي. لا يمت لي بصلة دم أو غير الدم. هو أيضا يكبرني ولكن بعشرة أعوام فقط. أعرف الآن أنه متزوج من امرأة تعرفانها وأعرفها وتعرفني. أنجب منها طفلين. وحبها له ولطفليها مضرب الأمثال. نعم هو من تظنون. ويجب أن تعرفوا أن الرجل غير مسؤول عما وقع لي. أنا وقعت في الحب من تلقاء نفسي. لم يدفعني أحد أو يغويني. هذا الرجل لم يفرش لي الطريق إليه سندسا كما يفعل غيره من الرجال. بالعكس كان أمينا. كنتما شاهدتين. كان يتفادى أن نوجد معا أو ننفرد ببعضنا. كثيرا وبصعوبة شديدة كان يذكرني بقرب انتهاء فترة تجديد تدريبي. أكثر من مرة ذكرني بأنه على استعداد لكتابة توصية لمن يهمه أمري عندما أتهيأ لوظيفة في المستقبل. دعانا ثلاثتنا لعشاء في منزله. تذكران تلك الليلة؟ لا شك أنكما لاحظتما أنه لم يوجه خلال العشاء كلمة واحدة ناحيتي حتى نبهته زوجته فراح يهتم بي وفي عينيه بؤس شديد. كدت من فرط توتري أقفز نحوه وأحضنه وأهمس في أذنه: توق

ينشر بالتزامن مع موقع بوابة الشروق

Exit mobile version