طلال سلمان

قراءة سياسية لتدهور الليرة: الاضراب والسياسة

رمزي هو وضع الليرة، إنها نحن، إنها الدولة والحكم والحكومة والمؤسسات. ما يصيبها من تدهور واضمحلال وانعدام قيمة هو تجسيم لما يصيبنا نحن بالذات. إنها صورتنا وعنوان حالتنا وملامح مستقبلنا البائس.

وسياسي إلى أقصى حد هو وضع الليرة، أما المعطيات الاقتصادية فتأتي في الدرجة الثانية أو حتى العاشرة.

ولأنه شأن سياسي فقد سمحنا لأنفسنا أن نتحدث فيه متجاوزين الاختصاص، خصوصاً وإن أخواتنا الاقتصاديين هم الأعرق في علم السياسة!

….

المشكلة سياسية والعوارض، أو النتائج اقتصادية.

ولأن المشكلة سياسية، أولاً وأخيراً، فمسؤوليتها معقودة اللواء للمسؤول السياسي الأول في البلاد، رئيس الجمهورية، ثم بعده يمكن الحديث عن مسؤولية “الأفرقاء” شرقاً وغرباً، الذين ربما كانوا بين المستفيدين من استمرار الأزمة ومن تعقيداتها ولكنهم – وبغض النظر عن ادعاءاتهم – يحتلون المرتبة الثانية والثالثة وما بعد…

ثم إن دهاقنة الاقتصاد والمال والأعمال لا يقلون مسؤولية وإفادة من السياسيين، بل  لعل بعضهم يتقدم على “الزعماء”، دون إغفال حقيقة إنهم – في الغالب الأعم – شركاء دفنوا “الشيخ زنكي” معاً، وأتقنوا لعبة أن يسبقونا على الشكوى والتذمر من سوء الحال والاقتراب من حافة الجوع.

بالمقابل فإن ثمة من يلعب لعبة خطيرة ملخصها: طيب!! طالما إنهم يعملون لتدمير البلاد والعباد فلنسبقهم إلى أداء هذه المهمة “الجليلة” !! يا الله… علي وعلى أعدائي يا رب!! ولنثبت إننا الأمهر والأشطر والأقدر على توظيف هذه الكارثة في خدمة أهدافنا نحن بدلاً من أن تكون في خدمة أغراضهم الخبيثة!

ومن الواجب التنبيه إلى مخاطر لعبة الاضرابات والاندفاع فيها في اتجاه المجهول، وإلى تقسيم الضحايا معسكرين يقتل بعضهم بعضاً بينما “الجناة” والمستفيدون بألف خير: أرصدتهم في الخارج أصلاً، ومنذ أمد بعيد، ومصالحهم مؤمنة حتى لو قضى آخر اللبنانيين نحبهم جوعاً، وأرباحهم تتزايد حتى لو تناقصت مساحة لبنان إلى حد الاندثار.

إن التلفيق لا ينفع في طمس الجريمة والمسؤولية عنها،

وإعادة اكتشاف الحقائق الطبقية لا تفيد في طمس العوامل السياسية أو المسؤوليات السياسية للقيادات جميعاً، ودائماً بدءاً برئيس الجمهورية.

إن الداعين إلى الإضراب والمتحمسين له والمحتدشين في ساحة المطالبة بالمطالب الأبدية لبعض الفئات خليط عجيب غريب وهجين ومتناقض الأهداف السياسية.

ومن التبسيط القاتل أن يقال إن الحقائق الطبقية في بلد يكاد يكون بلا طبقات محددة، بالمعنى العلمي، قد طغت على عوامل الانقسام السياسي.

إن تزايد عدد المتحمسين للإضراب، والداعين إليه، يفرض شيئاً من التدقيق في استهدافاته.

إنه إضراب سياسي، أولاً وأخيراً،

فلندقق في وجهته السياسية، في طبيعة القوى الداعية إليه، وفي النتائج السياسية المحتملة له.

فلا أحد يُضرب من أجل أن يبعد الرغيف أكثر عن مدى تناوله،

ولا أحد يُضرب لأهداف تناقض طموحاته السياسية.

فهل ثمة مجال بعد لقليل من التعقل بحيث يظل المسؤول هو المسؤول ولا تضيع الطاسة ويضيع ما تبقى من أهداف وأمنيات وأحلام في وقف الانهيار بعد حين؟

….

إنها ساعة للجد واحترام جوع الجائعين، وليست فرصة لأن يزرع السياسيون في رأس بعض القيادات النقابية أوهاماً سلطوية تسرّع وتيرة الانهيار وتفاقم أسباب الانقسام والاقتتال الأهلي.

فالرئاسة، الآن، السبب الأول في الكارثة التي تطحننا،

ولسنا نريد أوهام الرئاسة، في غد، سبباً لاستمرار الكارثة حتى اندثار آخر مواطن وآخر شبر في الوطن.

مقاطع من مقال نشر في جريدة “السفير” بتاريخ 29 تشرين الأول 1987

Exit mobile version