طلال سلمان

قصتي مع “السفير”

قصتي مع “السفير” بدأت منذ حوالي أربع وعشرين سنة، وتحديداً في 11 أيار 1993 عندما نشرتْ الجريدة، ما أعتُبر يومئذٍ سبقاً صحفياً، ترجمةَ وثيقةٍ مأخوذة من ملف المفاوضات التي كانت جارية مع اسرائيل في واشنطن.
وقد كان للسلطة في حينه رأيٌ آخر اذ اعتبرت ان هذه الوثيقة المشمولة بطابع السرية تحتوي على معلومات يجب ان تبقى مكتومة حرصاً على سلامة الدولة.  فتحركت النيابة العامة، وبما كان يوليه إياها قانون المطبوعات من حق، أصدرت قراراً بوقف الجريدة عن الصدور لمدة أسبوع.
فور إعلان قرار وقف صدور “السفير”، أمَّت دار الجريدة وفود وشخصيات سياسية بينهم وزراء حاليون، منهم وزير الإعلام، آثروا التضامن مع “السفير” على التضامن الوزاري.  وكان لنقيب الصحافة في حينه، محمد البعلبكي ـ الذي فقدناه بالأمس ونفتقده اليوم كثيراً ـ نشاطاً بارزاً لمعالجة هذه القضية بعد ان أعلن في بيان مشترك مع نقيب المحررين بأن تعطيل السفير لا تقبل به الصحافة ـ هي التي كانت دائماً وستبقى ضد التعطيل الاداري والتوقيف الاحتياطي واستمرار تعطيل المطبوعة حتى صدور الحكم.
وما لبثت قضية “السفير” ان تحولت من توقيف صحيفة عن الصدور بقرار قضائي الى معركة حريات بكل معنى الكلمة.
أما “السفير” فإنها لم تتوقف عملياً عن الصدور إذ صدرت في اليوم التالي للتوقيف بإمتياز جريدة “بيروت المساء”، بعنوان عريض على كامل الصفحة الأولى:
“لبنان ينتصر لـ السفير ضد تعطيلها”
وتحت هذا العنوان، بخط صغير، اسم جريدة “بيروت المساء”
على اثر هذا الحدث، أقامت وزارة العدل منذ أوائل العام 1994، ورشة عمل لتعديل قانون المطبوعات: وبعد عرض الموضوع على لجنة تحديث القوانين، اقترن المشروع الذي أعدته بقانون ألغى الحق الذي كان للمدعي العام بوقف المطبوعة، في حالات معينة، فترة لا تقل عن الأسبوع ولا تزيد عن الشهر الواحد.  وبقي للنيابة العامة حق مصادرة اعداد المطبوعة في حال نشرها ما يثير النعرات الطائفية او يُعرِّض سلامة الدولة للمخاطر.
وقد ذهب تعديل  قانون المطبوعات الى أبعد من ذلك عندما منع التوقيف الإحتياطي في جميع جرائم المطبوعات ـ ما جعل لبنان في مقدمة الدول التي تكفل حرية ابداء الرأي التي نص عليها الدستور، فعلاً لا قولاً.
فكأنما “السفير”، من دون ان تدري، دفعت مسبقاً ضريبة الحرية التي تنعم بها اليوم الصحافة في لبنان!
لا بد لي، قبل ان أنهي الكلام عن هذه الحادثة، أن أشير الى ان “السفير” نشرت في عددها الصادر في 22 آب 1994، على صفحة كاملة، مقابلة أجرتها معي كوزير للعدل مع عنوان مثير:
“السفير تحاور صاحب قرار توقيفها وإحالتها الى محكمة المطبوعات”
وقد أسَّس نشر هذه المقابلة التي تناولت كل القضايا العامة ولم تأت الا عَرَضاً على ذكر حادثة توقيف “السفير”، اسَّس لعلاقة مختلفة قامت على المودة والإحترام، وما تزال.

***

في العام 1993 عاندت “السفير” التوقيف القسري عن الصدور وصمدت في وجهه. وها هي اليوم تتوقف عن الصدور بملء ارادتها.  بملء ارادتها وليس بملء رضاها. والأكيد الأكيد ليس برضى المدمنين على قراءتها، وهم كثر.  هؤلاء باتوا يفتقدونها كل صباح.  يفتقدون كل أثنين السير “على الطريق” مع طلال سلمان، في معارج السياسة في لبنان والعالم وفي مأساة فلسطين الغالية على قلبه وعلى قلوبنا جميعاً.
ويفتقدون كل يوم جمعة “هوامش” تحمل نفحة أدبية محببة تلطِّف الأجواء التعيسة التي نعيشها، وتحمل معها أقوال “نسمة” ـ هذا الذي لم تُعرف له مهنة غير الحب ـ في العشق والحب وتجارب العشاق.
لعل من أجمل أقواله :
“حدَّثتني عجوز عن حبيبها الذي غاب.
بدأت بأسلوب الرواية ثم رقّ صوتها فصار همساً ثم انقلب هسيساً.
وحين رأت الدموع في عيني هتفت بفرح:
أنت عاشق يا بُني.
وأغمضتُ عينيَّ حتى لا تقرأ ملامح حبيبي.”
يقول طلال سلمان ان “السفير” هي عشيقته في العلن، هي الصديقة وحب حياته، وان أكثر ما يعزيه يوم إغلاق “السفير” مشاركة الناس وجعه. قد يبكي ويحزن، لكن عصر “السفير” في رأيه قد انتهى ويضيف ان “لكل حكاية نهاية”.
ويكتب في آخر اعداد “السفير” (ومَن أجدر منه بالكتابة عن هذه التجربة؟):
“اليوم، بعد 43 سنة وثمانية أشهر من السهر والعرق والدم، من مواجهة الغلط والانحراف والطغمة الفاسدة التي تحكم وتتحكم بالشعوب العربية والطبقة السياسية المهترئة التي تمنع لبنان من أن يكون، كما هو قدره وكفاءات أهله، درة الوطن العربي .. تجد “السفير” نفسها مضطرة لأن تغلق صفحاتها على ماضيها .. ويظل إيماننا ثابتاً بالله والوطن وبالناس الطيبين بناة الأوطان، حماة الغد ..”
واننا، مع طلال سلمان في خاتمة مقاله، نقول ان هذا ليس وداعاً، بل دعوة الى اللقاء قريباً في محطات أخرى ومناسبات أخرى لأن درب تحقيق الحلم والوصول الى ما نطمح اليه ما زال شاقاً وطويلاً.

كلمة القيت في الحفل التكريمي لجريدة “السفير” الذي اقامته جمعية التخصص والتوجيه العلمي في 2017/3/23

Exit mobile version