طلال سلمان

وليد الخالدي الذي تسكنه القدس.. خلف الغياب!

نشرت في جريدة “السفير” ضمن “هوامش” بتاريخ 21 تشرين الثاني 2003

سحقت الخيبات المتلاحقة الأمل فجعلته نثاراً من الأحلام المكسورة… لكن فلسطين التي تملأ القلب والفكر والعين لا تنفك تكبر وتتعاظم وتمتد في شرايين المستقبل، مستولدة من دمها اليقين الذي لا يتزعزع عند وليد الخالدي.

كانت »الغربة« مساحة للدعوة، فصيرتها الهزائم العربية مساحة للاضطهاد والتجريح. صارت الهوية الفلسطينية مصدراً للاتهام الفوري بالارهاب… بل لقد صار توكيد الانتماء العربي يعادل الاعتراف باحتراف الارهاب، فكيف اذا كان »المتهم« فلسطينيا وبالتالي عربيا ومن ثم مسلما؟ (في هذه الحالة فإن الفلسطيني العربي مسلم حنيف حتى لو كان مسيحيا منذ بداية التاريخ..).

ووليد الخالدي، الاكاديمي المتميز والاستاذ الجامعي المعروف، والذي حاول حفظ الذاكرة الوطنية للارض وأهلها عبر مؤلفاته التي صرف فيها بعض عمره ليحمي »بلدانية فلسطين« بمدنها وقراها ودساكرها جميعا، والقدس هي البداية والختام دائما، يسائل نفسه الآن: هل هو يعرف اميركا والاميركيين حقا؟!

لقد عاش داخل المجتمع الاميركي نصف عمره تقريبا، فدرّس في بعض اهم الجامعات، وعرف الكثير عن النخب الاميركية، وتعرف الى الكثير من قادة الرأي بل ومن أهل السياسة ايضا، وبنى صداقات وطيدة على قاعدة من الشرح والإقناع بعدالة قضيته: فلسطين… لكنه الآن يكاد يرى هذه الدولة العظيمة في صورة مغايرة تماما لما عرفه عنها وفيها. انها تمشي مسرعة نحو »الامبراطورية« الامبريالية، وتتصدى لصنع القرار فيها مجموعات من المتعصبين ممن يطلق عليهم تسمية »المحافظين الجدد«، ويساند هؤلاء ويدعمهم قطاع واسع من الاميركيين استدرجوا الى دين جديد هو »المسيحية الصهيونية« فباتوا اكثر تعصبا لاسرائيل من الاسرائيليين انفسهم وأكثر كراهية للعرب (والمسلمين) من أبطال الحروب الصليبية العتيقة.

لكأن اميركا القرن الحادي والعشرين غير اميركا حق تقرير المصير، فالدولة الاعظم هي من يقرر المصائر للدول والشعوب، وهي من يقرر الحقوق لأصناف معينة من البشر وليس لأي انسان.

تنضح المرارة في حديث وليد الخالدي عن هذه »الاميركا« التي يكاد ينكرها، اما الحزن فيغطي فضاء القاعة عندما ننتقل بالحديث الى السياسات العربية، والى حجم »التأثير« العربي على القرار الاميركي، ثم عندما ننتهي الى استعراض الوضع القائم داخل فلسطين، وإلى »حالة« سلطتها.

المقارنة مفجعة بطبيعة الحال بين الاجتياح الاسرائيلي للادارة الاميركية وبين حالة التذلل والتنازل والتردي والاستعطاف والاستسلام التي يمارسها العديد من الانظمة العربية للحصول على »عفو« اميركي اسرائيلي سامٍ، ولو بالتخلي عن الاستقلال والسيادة والكرامة الوطنية وليس فقط عن الحلم بتحرير فلسطين او بدولة ممسوخة لها على أقل من ربع مساحتها الاصلية!

نسأل وليد الخالدي: ألم تذهب الى فلسطين بعد إقامة »السلطة« فيها؟! يجيب من خلال مرارته: الى أين اذهب، وإلى من اذهب؟! كانوا في الخارج في ثياب الثورة والكفاح من اجل التحرير. وحين دخلوا صاروا »سلطة« هي موضوعيا في خدمة الاحتلال.

ولم تزر حتى القدس؟!

ثمة سحابة من الأسى في عينيه وهو يقول: آخر مرة ذهبت الى القدس كانت في العام 1965، قبل سقوطها في هزيمة 5 حزيران بعامين.

ولكن القدس تسكن وليد الخالدي… لا هي تغادره ولا هو ينسى أدق التفاصيل فيها. انها ليست مدينته فحسب. انها بيته ومحجته وملعب طفولته ومثوى اجداده. انها ماضيه وحاضره ومستقبله المسفوح دمه على عتباتها.

»لكي لا ننسى…«

لا يمكن ان ننسى. لكنني لم استطع ان اقبل نفسي فيها وهي تحت الاحتلال الاسرائيلي. ابنائي يذهبون ويعودون اليّ بأخبار تقطيعها وتفتيتها بالمصادرة او بالتملك القهري. الحزن لا يحتاج الى الطائرات. انه يعبر السموات ويصلك حيثما كنت. بل انت تحمله في قلبك ولا يأتيك من الخارج. الهزيمة في صدرك فكيف تتخلص منها طالما عز الانتصار. المهم الا تستسلم لليأس. المهم الا تقر بالهزيمة وكأنها مصيرك اليوم وغدا وإلى الأبد. المهم الا ننسى… ولهذا كتبنا ونكتب وننقل الوديعة من صدورنا الى صدور الابناء والاحفاد حتى لا يضيع منهم الطريق.

الوطنية لا تحتاج الى الخطابة بصوت متهدج وكلمات مدوية بسبب فراغها من المعنى.

الوطنية العمل. الوطنية حماية الذاكرة. الوطنية الا ينسى الانسان اسمه وأرضه، وألا يعتبر »التحرير« مهمة غيره، حتى لو عجز عن انجازه.

الوطنية ان تتقدم بالعلم والكفاءة والاجتهاد والتضحية والتنظيم على الطريق نحو فردوسك المفقود والذي عليك أن تحرره فتستعيده ولو بعد حين: فلسطين!

Exit mobile version