طلال سلمان

عن المبدعين الثلاثة: بهاء والتوني وبهاجيجو

عرفتُ حلمي التوني الفنان المبدع رسماً عبر لوحات تكاد تشكل بذاتها مدرسة للفن الجميل، بقدر ما أكدت أغلفة الكتب والمجلات رؤيته الجديدة المميزة، بل الفريدة في قدرتها على تقديم الابداع المختلف عبر فلسفة خاصة ترى أن غلاف الكتاب ليس لوحة تزيينيه بل عليه أن يكون إضافة إلى رؤية الكاتب توضح ما تركه غامضاً ليعطي القارئ متعة المشاركة في “انتاج” الكتاب وضمه إلى مكتبته بشيء من الاعتزاز.

بدأت علاقتي مع حلمي التوني وهو في دار الهلال، رديف رئيس التحرير والمدير العام للدار العريقة الأستاذ احمد بهاء الدين.. وهي الدار التي اسسها لبنانيون (جرجي زيدان)، والتي يصدر عنها مجلة “المصور” والمجلة النسائية “حواء”، كما تصدر الكتب او تعيد نشر مؤلفات مؤسسها.

كان “ثالثهم” رسام الكاريكاتور ـ والأطفال ـ الذي لم يُعرف له شبيه او مثيل: بهجت عثمان الشهير بـ”بهاجيجو” وهو ملك الظرف وسيد جلسات السمر، والطرف الثالث في تميز مجلة “المصور”، خصوصاً عندما باشر انتاج لوحات على مدى الصفحتين تلخص طبيعة الحياة بالاقتصاد والسياسة والاجتماع فيها مع ظرف يُضحك الثكلى ويهز ضمير المهتمين بأوضاع بلادهم ومستقبلها.

ولقد عرفت دار الهلال تحت رئاسة احمد بهاء الدين عصرها الذهبي، فهو المثقف والمفكر والكاتب القدير، والمراقب الهادئ وثاقب النظر لمجريات الامور.. ثم انه كان عربي التوجه تقدمي الموقف.. وهكذا فان دار الهلال بمطبوعاتها المختلفة، ولا سيما “المصور” قد باتت مجلة طليعية ينتظرها القارئ العربي في الخارج بقدر ما ينتظرها المصريون كل خميس.

كذلك فقد اسهمت دار الهلال في تأسيس مكتبة ممتازة لمتابعي انتاجها المميز.

كان المبدعون الثلاثة: بهاء والتوني وبهاجيجو يترددون باستمرار على بيروت ولهم فيها صداقات وعلاقات ود مع من عرفهم وعرفوه في القاهرة.

ولسوف يتبدل المشهد بعد غياب جمال عبد الناصر وانقلاب انور السادات على الثورة، واعادة تحكيم من والوه وتنكروا لماضيهم بالمؤسسات، لا سيما الصحافة.. وهكذا جيء بمصطفى امين إلى دار الهلال فغادرها المبدعون كل إلى حيث وجد فرصة تحمي كرامته وتعطيه فرصة للعمل في مكان يحترم الكفاءة والخبرة.

ذهب احمد بهاء الدين إلى مجلة “العربي” في الكويت.. وفتح المجال امام حلمي التوني الذي كان قد انصرف إلى ابداع اغلفة الكتب المحترمة والمجلات ـ الكتب مثل “وجهات نظر” التي اصدرها ابراهيم المعلم عن دار الشروق في القاهرة. كذلك انصرف بهاجيجو إلى الرسم للأطفال في بعض اقطار الخليج..

ويمكن، الآن، أن تعرف قيمة الكتاب من رسوم حلمي التوني.

في وقت لاحق سيعمل حلمي على تزيين سلسلة من كتب الاطفال في بيروت..

ولقد غادرنا احمد بهاء الدين وهو في ذروة عطائه..

كذلك غادرنا بهجاجيو كارهاً أن يتخلى عن رفاق العمر ويتركهم لهموهم الثقيلة.

أما حلمي التوني الذي جاء “في الساعة الصفر” إلى بيروت لينقذنا في “السفير”، حاملاً في لفافة صغيرة “الحمامة” بلون البرتقال، رمزاً لفلسطين، كإكمال لشعارها الأثير “صوت الذين لا صوت لهم”.


في هذه اللحظة، نتمنى لحلمي التوني سرعة الشفاء من وعكة المت به بعد سقطة كسر فيها ذراعه اليمنى.. وهو يعاني من آثارها بعد، ولكننا واثقون من قدرته على المقاومة، فهو جبار في عناده وحبه للحياة.

Exit mobile version