طلال سلمان

أزهى عصور الكذب

أشفق على أمريكيين كثيرين، بينهم أصدقاء وزملاء دراسة، وبينهم أفراد من عائلتى الصغيرة. أسمعهم يشكون بصوت عال من الصورة الهزلية التى تظهر فيها قيادة الدولة الأعظم منذ أن فاز دونالد ترامب بمنصب رئيسها. كلهم غاضبون من رئيس يكذب كما يتنفس ولا يرى فى ممارسته الكذب ما يؤذيه شخصيا أو يسىء إلى المنصب الذى يحتله. أعرفهم نشأوا فى بيئة لا تشجع على الكذب لأنهم فى غالب الأحوال والمواقع ليسوا فى حاجة إلى الكذب. ما لا يحصل عليه الفرد منهم بكفاءته وقدراته الذاتية سوف يحاول أن يحصل عليه بالقانون أو بغيره، ولكن نادرا ما يلجأ للكذب. نحن هنا نرى الأمر بشكل مختلف. نرى أن أكثر من عرفناهم من رؤساء أمريكا كانوا من الكاذبين. كذبوا فى كل تصريح أو قرار يتعلق بقضية فلسطين وكذبوا ليحتلوا العراق وكذبوا ليغزوا ليبيا وليعطلوا تحقيق سلام فى سوريا وكذبوا ليتدخلوا فى مسار ثورة يناير المصرية. كان عذرهم الثابت أن سياستهم الخارجية تخضع لمتطلبات مصالح أمريكا القومية والضغوط الداخلية ومنها ضغوط الرأى العام والكونجرس. ومع ذلك أجد نفسى متعاطفا مع الشاكين من الكذب الممنهج الذى تمارسه إدارة الرئيس ترامب ويمارسه هو شخصيا. أتعاطف معهم لأن ترامب أساء إلى صورة أمريكا أبلغ إساءة بممارسته الكذب المفضوح، وهى الممارسة التى فرضت على سياساته وقراراته التقلب وأثارت فى العالم الخارجى قلق، وفى حالات بعينها مثل اليابان والصين وألمانيا وإسرائيل دفعت إلى اتخاذ مواقف استنفار وتأهب. لا أنكر أن بعض القلق انتقل ناحيتى وإن لسبب آخر.
***
بطبيعتى ولمعرفتى بتاريخ الدول الفاشية أتوجس دائما الخطر الذى يمكن أن تتسبب فيه تصرفات حكام مغرمين بالغموض والسرية. أراقب بالاهتمام الممكن ما يجرى فى فرنسا وبولندا والنمسا وألمانيا والمجر. فى كل هذه الدول ودول أوروبية أخرى تنتشر تيارات وتقوم أحزاب يقودها نساء أو رجال ديماجوجيون. هؤلاء، مثل دونالد ترامب، يرفعون شعار الدعوة لحماية أقلية أغفلها السابقون ومستعدون دائما لإثارة الشعور الوطنى يكسبون به دعم المتضررين من النظام الاقتصادى القائم ومن العولمة وتأييد الغاضبين من غزو ثقافات غريبة عن ثقافتهم القومية. خشيتى من هذه الحكومات لها ما يبررها فى تاريخ أوروبا وأمريكا اللاتينية وبلادنا العربية. كل حكومة من هذه الحكومات تعثرت إنجازاتها تدرك تماما أن الجماهير المثارة وطنيا والغاطسة فى بحار من الشعارات والمخدوعة بتدفقات الكذب هى الجماهير التى يمكن دفعها بسهولة نحو حروب ومغامرات خارجية، وهى الجماهير ذاتها التى مارست الخروج إلى الشارع لإسقاط نظام وإقامة غيره. هى تلك التى تجوب لليوم الثالث عشر ميادين وشوارع رومانيا لتسقط نظام حكم فاسد وكانت قبل شهور معبأة وطنيا ضد المهاجرين واللاجئين.
***
كاتبة كبيرة كتبت تصف الحال فى بلدها الأوروبى. مجتمع يسرح فيه الفساد مدعوما بالكذب. هنا فى بلدى، تقول الكاتبة، يعتقلون المعلومة ويعذبون الخبر. الحقيقة استبدلوها ببديل جاهز والخبر تغيرت معالمه. لم ينتبهوا إلى أن الغموض والكذب يولدان الفضول، وأن ضغط الفضول يثير الشائعات، وأن كثرة الشائعات يتبعها كثرة التسريبات التى بدورها تكشف تشققات جدر السلطة بما يلحق بها من استقالات وتعديلات بين الوزراء وأعمدة الحكم. فى رأيها أن السياسيين فى بلدها، وبلاد أخرى منها أمريكا الترامبوية، يكذبون لأنهم يعدون جماهيرهم بوعود لا يقدرون على تنفيذها. يتعهدون بإعداد المجتمع لتبنى الديمقراطية نظاما للحكم، ولكنهم يفعلون كل ما من شأنه غرس الوقيعة بين الشعب والديمقراطية. لا يحترمون الدستور الذى جاء بالحاكم القوى إلى الحكم فى بلدها، صربيا. التزم الرجل بتمهيد المجتمع ونقله من حظيرة الفاشية التى حكمته عقودا عديدة إلى ساحة الديمقراطية الرحبة. لكنه لم يشجع التمثيل الصادق لفئات المجتمع فى مجالس التشريع والمحليات. أخفى الحقائق عن الناس وأبدع فى صنع معلومات زائفة. لم يحترم مبدأ توازن السلطات بل أقدم على تنحية قضاة وتشويه سمعة آخرين. لم ينفذ وعده تدريب الجيل الجديد على احترام حقوق الإنسان والإيمان بالديمقراطية والمشاركة السياسية وأصول العمل المدنى والسياسى. ركز اهتمامه على تنشيط الروح القومية لدى الشباب وإثارة شعورهم فى حب وطنهم للوقوف فى وجه معارضيه السياسيين، الخونة وأعداء الوطن.
***
الاحتمال ما زال قويا أن تستقر وتقوى حكومات أوروبا الشعبوية وتقوم فيها حكومات شعبوية جديدة. فى حال انتصر هذا الاحتمال لن يوجد من ينكر أن الفضل يعود إلى اثنين: فلاديمير بوتين ودونالد ترامب. لا يخفى أى من الزعيمين تشجيعه ودعمه هذا النوع من الحكومات. بل أن الدور الروسى فى وصول ترامب إلى البيت الأبيض ما زال محل تحقيق فى الولايات المتحدة أما الدعم المادى والمعنوى الذى تقدمه موسكو لأحزاب يمينية متطرفة فى دول أوروبية فقد أكدته تحقيقات إعلامية متعددة.

احتمال آخر ما يزال قويا وهو أن تتصاعد الحرب الدائرة حاليا بين أجهزة الإعلام الأمريكية ونظام الرئيس ترامب. الواضح من وجهة نظرى حتى الآن هو أن المعركة لن تحسم قريبا لصالح أحد الطرفين. رأينا كل طرف يحقق مكاسب هائلة ويستعد لمواجهات أعنف. لقد فاجأ ترامب الإعلام الأمريكى بسلاح لم تستعد الصحافة الأمريكية للتعامل معه. فاجأها بالتغريدات التى تنطلق من قلمه بسرعة وكفاءة بندقية سريعة الطلقات. لم تكن الصحافة وغيرها من المؤسسات الإعلامية مؤهلة للتعامل مع هذه السرعة ولا هذا الكم من الكذب. استطاع ترامب فعليا إنهاك الصحفيين بحثا عن الحقيقة وتفنيدا للحقائق البديلة التى يخترعها ترامب وجهازه، ولكنه بهذه الهجمة على الصحافة ربما يكون قد أطلق الفرصة للمؤسسة الإعلامية الأمريكية لتتغير، وإذا لم أكن مبالغا ففى ظنى أن ثورة جديدة توشك أن تنشب فى الساحة الإعلامية الأمريكية وفى العلاقة بين الإعلام والسلطة.
***
ممارسة الكذب ليست جديدة على السياسيين أو على الصحفيين. جاء وقت كان الكذب وحده يتحمل مسئولية الشك المتبادل فى العلاقات بين الشعوب من ناحية والسياسيين والصحفيين من ناحية أخرى. تدهور الوضع فلم يعد الكذب فى الرسالتين السياسية والإعلامية فى دول كثيرة ممارسة وقتية أو ظرفية، صار هو القاعدة بدليل أننا نناقش هذه الأيام ظواهر من نوع «الحقيقة البديلة» و«هيمنة الخبر الزائف» وشعارات من نوع «القوة فوق الحق» و«استعادة عظمة الدولة» و«نقاء العنصر الأبيض». هذه وغيرها من علامات عصر إعلامى جديد لم يطرق بابا أو يستأذن.

 

نشر في جريدة الشروق

Exit mobile version