طلال سلمان

هوامش

ـ كاظم الساهر الذي يغني بذكاء محمد عبد الوهاب

يتحسر عشاق الطرب الأصيل على زمان الغناء الذي يرون انه قد أخلى مكانه للهواة أو لمن تغني بجسدها بدءا بالعينين وانتهاء بالساقين، أو لمن يغني بقدميه وقد أرخى على كتفيه كوفية مستعارة.
اختفت «ليالي الأنس»، بالمعنى العتيق، التي يتلاقى فيها أهل الطرب من حول صوت مطرب أو مطربة ويستعيدون كلاسيكيات أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وزكريا أحمد ومحمد القصبجي، مع وصلات مختارات من عبد الحليم حافظ وفايزة أحمد، وان ظلت فيروز المدخل إلى ليل النغم والخاتمة المبشرة بالصباح الجديد.
هذا لا يعني ان المطربين الشباب والمطربات الشابات الذين واللواتي نشأوا في زمن الأورغ الذي يغني من التخت الشرقي او يستخدم مع غابة من الكمان والكونترباس والمستحدث من آلات ضبط الايقاع، ليس لهم جمهور يفضلهم وينتعش بوجودهم وبأغانيهم المفصلة على مقاسات غربية للرقص الشرقي، بل ان هذا الجمهور هو الغالب في زمن اغتراب العرب عن أنفسهم، في السياسة كما في الثقافة وبين ابداعاتها فنون الموسيقى والغناء.
بين هؤلاء جميعا يبرز كاظم الساهر كظاهرة استثنائية، في عالم الغناء، إذ جمع إلى طلاوة الصوت ذكاء باهراً، فضلاً عن الأنس والحزن العراقي المعتق.
ربما لهذا كله، أجد محمد عبد الوهاب يقتحم عليّ متعة الاستماع إلى كاظم الساهر، سواء أكان حاضراً أم جاءنا صوته عبر الإذاعات مرئيةً أو مسموعة.
فذكاء هذا الفنان العراقي المميز الذي بات يجمع بين الغناء والتلحين (مع محاولات لكتابة أغانيه) يسبقه الى المسرح، ثم يرافقك وأنت تدندن هذا المقطع أو ذاك من أغانيه المميزة، التي أحلّته في القمة بين المطربين العرب.
وقبل خمس عشرة سنة، أو يزيد قليلا، ذهبت لسماع كاظم الساهر، بصوته الحي، في سهرة ارتجلت على عجل في فندق في شتورة. كان حديث القدوم من العراق، بشعره الطويل المجعد، يخالط تواضعه شيء من الرهبة، وترتبك، وهو يؤدي مع أفراد فرقته، الدبكة العراقية التي تُحِلّ ارتجاج الاكتاف وانعقاد الخناصر محل «خبطة قدمكم» الهدارة.
لم تكن قد انفتحت أمام كاظم الساهر كنوز شاعر الهوى والجمال والأمل المنشود، نزار قباني، ليغرف منها فيغني مختارات تعبق نشوة، كانت تنتظر صوتا مثقفا مثل صوته، بتوجيه من عقل كثيف الحضور حتى لحظة الذروة إطرابا وإمتاعاً.
في تلك الحفلة في شتوره، فاجأ كاظم الساهر الجمهور الذي كان يلتقيه ـ شخصيا ـ للمرة الأولى، على الأرجح، بأن اندفع بين فاصلين عراقيين ليغني واحدة من روائع محمد عبد الوهاب: «كل ده كان ليه».
كانت المفاجأة ممتعة حين انطلق الصوت العفي يغني، بأسلوب عبد الوهاب، بداية، ثم ينساب متدفقاً حتى ذروة الطرب، مستحضراً شباب صوت ذلك المطرب العظيم، والجمهور المحدود يطارده بالآهات، ثم يصمت مأخوذاً بهذه الموهبة الجديدة والواعدة بنمط جديد من الغناء.
غنى كاظم المقطع الذي يمكن اعتباره في مواقع «الموال» في الأغنية، وأعاد ثم أعاد فأجاد، وترنم فأطرب وأطلق «الليالي» ذروة بعد ذروة حتى انتشى الناس فتبدوا سكارى وما هم بسكارى.
وعندما حاول كاظم العودة إلى أغانيه العراقية، أصر عليه الجمهور أن يبقى ساعة أخرى مع عبد الوهاب وتساؤلاته المنداحة في بحر العتاب.
وجدت نفسي أهتف من دون قصد: أينك عنا يا محمود.
وكنت أقصد محمود درويش، الشاعر العظيم، الذي غادرنا قبل ان يكمل قصيدته التي تكاد تكون تلخيصا بأحزان الرؤيا لحاضرنا ومولوده المهجّن: مستقبلنا.
ذلك ان محمود درويش، المتكتم في هواياته كما في أسرار عشقه، كان يعتبر محمد عبد الوهاب «أرقى فنان عربي»، سلوكاً وموهبة، غناء وتلحينا… ولعله كان «يغار» من ذكائه!
وأذكر أننا كنا، ذات يوم، في السيارة إلى موعد. وعبث محمود بإبرة المذياع، ثم إذا به يصرخ: تمهل، تمهل، ابق إلى اليمين.
ولأنني أعرف انه لا يناقش، فقد التزمت اليمين وخففت السرعة لأفاجأ بمحمود يرفع الصوت إلى أقصى مداه ليدوي صوت عبد الوهاب بكلمات أغنية «كل ده كان ليه»، وكان قد بلغ ـ بالتحديد ـ ذروة التجويد في مقطع «الليالي»، الذي كنت ـ الآن ـ استمع إليه منتشيا من كاظم الساهر في شتوره.
قال محمود درويش: عبد الوهاب عبقري الغناء العربي. سيعيش بعد الغياب ألف عام. قد ينساه هذا الجيل، لكن أجيالاً قادمة ستعود إليه. لقد زرع نفسه في وجداننا، فهو قد غنى كل الألوان، لم يكتف بالقمة، بل هو كثيرا ما نزل ـ بالرغبة منها ـ لينافس أو ليزرع نفسه في جيل أو جيلين من أهل الطرب.
انتبهت إلى صوت كاظم الساهر وهو يخاطب الجمهور الذي كان يلح عليه في طلب المزيد من أغانيه، قائلاً: ألم تتعب أصواتكم؟!
ضحك الجمهور وغمر كاظم بالمزيد من آيات الاعجاب والتقدير والإلحاح بطلب تمديد السهرة في قلب النشوة.
ستمر سنوات قبل ان يتاح لي ان أسهر، مرة جديدة، مع صوت كاظم الساهر، في حفلة له في مهرجان بيت الدين.
كانت الدنيا غير الدنيا، وكاظم اليوم فنان متمكن، تعاظم ذكاؤه بالثقافة، وأضاف إلى تهذيبه الفائق العلم بفن التعامل مع الجمهور، فالشابات خصوصاً والنساء عموما بتن يشكلن الأغلبية الساحقة من هذا الجمهور الآتي ليشرب من نهر الحب المتدفق رقراقا. وقد منحه الصوتَ الجميل، مصحوبا بالحساسية الفائقة، والتهذيب العراقي الذي يموه القسوة الموروثة الكامنة في الأعماق والتي كثيرا ما استحالت بكاء بل نواحاً يمزق نياط القلب.
وحدي من دون الآخرين كنت ارى ظل محمد عبد الوهاب يرف من فوق كاظم الساهر وهو يداعب جمهور العاشقات والمعشوقات والمحرومات من العشق واللواتي هجرهن العشاق او اللواتي ينتظرن عند عتبة العشق او عند شبابيك الورد وصول من ينتظرن، ويفترضن ان صوت كاظم قد يشكل الجسر فيقرب موعد التلاقي.
كاظم الآن يغني بحساب. يقسم الوقت بين الموسيقى التي دخل عالمها السري، فأضاف إلى شرقيته قدراً محسوبا بدقة من الموسيقى الغربية، مع وعي بموقع كل آلة ودورها في نسيج اللحن، فصار بإمكانه ان يقنّن استخدام صوته، او فلنقل: استثماره، فيظل مرتاحاً في الأداء، يواكب اللحنَ الصوتُ ويغطيه وينوب عنه في «التطريب»، فيحتفظ كاظم بطاقته كاملة… ثم انه، بمعرفته بمكامن الإحساس ومواقع الالتهابات الحادة في وجدان الجمهور، فانه يشركه معه ليس في الاختيار فحسب بل في الأداء ايضا، محتفظاً لنفسه بمحطات مقصودة للاثارة وإلهاب الفضاء بالتصفيق والهتاف وصرخات النشوة او تنهدات التحسر على ما فات.
ولأن غالبية الجمهور من النساء، او بالأحرى لأنهن الأعلى صوتا والأكثف حضوراً، فإن كاظم يخلي مساحة واسعة لنزار قباني تاركاً للنساء ان يستعدنه غناء، فتكون له الطلقة الأولى ـ وعبر استفتاء شعبي ـ بينما يتحول الجمهور إلى كورس، مما يذكّر بعبد الحليم حافظ، على وجه الخصوص، او بمطربي الألوان «اللبنانية» او «البدوية» التي تلقى الآن رواجا عظيما يعكس إلى حد كبير أحوال السياسات العربية التي تعيدنا إلى الخلف وهي تدعي انها تفتح لنا أبواب المستقبل.
كاظم الساهر علامة فارقة في عالم الغناء والموسيقى، وهو يمد عقله وبصره إلى المستقبل من دون ان يقطع مع ماضيه، بذريعة انه متخلف، ثم انه يعمل للارتقاء بذوق جمهوره، بينما كثير غيره يدمر هذا الذوق.. بالطبل.

ـ عن المغرب والحصان المفتقد لربطه بالمشرق

ممتع هو اللقاء مع مثقف مغربي، وأكثر امتاعاً إذا تم اللقاء مع مثقفة مغربية… فكيف إذا كانت شاعرة؟!
الثقافة، هنا، تمتد من اللغة ذاتها إلى الدين بالموروث والمحدث، وان ظل القرآن الكريم حاضراً بقوة، فإلى الشعر قديمه والجديد مع دفق غزير من الأندلسيات التي يدهشك ـ في لحظات ـ كم هي راهنة، وكم هو عميق مدى تأثر الشعراء العرب المعاصرين بأسلافهم الكبار الذين تجاوزوا عصرهم برؤاهم التي تتبدى وكأنها قيلت غداً.
والثقافة في المغرب تشمل، في الغالب الأعم، النتاج باللغتين العربية (مع لكنة أندلسية) والفرنسية (مع استشراف مستقبلي).
يدخل في الثقافة تذوق الموسيقى والاجتهاد في الغناء بألوانه الأندلسية والشعبية عموماً، وان ظل «الفن المصري» حاضراً بقممه الشامخة: أم كلثوم وعبد الوهاب واسمهان وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش، يليه «السوري» بالموشحات والوان الطرب الحلبي الذي يرونه امتداداً للنشوة فيها… ولعلهم يتأكدون عبره من صلة القربى بالوجدان والتاريخ والمعتقد، مع اقتحامات «لبنانية» أخذت تحتل مساحة تتزايد باستمرار مع موجة تدفق المطربين والمطربات على المغرب، وانطلاقاً من مهرجانات أصيلة على وجه التحديد.
لا تستغرب ان رحبت بك المغربية شعراً اختارته في لحظتها، او ان هي استشهدت في سياق حديث عادي بواقعة عمرها ألف عام، مؤكدة التواصل في الوجدان، خصوصاً وان اللحظة السياسية التي نعيش في ظلالها تكاد تشابه في دلالاتها المأسوية الحقبة الأخيرة في عمر الأندلس العربية التي لخصها شعراً ذلك البيت الخالد:
«أعطيت ملكا فلم تحسن سياسته
ومن لا يسوس الملك يخلعه»
فإن لم يكفِ الشعر في توصيف الكارثة (سواء تلك التي أنهت الوجود العربي في بعض الشاطئ الأوروبي المواجه للمغرب. ام تلك التي تتهدد العروبة في أرضها الآن) فهناك الكلمات الخالدة التي قالتها والدة ملك قرطبة لابنها المهزوم حين رأته يتفجع بعد هزيمته: «إبكِ كما النساء ملكا لم تستطع ان تحميه كما الرجال…» ومن أسف اننا لا نعرف بلاد المغرب، ولا نعرف عن المغرب الذي نراه «أقصى» الا ما يتصل بالسياسة، وهي متقلبة ولا تعكس في الغالب الأعم، لا أصالة الشعوب ولا طبائعها، ومن باب أولى انها لا تعكس ثقافتها التي تشكل وجدان الناس، وتظل كامنة تنتظر فرصة انحسار الانتهازية السياسية لتطل فتعبر عن نفسها وعن طبيعة الشعب الذي تغيبه السياسات بالمصالح والاهواء والحساسيات القابلة للاستثمار دائماً، وأحيانا بل ربما غالبا ضد مصلحة الشعوب.
قالت شاعرتنا الزائرة: المشكلة في المعرفة. اننا لا نعرف عن بعضنا بعضاً ما يكفي لنستوثق من وحدة المشاعر والأهداف. اننا لا نقرأ. لم تعد الصحيفة وسيلة للتعارف. لكل بلد صحفه التي تغرق الناس في محلياته. وليس مؤكدا ان وسائل التواصل الحديثة (الكومبيوتر والفايس بوك والتويتر) موصلة جيدة للمعرفة وللحرارة بين ذوي القربى.. ان الكتاب مهجور، او فلنقل ان توزيعه محدود… والمسافات التي قصرت بين أمم الأرض ما زالت تباعد بين المشرق والمغرب، لأن كلاً منهما يتوجه إلى «الآخر» في البعيد، ولا يهتم بقريبه في الطرف الآخر من الأرض العربية.
صمتت لحظات ثم قالت وهي تضحك: تصور ان الحصان كان أداة تقريب بل وتوحيد بين ابناء هذه الأمة اكثر من الطائرة الأسرع من الصوت… لكن المأساة ان الفارس الذي وصل إلينا على ظهر حصانه كان في يده كتاب مع السيف، اما الآن فإن الذين يقصدون المغرب من عرب النفط في المشرق يصلون على متن أحدث الطائرات إلى قصور للرغبة، تملأ جنباتها المطربات والراقصات وبنات برسم البيع، ثم يغادرون وقد ملأوا الأفق بمشاعر الكراهية والاحتقار وتسعير الرغبة في الالتحاق بأوروبا… ولو من موقع التابع، الذي يذهب اليها ليأكل بعرق جبينه وليس بصَدَقَة من شيخ نفطي لا يرى في المغرب إلا نساءه.

من أقوال نسمة
قال لي «نسمة» الذي لم تعرف له مهنة إلا الحب:
ـ تتقصد المرأة ان تثير غيرتك لتتأكد من حبك.. لكنها لا تقبل منك اعتماد اللعبة ذاتها. فكل امرأة عدو للأخرى، حتى لو كان عمرها ألف عام…
الحب لا يقبل القسمة على امرأتين، والاشتباه يلتهم الحب، عند «امرأتك» انها النساء جميعاً وأنت الرجل الأوحد!

Exit mobile version