هي الحرب، إذن، داخل لبنان، وعلى كل لبنان، الدولة والشعب، الكهرباء والجسور وأسباب الحياة، وعنوان إرادة الصمود ومجد المقاومة: المجاهدين الأبطال، ولا سيما القيادات ذات الكفاءة والتجربة المتميزة والتي تقدم المثل الحي على إمكان المواجهة، وإمكان تحقيق تكافؤ بين الدم والسيف، بين الدم والقلاع الحربية الطائرة، بين الدم والصواريخ الفائقة الدقة والهائلة القدرة على التدمير.
هي الحرب، بغير قناع أو التباس أو تمويه..
حرب العودة إلى طاولة المفاوضات، واستئناف »العملية السلمية« تلبية للرغبة الرئاسية الأميركية، ولكن بالشروط »الميدانية« الإسرائيلية،
هي حرب الوعد الانتخابي بالانسحاب من لبنان، خلال سنة تناقصت بمرور الزمن إلى أحد عشر شهراً، تلبية للمطالبات متعددة الأصوات، داخل إسرائيل، والتي تجمع في صفوفها »الأمهات الأربع« والكتلة العظمى من العسكر والعديد من القوى السياسية، المتطرفة منها والأكثر تطرفاً،
هي حرب تهديم الإرادة، وزعزعة اليقين بجدوى المقاومة، وإلحاق الأذى بصورتها الباهرة، تارة بمحاولة الإيهام بمسؤوليتها عن قتل إسرائيل النور والجسور وإشاعة معادلة مزورة بين الكاتيوشا والبنى التحتية، وطوراً بإثبات طول السيف الإسرائيلي الذي لا يعترف بحدود أو سدود، والذي يمكن أن يصل فيطال هدفه ولو كان في أقصى الأرض اللبنانية.
هي حرب على المناخ الوطني الذي عززته المقاومة بانتصاراتها المتوالية، فحصّن القرار الرسمي، وساهم في توحيد الموقف الشعبي، وأكد المصلحة بوحدة المسارين اللبناني والسوري، فإذا اللبنانيون أعظم قوة بما لا يقاس من قدراتهم المادية (والعسكرية) الذاتية، وإذا مجاهدوهم مثل أعلى للشباب العربي ومصدر عزة وفخار ونموذج يحتذى.. دولياً.
… وما زلنا في المقدمات، حتى ليمكن الافتراض أن الاعتداءات الإسرائيلية التي وقعت على لبنان واللبنانيين حتى الآن مجرد »موسيقى تصويرية« أو »عينات« لما ينتظرهم على امتداد حرب المفاوضات.
وعلينا أن نستعد لمزيد من الضربات الموجعة، ولمزيد من الخسائر، ولمزيد من الشهداء، بين القيادات كما بين المجاهدين، وفي البيوت والمحاصيل الزراعية كما بين العائلات، نساءً وشيوخاً وأطفالاً..
ستحاول إسرائيل إضعافنا إلى أقصى حد ممكن، مركّزة على نقاط القوة، بل على مصادر القوة المعنوية أساسا، ومن ثم المادية، مفترضة أن إلحاق الأذى بصورة المقاومة وإلزامها بحماية ذاتها (قيادة وكوادر مؤهلة ومجاهدين) قد يضعف الإجماع الوطني، وقد يصدع علاقتها بجمهورها الطبيعي بداية، ومن ثم بالسلطة، فيفرّق الصفوف وقد تنجح الدعاية ساعتئذ في إظهار المقاومة وكأنها عبء على المفاوض اللبناني، وليست كما هي حقيقة أعظم مصادر قوته.
ولربما تجاوزت إسرائيل في افتراضاتها هذا الحد، فوصلت إلى اعتبار إرباك المقاومة بتوجيه ضربات متلاحقة إلى قياداتها وكوادرها، وتحميلها مسؤولية الرد الإسرائيلي (على ردها المحتمل) والذي سيكون مدمراً وعنوانه غارات 24/25 حزيران الماضي، مقدمة منطقية لخلخلة التحالف اللبناني السوري، في مواجهة حرب المفاوضات الإسرائيلية.
ليس تجاوزاً أن نفترض أن إسرائيل ستحاول إضعاف لبنان، ومعه بالضرورة سوريا، إلى أقصى حد ممكن، وتجريده (وتجريدها) من أوراق القوة (المباشرة)، عشية المفاوضات ثم على امتداد مسيرتها… الحربية!
فالمفاوضات حرب أشد ضراوة من المعارك العسكرية، …
فكيف ونحن لا نملك إمكانات الخيار العسكري؟
إن العبوة التي استهدفت المجاهد البطل أبو حسن علي ديب سلامة، هي إعلان بالتفجير القاتل عن الجو الذي ستجري فيه المفاوضات العتيدة، وعما ينتظرنا من فواتير دموية (وإنشائية) ثمناً للانسحاب الموعود.
والرد الضرورة أن نزيد من التفافنا حول المقاومة، كعنوان لصمودنا، وأن نستعد لدفع ثمن استعادة الأرض بالمفاوضات، أرواحاً غالية ودماء طاهرة ومنشآت حيوية،
إنها لحظة الامتحان الأكثر خطورة وصعوبة: أن نؤكد وحدة موقفنا الوطني، دولة وشعبا، والتزامنا الثابت بوحدة المسار والمصير مع سوريا باعتبارها من ضمانات »تحديد الخسائر« في المفاوضات التي نمضي إليها مجبرين، خصوصا وأننا على المستوى القومي لسنا في أفضل حال، وكذلك على المستوى الدولي.
إن حماية المقاومة، بالعيون والأرواح والأرزاق، مهمة وطنية وقومية ليس أنبل ولا أكثر ضرورة منها، في هذه اللحظة،
إن إسرائيل تحاول إخافتنا بالتصرف مع لبنان وفيه وكأنه أرض مفتوحة لأسلحتها الفتاكة.
ولكن متى لم يكن لبنان كذلك، ومتى ادّعى أنه متكافئ بقوة النار مع العدو الإسرائيلي؟! ومع ذلك فإنه تحمّل المجازر والخسائر الفادحة والتدمير المنهجي واستمر صامداً، بل وصار قوة إسناد وحماية لقلعة الصمود الأخيرة سوريا، ومصدر تعويض معنوي للعرب جميعاً.
ان لبنان المقاوم، على ضعف إمكاناته، قد جعل الانسحاب منه مطلباً عزيزاً تجهر به القيادات العسكرية قبل القوى السياسية في إسرائيل.. وهذا نصر معنوي ومادي باهر، وعلينا أن نحفظه ونحميه ونفيد منه غداً.
ولبنان المقاوم شرط أساسي للوصول إلى تسوية مقبولة عبر حرب المفاوضات القاسية.
والحرب الإسرائيلية المفتوحة تشمل لبنان وسوريا ومعهما وعبرهما كل العرب… ولسنا مخيّرين في خوضها، كما أننا لسنا من ترف القوة بحيث نفرّط بأهم وأخطر وأقدس عناصر قوتنا: المقاومة التي نعرف وتعرف أن يومها الأمجد هو اليوم.
إنها الحرب.. فلا يتأخرنّ عنها أحد!