طلال سلمان

أيها الفاشل من انتَ

ـ من أنت؟

ـ لا أعرف بالتحديد. لي اسم طبعاً ولي اسم عائلة أيضاً. ومكان ولادة كذلك، وأعمل ما تيسّر إن أمكن. أكثر من ذلك لا أعرف.

بحثت عن معنى لي، صعب عليَّ الجواب. الاعداد لا معنى لها. انا عدد فقط. الانتماء موروث، لا فضل لي فيه. انا انتسب إلى طائفة تستحوذ عليَّ، شئت ذلك ام لا. عادة سيئة ولكنها الزامية. لا يمكن الا أن تكون طائفياً، من لحظة ولادتك إلى ساعة رحيلك. أنا كذلك. رفضي غير مقنع. حاولت. الدولة لا تتسع لمواطن. أو، ممنوع أن تكون مواطناً. يلزم أن تكون “مواطفاً”. انت طائفي ولو كنت ملحداً أو فاقداً للإيمان بالأديان او كنت تفصل بين دينك وأنظمة دولتك. في هذا البلد، إما أن تكون طائفياً غصباً عنك، او طائفياً حتى الرمق الأخير من الاخلاق. لم أفلح في أن استقل عن طائفتي. مختوم انا بختم التبعية لطائفتي. هربت منها. صرت داشراً. أسأت اليها. لعنت الساعة. لم أفلح. الطائفية ممسكة بي، وتصطدم بي ولو تحاشيتها. إن اصريتُ على الاستقلال التام، فلن يعترف أقرب الناس بي. حكمه عليَّ في أي عمل ارتكبه ضده، هو حكم مسبق. فانا طائفي من كل الجهات وبالغصب.

تسألني من أنت؟ الافضل أن يكون السؤال بصيغة أخرى:

ـ ما أنت؟

ـ انا شيء. يعني لا اعامل كإنسان. كفرد مستقل. ككائن عاقل. ككيان حر. كوجود حضاري. هذه عبارات لا تنتمي إلى عالمٍ لبناني مرتاح إلى موروثه الديني وطمأنينته المذهبية. من دونهما يضيع. يشعر بالفراغ.

لذلك، ينظر اليَّ كشيء. كمربوط برابط. شيء شبيه بالرسن الملتف حول روحي. اتمرد فأشقى واتلقى سخرية بليغة: “أنت مثالي”. يقولها، كأنه يشتمني. كأنه يقول لي: “أنت حقير”. شيء من هذا القبيل. ذات نوبة مثالية، تقدمت بطلب شطب الاشارة إلى طائفتي من سجل النفوس. امر مشروع رفض. ما زلت غير مشطوب، ومحسوب، في كل ما يخصني إلى طائفتي. غيري مثلي، باستثناء من يطرب إلى قيوده ويظنها خاتم روحه. حاولنا الزواج المدني الخارجي. عبث. سجله في خانة طائفتك لتحافظ على حقوقك. لا فكاك من عصابة القبض على كل ما يخصك. وحدها، روحك الحرة المتمردة مستثناة نظرياً. علمياً. أنت طائفي من الأزل إلى الأبد. لذا، انا شيء فقط. عدد فقط. ويفترض أن اكون تابعاً، ولو كنت ذا اختصاص في العلم وذا موهبة في التحرر، وذا موقف في التمرد.

لا. لست حراً ابداً. مثلك مثل غيرك. عليك أن تأكل من المعلف ذاته، مقيداً بسلاسل التقليد وتطرب لسماع اصوات قيودك.

ـ الم تفكر بالرحيل؟

ـ فشروا. هذا بلدي ولو منعوني عنه. هذا هو روحي ولو حاولوا نزعها. هذا هو أنا بكل ما اطمح اليه. لن ادعهم يأخذوني إلى زرائبهم القذرة. سأبقى النقيض. لن استسلم. حتى ولو لم افعل شيئاً، سأظل حيث أنا، لبنانيا محروماً من لبنانيته، مواطناً من دون وطن، حرا في بلد العبودية الطائفية. هذا أقل ما يمكن أن افعله. فليذهبوا إلى الجحيم وليقيموا فيه كما يرغبون. أنا، مثل كثيرين غيري، لسنا من هذا العالم. لست وحيداً، ولو لم نكن متحدين بعد.

بعد أيام، سيكتمل نصاب الطائفيين. سيقترعون. غريب! كم يتشابهون وهم مختلفون! سيفوزون جميعاً بأصوات مدربة على ايقاع الاتباع. سيكون لهم لبنانهم غداً، الذي يشبه لبنانهم بالأمس. لا جديد. وسيعيدون عزف المعزوفة المعروفة. وسيغرق لبنان في ما هو فيه من انعدام القيم كافة، بلا استثناء. وسينال اللبنانيون حصتهم من العقاب الانتخابي، ويعود النق الكريه، من دون أي تجديد في المفردات.

لا تسألني من او ما أنت؟ انا فاشل جداً في ارتقاء السّلم الطائفي. وأعتز بفشلي هذا. فشلي رايتي. فشلي هو نجاحي.

Exit mobile version