كان يوما بصباح مختلف. نهضت من فراشي وكلي رغبة عارمة في أن أتمرد على عادة من عادات آخر الأيام. كنت قد عودت نفسي، أو عودتني سياقات الزمن في آخر تجلياته، على افتتاح نهاري بمشاهدة قنوات تليفزيونية كانت في يوم غير بعيد من المفضلات أو من المفروضات. حدث في الأيام الأخيرة أن تعمق إحساسي بأن بوادر يأس مختلطة بمؤشرات قلق وعلامات ضيق ومظاهر نكد تزحف لتهيمن على مجمل سلوكياتي، ممتدة ساعة بعد ساعة لتؤثر أيضا، أو خشيت أن تؤثر، على الشكل وتفاصيل الوجه إلى حجم الجسم منتهية برزانة العقل.
كان لا بد من تغيير وضع لم يعد استمراره محتملا. أذكر أن ظني، ولم يكن في غير محله، راح إلى تحميل القنوات الملتصقة بـ “صباحاتي” مسئولية تدهور الوضع. وبالفعل جاء هذا الصباح ومعه القرار أن أبدأ التمرد بالانتقال إلى مشاهدة قنوات أخرى غير تلك التي لم نكن، القنوات وأنا، نفترق في أي صباح على امتداد سنوات عديدة.
***
أخذني “الريموت” إلى مكان بعيد جدا، أخذني إلى حيث صور للبهجة والفرحة والأغاني المرحة والرقص الناطق بالمعاني الراقية. اكتشفت أنني أمام صور عن احتفال شعب الصين بعيدين، عيد مولد سنة جديدة، سنة الحصان، برمز الشجاعة والمستقبل. وعيد ميلاد الربيع. غلبتني مشاعر الإعجاب والانبهار وبعض الحنين لا أنكره وانزاحت بعض مظاهر القلق.
تساءلت، كيف أمكن لشاشة، أعرف قدر اتساعها، استيعاب راقصات وراقصين بالآلاف، ولا أبالغ في الرقم، يرقصون، وممثلون وممثلات بالمئات يتحركون وعلى وجوههم الأقنعة التاريخية ويرفلون في ملابس معبرة وموحية بعظمة مرحلة أو أخرى في التاريخ.
تساءلت مرة أخرى، كيف أمكن لشاشة أن تنقل هذه الاستعراضات بنفس ألوانها الزاهية والناطقة في آن. أجزم وبكل الثقة والاطمئنان بأن الاحتفال الذي شاهدت والذي استمر لساعات أربع أو أكثر نجح في أن ينقلني من العيش في حال سبق أن وصفت وشرحت، حال عالم تخبو أنواره، إلى العيش في حال عالم مفعم بالأمل والثقة في المستقبل، حال عالم عادت تضاء كل مصابيحه.
شاهدت أيضا على شاشة تلك القناة صور شعب من الشرق أو من الجنوب مثل شعب بلادي، شاهدته ينتهز فرصة شهر الصيام لينجح ويفرح. رأيت ألوانا ومظاهر من البهجة والتفاؤل والأمل حرمتني منها قنوات غربية طالما صبغت صباح أيامي بلون العتمة وحاولت أن تعيد صياغة حياتي بغير ما تمنيت وبغير ما أستحق. قنوات راحت تنعي بعبارات أو تلميحات مختلفة انحدار الغرب أو تعلن، غير آسفة، اقتراب نهاية حقبة في تاريخه. تنعي نهاية إيمانه بقيم الحقوق والديموقراطية، أو هي تكشف عن شبكات جاسوسية نسجها أغنياء لابتزاز أغنياء آخرين ومسئولين ورؤساء وأمراء وأميرات. سمعنا عن أدلة تدين عظماء في الفن والأدب والعلم، تدين ماضيهم ومستقبلهم مرورا بحاضرهم.
شاهدنا جزيرة وقصورا وطائرات خاصة ويخوتا وكاميرات تصوير استخدمها الجواسيس لتصوير الرجال العظام مع فتيات قصر. هؤلاء تركوا ثروة سيئة السمعة تقدر بست ملايين وثيقة كلها تعكس لحظة انطفاء بعض مشاعل حضارة الغرب. هذه في التاريخ ليست الحالة الفريدة التي تقدم فيها نخبة سياسية على إعلان نهاية حضارة تقودها فتتولي بنفسها مسئولية إطفاء مصابيح النور فيها ليعم الظلام، وقد رأيناه، رأينا الظلام يهم بأن يعم.
إن عدت الآن، وسوف أعود حتما، أعود إلى الشارع العتيق في مصر. هناك سوف أجد الفرحة على وجوه أطفال حملوا فانوس رمضان بألوانه المرحة وفي صحبته أغانيه الرائعة، أغاني كلها كلمات فرح وسعادة. هنا، والآن، نجد في كثير من بلاد الجنوب ألوان ورايات وصور ولوحات على جدران البيوت. هنا، والآن، نجد نوعا من فرح عاش لبعض السنة مؤجلا أو مكبوتا، ولكن الناس تعرف أن لهم موعدا معه لا يغيب عنه. يأتي الفرح ومعه الألوان والملابس الملونة والعرائس والأحصنة الملونة والمأكولات والحلوى الشهية.
***
عشنا أياما أو أسابيع تصلنا بالهمس ثم بالصخب في العتمة التي راحت تحل بالغرب، تصلنا تسريبات عن فضائح تمس العائلة المالكة الإنجليزية، واحدة من أقدم العائلات الملكية في العالم، وأخرى، أو من نفس النوع، تمس قادة فكر وفلسفة وقانون وتاريخ داخل قلاع علم في أمريكا وبريطانيا وفرنسا ودول غربية أخرى، وفضائح ربما كانت الأسوأ تمس سمعة النخب السياسية الحاكمة في عدد كبير من هذه الدول ودول أخرى في عالم الجنوب تابعة أو مقلدة أو عاجزة. هذه الفضائح وكثيرة غيرها أضافت إلى حال الغرب المتدني تدنيا أشد على سلم السقوط المتدرج منذ نهاية عهد الاستعمار، والمتسارع منذ بدء سقوط نظام الهيمنة قرب نهايات القرن الماضي.
انتهى عهد الاستعمار كما وصفه المؤرخون وقد عشنا في عالمنا العربي آخر مراحله ويبدو أننا مقدمون على مرحلة بعثه من جديد. نعيش مقدمات هذا البعث. نعيش تجربة الإبادة، عشناها ونعيشها في غزة والضفة ويعيشها آخرون في شكل مطاردة الملونين في بلاد الفرنجة وفي بلاد من تشبه بهم. نعيش أصداء فضيحة الغرب المدوية التي نظمها المدعو إبستين وأجهزة استخبارات إسرائيلية وغير إسرائيلية ورجال أغلبهم يهود متطرفون وبالغو الثراء، جلبوا الفتيات القاصرات من كل مكان ومن أجلهن جلبوا الشخصيات البارزة من كل الدول وسجلوا اللقاءات صوتا وصورة، تسجيلات أثارت وما زالت تثير الرعب في قلوب مئات الناس والفضول في نفوس ملايين البشر.
عدنا نعيش نهبا لحملة غرس أو التذكير بحقيقة أن الإرهاب مصطلح ابتكره قادة في الغرب لضمان استمرار هيمنته علينا شعوبا ودولا. كم تساءلنا وتبادلنا التساؤل فيما بيننا، تساءلنا ببعض الخبث إن كانت “القاعدة أو داعش” أصابت بالضرر إسرائيليا واحدا أو مصلحة صهيونية في أي مكان. ألم يخرج علينا الرئيس الأمريكي قبل أيام قليلة جدا بمداخلة في غير مكانها ولا زمانها إنما شاء أن يذكرنا بحقيقة لعله خاف أن تغيب عنا، تحدث عن رئيس دولة عربية جديد في منصبه فقال بوضوح واعتزاز “أنا أتيت به”، وراح يمدح في أدائه كحاكم؟. رد صحفي أمريكي مرموق على هذه المداخلة وكان حاضرا بالقول هامسا ومتسائلا، “ومن أتى بك يا سيادة الرئيس؟”، وأضاف الصحافي قائلا “نحن محتلون والمحتل هو آيباك”.
أعترف أننا ببعض آخر من هذا الخبث الذي تناولنا به حقيقة موضوع القاعدة وداعش، عشنا نتساءل عن حقيقة وجهة ولاء أعضاء الكونجرس الأمريكي الذين تلقوا تمويلا كافيا من آيباك ومن أثرياء اليهود، أهي أمريكا أم إسرائيل؟! نتساءل أيضا عن من يقف وراء مقتل الرئيس جون كنيدي وعملية تفجير برجي مانهاتن في نيويورك يوم التاسع من سبتمبر، ونتساءل عن العقل أو العقول التي خططت وضغطت من أجل شن حرب على العراق. ونتساءل إلى يومنا هذا، وبخاصة بعد كل ما قرأنا من وثائق إبستين عميل الموساد، نتساءل عن سبب مقنع وراء انحياز مسئولين كبار غربيين لإسرائيل، سبب غير الابتزاز.
ثم وقعت المقابلة الأشهر بين تاكر كارلسون الصحفي الأمريكي الشهير وهاكابي السفير الأمريكي في إسرائيل، وهي المقابلة التي شغلت الإعلام الغربي لأيام عديدة متتالية وأثارت من جديد قضية “ولاء الأمريكيين لمن”، لأمريكا أم لإسرائيل؟ وبخاصة وقد صارت أمريكا على بوابة الدخول إلى انتخابات جديدة. هذه القضية نفسها مثارة منذ زمن في ألمانيا وبالتحديد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ولكن تحت عناوين أخرى. تزداد أهميتها مع كل زيادة في تدهور مكانة الجماعة السياسية الغربية في نفوس الناس، أمريكيين كانوا أم أوروبيين، ولعلها صارت إضافة مهمة إلى أسباب جزع هؤلاء المواطنين وإلى دوافع قلقهم على مستقبل أمن الغرب ككل ورخاء واستقرار أوطانهم كل على حدة. لا جدال في أن قناعة صارت تسود في أوروبا وربما في خارجها أيضا تؤكد أن حربا أمريكية إذا نشبت ضد إيران فإسرائيل المحرك لنشوبها والمستفيد منها، وهذه ليست المرة الأولى.
سمعت جورجيا ميلوني، رئيسة وزراء إيطاليا، تقول عن العام الفائت بأنه كان عاما صعبا على إيطاليا وعلى أوروبا، وأن العام الجديد سوف يكون أصعب. أظن أنني لا أختلف مع جوهر ما قالت السيدة ميلوني، فليكن ما يكون. إلا أنني أتمنى أن يكون وقعه علينا أخف وطأة وأقل صعوبة عسانا نواصل استمتاعنا بما يتيحه لنا الشهر الكريم بألوانه وأضوائه واحتفالاته من فرص فرح وبهجة ورضا بالحال.
تنشر بالتزامن مع جريدة الشروق
