طلال سلمان

كلام من خارج السياسية.. الفولكلورية

مع نهاية اليوم العاشر للثورة، وكما في الأيام التي سبقت، نحاول هنا أن نحصي الأحداث والتطورات في سياق تجربتنا المستجدة في محاولة الشعب إحداث تغيير يحقق طموحاته في نظام حكم صالح في لبنان.

نتعلم كل يوم تقاليد ومفاهيم جديدة في ممارسة الثورة. نتشارك بعض الممارسات مع تجارب ثورات أخرى، ونبتدع ممارسات أكثر خصوصية لطبيعة مجتمعنا وتعقيداته.


لا نعلم ما الذي ينتظرنا في كل يوم، لكن واجبنا يحتم علينا أن نجهد لنعرف خطواتنا التالية، فنخطط ونعمل على تنفيذ ما نراه مناسباً منها، ولا نتوقف عن المحاولة فنتعلم من إخفاقنا ومن نجاحنا مرة تلو مرة.

الطموح واحد، ومطالب المنتفضين في الشارع باتت واضحة. ومن الطبيعي أن يكون لدى كل منهم رأيه وقناعته وأسلوبه للوصول إلى التغيير المرجو. ومن المفيد أن يدرك الثائرون هذا الاختلاف ويقبلوه، لأنه دليل على التنوع والغنى في الإمكانات والطاقات التي يمكن أن يسخروها لإنجاز التغيير.

أما من نثور ضدهم فيملكون المال والعتاد والمناصرين، ونعي جيداً أنهم يستخدمون إمكاناتهم في مواجهة المنتفضين، في الشارع أو خارجه، يوماً بيوم ووفق مقتضيات هجومهم المضاد على مشروع يطمح إلى إبعادهم عن السلطة.

في الأيام التسعة الأولى، توارت عن الأنظار السيارات السوداء ذات الدفع الرباعي والزجاج الداكن. وها هي قد بدأت تجول في الشوارع من جديد، بهدوء ومن دون صفارات الإنذار ومن دون أن تشكل مواكب كبيرة تقطع حركة المرور كما كانت تفعل عادة.

إنها طلائع عودتهم إلى المبادرة، التي يحاولون من خلالها امتصاص ارتدادات غضب الثائرين، وإعادة تثبيت قواعد لعبة “فرق تسد” التي يتقنونها جيداً، يحاولون تظهير الخلافات بين الناس في تباينهم على أولويات مطالبهم.

يحاول الموجودون في السلطة محاصرة الساحات وتحديد نطاقها الجغرافي، وإقرار مساحاتها نيابة عن المتظاهرين ليبقوا ضمنها وليس في “الشارع” بمعناه الأوسع والأشمل. دخلوا، مباشرة أو من خلال “منظمين”، إلى تلك الساحات يجهزونها بالبنى التحتية المطلوبة من مكبرات الصوت والمسارح ودورات المياه، بهدف تحويلها إلى خزان بشري يسحبون الناس إليه فيكونو ذخيرة يتراشقون بها ويجنون المكاسب في مواجهة بعضهم البعض.
يريدون إعادة فتح الطرقات لتيسير حركة “الناس”، متجاهلين حقيقة أن هؤلاء “الناس” هم الذين يقطعون الطرقات ويتظاهرون في وجه إخفاقهم المتكرر في إدارة البلد.

يغزونا شعور بالإحباط عندما ندرك أنهم استعادوا زمام المبادرة، ويثقلنا كابوس أن نعود إلى ما كنا عليه قبل أن نثور.

كيف يمكن لنا أن نتوقع ممن قادوا مجتمعنا إلى الانهيار بأن يتولوا هم أنفسهم قيادته إلى الخلاص؟

ينبغي علينا بالأحرى أن نحاسبهم على تقصيرهم تجاهنا واستباحتهم كراماتنا ومواردنا، وهدرهم أيام عمرنا في إضاعة الفرص واستغلالها لصالح منافعهم الخاصة.

وإذا ما تراجعنا الآن، سيكون علينا أن ننتظر ألف سنة أخرى لنحظى بفرصة جديدة نتحرر فيها من استبدادهم.

أي أن المشكلة تكمن اليوم في سوء أداء الطبقة الحاكمة، وتجاوزاتها المستمرة في استباحة الحق العام. وتكمن المشكلة أيضاً في عدم قيام الناس بواجبهم في محاسبة هذه الطبقة الفاسدة على مرتكباتها وجرائمها بحقهم.

وقد تغيرت هذه المعادلة بعد أن انتفض الناس لاستعادة زمام المبادرة ووضع حد لانهيار مستقبل حياتهم.

لم يعد باستطاعة أحد أن يسلبنا ما حققناه في الأيام الماضية.

فقد حررنا عقولنا من شعورنا بالعجز والاستحالة والخوف، واستعدنا وعينا والتزامنا بأن نتحمل مسؤولية مصير حياتنا.

تحررنا لأننا كسرنا قيد الراعي والرعية، والتبعية الانتهازية، فأدركنا أننا مواطنون ومواطنات أحرار في بلدنا.

لم تعد أفكارنا أحلاماً مستعصية نهاجر بعيداً لنحققها في مكان آخر، بل باتت قابلة للتنفيذ في وطننا، إذا ما أردنا ذلك.

ولم يعد التذمر من واقع الحال محصوراً بالكلام العبثي، بل بات مطرح مساءلة ومحاسبة لمن يخفق في تحمل المسؤولية.

لن نخرج من الشارع بعد اليوم لأنه دخل إلى وجداننا، وقد أثبتنا أن الشارع لنا على الدوام ننزل إليه متى نشاء لنحاسب من خان ثقتنا، سواء في عهد سابق أو في المستقبل.

العقبة ليست عند الثائرين في الشارع، بل هم أصحاب الحق.

العقبة اليوم برسم من انتخبهم الشعب ووضعهم في السلطة، والذين عليهم أن يعترفوا صراحة، وقد تأخروا في ذلك، بأنهم فشلوا وأخفقوا في قيادة البلاد، وعليهم أن يتراجعوا ويتنحوا ويتركوا المجال أمام غيرهم ليحاول بدوره.

في بلدنا دستور وقوانين لا تطبق، ومؤسسات غير مفعلة للحكم والمحاسبة وإدارة الدولة، وآليات ديمقراطية يختار من خلالها المجتمع ممثلين عنه. من غير المعقول أن نطلب من الثائرين أن يعبروا عن مطالبهم في الشارع ومن خارج تلك الآليات، أو أن يفاوضوا الفاسدين ويفوضوهم بتحقيق مطالبهم دون شروط ملزمة تضمن تطبيق ما يطلبونه.

أياً كان الطرح الذي يمكن أن يشكل مدخلاً للحل، فيجب أن يرتكز أساساً على تأمين فرصة للمجتمع بأن يختار ممثلين عنه في الحكم.

أي أن المخرج الطبيعي هو في تنظيم دورة لانتخاب أعضاء جدد في مجلس النواب ينالون فيها ثقة الناس، فيتولون بدورهم منح هذه الثقة إلى السلطات والمؤسسات التنفيذية ضمن الآليات الدستورية في الدولة، التي تقوم بطرح الحلول والخطط للخروج من الأزمة الحالية وما سيليها، اقتصادياً واجتماعياً ومعيشةً. ويبقى الكل رهن محاسبة الناس في شارعهم ومن خلال مؤسسات الرقابة والعدل.

وليكن طرح هذه الأفكار والخطط هو البرنامج الذي يترشح على أساسها من يرغب في تحمل تلك المسؤولية، ويختار الناس من بينهم من يقنعهم بأنه محل ثقتهم وأهل لتطبيق ما يتناسب مع طموحهم في التغيير، وفي تأمين حياة كريمة ودولة عصرية تلبي وتحقق هذا الطموح.

Exit mobile version