طلال سلمان

ألمانيا أمام اختبار جديد

أكاد أتصور شماتة كل من فلاديمير بوتين ودونالد ترامب في السيدة آنجيلا ميركيل بعد أن تأكدت نتائج الانتخابات البرلمانية الألمانية. أكاد في الوقت نفسه أتصور الزيادة في عزم السيدة ميركيل على تعويض خسارتها، بل وتعويض خسارة الوسط السياسي الألماني كله، بالإصرار على الاستمرار في الحكم وادخال التغييرات الضرورية على بعض سياساتها وكسر شوكة الشعبوية المتسللة إلى السياسة في المانيا ووقف زحف اليمين المتطرف. ميركيل تدخل اختبارا جديدا لعله الأصعب في مسيرتها السياسية الطويلة.

***

كانت الحملة الانتخابية التي توقفت نهاية الأسبوع الماضي الأشد مللا في تاريخ الانتخابات البرلمانية الألمانية. في الوقت ذاته، كانت الانتخابات الأكثر دلالة على بداية حقبة جديدة في التطور السياسي في واحدة من أهم الدول الأوروبية، بل الأهم على الإطلاق من نواحي عديدة. وكانت أيضا الحدث الذي أوجز بسرعة حقائق عن ألمانيا السياسية لم أتوقف أمامها لعدم التخصص في الشئون الألمانية. أضرب مثالا. قليلة هي الدول التي تسمح قواعد العمل السياسي فيها لحزب معارض بأن يكون طرفا مشاركا في الحكم مشاركة حقيقية ومسؤولة. من هذه الدول القليلة وربما على رأسها المملكة المتحدة. أذكر كيف ألهب هذا النموذج في الحكم خيالنا الشاب حين كنا طلاب علم ندرس لأول مرة تجارب الحكم الديموقراطي. لم يكن يخطر على بالنا، وكان البال رخوا في ذلك الحين، أن تكون للمعارضة حكومة ظل تقرأ ملفات القضايا، وبعضها عالي السرية، في وقت كنا في مصر نفتقر إلى صحيفة أو إذاعة، ولا أقول حزبا، يحمل صفة المعارضة. وجدنا هذه النموذج في بريطانيا وعشنا منذ ذلك الحين نتابع بالإعجاب وبعض الحسد عملية تداول السلطة في ذلك البلد، حتى جاءت هذه الدورة من انتخابات ألمانيا لتكشف لي عن نموذج آخر قريب جدا من النموذج البريطاني.

يفترض النموذج الألماني كقرينه البريطاني أن حزبا، أو ائتلافا من أحزاب، المعارضة الذي يحصل على ثاني أكبر عدد من المقاعد في البرلمان يحق له، بل يتعين عليه أن يقبل بتحمل مسئوليته كطرف في الحكم. يظهر هذا الالتزام من وجوب تولي أحد أعضاء هذا الحزب أو الائتلاف المعارض رئاسة لجنة الميزانية. بمعنى آخر، يحق للمعارضة من خلال هذا المنصب، التأثير في قضايا حيوية مثل الدفاع والأمن والتسلح وتكاليف الاندماج الأوروبي وتطوير أنماط الانتاج في الصناعة. أعترف أنني توقفت طويلا أمام القرار الذي اتخذه السيد شولتز، رئيس الحزب الاشتراكي الديموقراطي، برفض الاستمرار في ائتلاف الحكم بقيادة السيدة ميركيل وحزب الديموقراطية المسيحية مفضلا تولي مسئولية المعارضة الأساسية في البرلمان. تساءلت، وسألت خبيرة ألمانية مقيمة في القاهرة، إن كان مثل هذا القرار يمكن أن يصدر بدون التشاور مع السيدة ميركيل المكلفة بتشكيل الحكومة الجديدة. أجابت بأن كلا من ميركيل وشولتز في أمس الحاجة لإعادة تنظيم صفوف حزبيهما ربما أكثر من خشيتهما من وجود حزب متطرف في مقاعد المعارضة، فضلا عن أن ميركيل في ظروفها الراهنة لن تتحمل دفع ثمن تنازلات كان شولتز سيطالب بها لو دخل الحزبان في شراكة جديدة. لا أخفي حقيقة أنني كنت متأثرا ببعض جوانب التجربة الأمريكية حيث الاعتقاد بأن “النظام السياسي” الأمريكي تتوفر له قيادات وهياكل وقواعد غير ملموسة بالضرورة تحميه من الخروقات والنتوءات المفاجئة والمهددة لاستقراره وعقيدته. تصورت لأطول من لحظة أن قرار عدم تشكيل حكومة ائتلافيه لأول مرة منذ سنوات عنيدة تقف وراءه رغبة “قادة النظام السياسي الألماني” منع وصول نواب إلى داخل البرلمان يمثلون حزبا جديدا من خارج النظام مشكوك في نواياه ضد هذا النظام. اقتنعت، بسبب نقص حججي، بالرأي الآخر، رأي الخبيرة الألمانية.

***

كانت فعلا انتخابات مملة ولكن تركت لنا دلالات مهمة عن حال السياسة في المجتمعات الغربية وحال الديموقراطية المنحسرة وحال الصعود الملح من جانب القوى اليمينية في أوروبا بخاصة. فسر البعض منا وصول ماكرون إلى الرئاسة في فرنسا بأنه ضربة قوية لليمين الأوروبي الصاعد. أخطأ أصحاب هذا الرأي لأنه تجاهل حقيقة أن مارين لوبين حصدت أكثر من أحد عشر مليون صوت في الجولة الثانية من انتخابات الرئاسة. ثم أننا لا يجوز أن نقلل من أهمية صلابة الرئيس ترامب وصموده. هو رمز صعود التيارات الشعبوية اليمينية والقومية. هو أيضا في رأيهم رمز ناجح وعزيز عليهم. لاحظنا مثلا الالتفاف القوي من جانب قواعده الشعبية ومن عديد القوى اليمينية والشعبوية في العالم الخارجي وبخاصة الحاكمة منها حول موقفه من لاعبي كرة القدم الأمريكيين الذين رفضوا أوامره لهم بالوقوف احتراما للنشيد الوطني، وانضم إليهم احتجاجا على الرئيس قطاع مهم من رجال الأعمال. نعم، أتصوره شامتا في السيدة ميركيل لوصول ُثمان وثمانين مرشحا عن حزب البدائل اليميني المتطرف إلى البرلمان الألماني.

في واقع الأمر لا يوجد ما يؤذن لميركيل أو ماكرون أو غيرهما من قادة الوسط السياسي الأوروبي المتزايد الانكماش بأن الوضع قد يتغير قريبا لصالح الوسط. العكس هو الاحتمال الأقوى بالنظر إلى التعقيدات الاجتماعية التي مازالت تثيرها موجات العولمة، وبخاصة نقص الوظائف، بالإضافة إلى آثار الهجرات الإسلامية إلى أوروبا والغرب عموما، كلها وغيرها عوامل تشير إلى احتمال أقوى بأن تزداد تعقيدات الحالة التي تعيشها أحزاب وتيارات الوسط، هذا الوسط الذي لم يبلغ انكماشه في أي وقت وفي ألمانيا على وجه الخصوص درجة انكماشه الراهنة.

من هذه العوامل على سبيل المثال؛ الانحسار المتواصل لقوى اليسار في العالم، استنادا إلى اعتقاد قديم بأن اليسار كان دائما المصدر الأساسي والمتجدد الذي يزود الوسط السياسي في معظم الدول بالأفكار والخبرة التنظيمية، وأنه مع انحساره فقد الوسط هذا المصدر فزاد اعتماده على قوى اليمين أو تسللت إليه وفي حالات كثيرة ومعروفة هيمنت وتحكمت وعززت روابطها بتيارات اليمين المتطرف أو سمحت لها باحتلال بعض قواعدها الجماهيرية.

***

لن تكون مهمة السيدة ميركيل سهلة فالظروف والعوامل المعيقة لها، كما أشرت، كثيرة وبعضها هيكلي يمس صلب البناء السياسي والأيديولوجي للنظام الألماني. هناك اعتبارات أخرى تضيف إلى متاعب أي تشكيل حكومي تختاره ميركيل لولايتها القادمة. هناك أولا القضية المؤجلة والمتعلقة بتحديث قواعد الإنتاج الصناعي الألماني والتحول إلى “الترقيم” الكلي إن صح التعبير، وهو المجال الذي سبقتها إليه الصين وتحاول اللحاق بها أو مسايرتها الولايات المتحدة. تكلفة هذا التحول باهظة تمويليا واجتماعيا وتأهيليا وسياسيا. أتصور أننا سوف نرى على الفور بعض ملامح هذه التكلفة في المفاوضات التي تزمع ميركيل مباشرتها مع حزب الأحرار الذي يمثل جمعيات رجال الأعمال ليدخل شريكا معها في ائتلاف الحكم ومع حزب الخضر. من ناحية ثانية فقد لفت نظري أحد الاقتصاديين المراقبين للحالة الألمانية إلى احتمال أن يشهد عهد ميركيل القادم إنتاج آخر سيارة ألمانية وخروجها إلى السوق العالمية على ضوء احتمال استمرار الأزمات التي ضربت هذه الصناعة خلال العقد الأخير. وهو احتمال غير مستبعد أن يتحقق على ضوء التجربة. من ناحية ثالثة، سوف يتعين على حكومة ميركيل مواجهة الحملة المعادية للهجرة بشبكة سياسات شجاعة وحاسمة ومكلفة لتسريع عملية دمج مليون مهاجر في المجتمع الألماني. أتصور أن خصومها في حزب البدائل لن يتركوها تحقق هذا الهدف في هدوء وبعيدا عن الإثارة التي سوف يستخدمها نواب الحزب في البرلمان الذي جاؤا إليه وفي نيتهم كما أعلنوا “اصطياد ميركيل” عند كل خطوة تخطوها في تعاملها مع قضية الهجرة. من ناحية رابعة، يتوقع السياسيون الألمان على مختلف مشاربهم أن يتكثف الضغط الخارجي على الحكومة القادمة لتزيد مساهمتها في تنفيذ خطط الأمن الدولي والاقليمي. هذه الزيادة ستضيف إلى أعباء ألمانيا الاقتصادية فضلا عن أنها سوف تفتح الباب أمام المعارضة غير المسؤولة لإثارة زوابع سياسية في البرلمان وخارجه. من ناحية خامسة، لا يخفى على أحد أن البنية التحتية الألمانية تعرضت في السنوات الأخيرة إلى إهمال بسبب ارتباطات ألمانيا والتزاماتها تجاه الدول الأقل حظا في المجموعة الأوروبية، وأن جوانب معينة في هذه البنية تحتاج تدخلا عاجلا قبل أن يستفحل العجز.

سمعت في مصر وفي أكثر من دولة عربية ما يشبه الشماته في ألمانيا والدول التي ما زالت تصر على إجراء انتخابات “ديموقراطية وحرة وشفافة”. يقولون هكذا وبفضل هذا النوع من الانتخابات وصل أكثر من ثمانين نائبا يمينيا متطرفا إلى البرلمان الألماني. ها هي السيدة ميركيل تدفع ثمن حماستها للديموقراطية والانتخابات الحرة وحقوق الانسان.

إنه بالفعل لتطور مثير في السياسة الداخلية والخارجية على حد سواء، أن نرى حلفا عالميا قويا معاديا للديموقراطية وحقوق الانسان يضم في صفوفه أنصارا للاستبداد بكل ألوانه وأهدافه، الديني والمدني، الأبيض والأسود، اليميني واليساري، الهندوسي والإسلامي، البوليفاري والكولونيالي، الشيوعي الأصل والنازي، البوتيني المزاج والترامبي الهوى.

تنشر بالتزامن مع جريدة الشروق

Exit mobile version