طلال سلمان

عن عرب ومخاوفهم لبنانية

يتنازع العرب شعوران متناقضان ومتكاملان حول لبنان:
} الاول مفاده ان هذا البلد الصغير يمتلك حيوية هائلة، وان شعبه المقبل على الحياة بوصفها مغامرة ممتعة، سيقدر دائماً على تجاوز الازمات والمصاعب، على كثرتها وحدتها وخطورة تداعياتها المحتملة،
ويستشهد اصحاب هذا المنطق بوقائع من يوميات بيروت وسائر لبنان، بينها عمران ما بعد الحرب، ومهرجانات الفرح التي كانت طليعتها بل ربما الاعلان عنها بالصوت الاقوى حفلة مغني الاوبرا الاشهر لوتشيانو بافاروتي، امس الاول، في المدينة الرياضية المجددة.
} اما الشعور الثاني فهو الاشفاق على هذا البلد الذي ما ان يتغلب على ازمة حتى تدهمه ازمة جديدة اخطر من سابقتها واقسى، وان عودته الى ما كان لهم وما يريدونه له وفيه ومنه الان سيتأخر في انتظار ما لا يمكن تحديد موعد له، لان قراره في يد الاخرين الاقوياء الذين حاولوا ويحاولون وسيستمرون في محاولة توظيفه لخدمة مصالحهم وسياساتهم، وفي رأس القائمة الولايات المتحدة الاميركية واسرائيل و…. بعض »حلفائهما« من العرب!
على ان هؤلاء واولئك يتحدثون عن »لبنان المختلف« كضرورة عربية،
ثم ان الجميع يطالبون لبنان بالحرص على »مميزاته الحضارية« او سبقه في مجال الديموقراطية وحماية الحريات،
وحتى مع استبعاد المفاضلة بين الرؤساء والمسؤولين، حاليين وسابقين، فان نبرة تخوف على »الديموقراطية« تظلل احاديث هؤلاء العرب المحرومة غالبيتهم من ممارستها في بلادهم، حتى تلك التي لا يتوقف حكامها عن التباهي بانهم وفروا لها اعلى درجة او اطرف طراز من الديموقراطية.
لا يخاف العرب على لبنان من الفقر، وان كانوا ينظرون بقلق الى الازمة الاقتصادية التي يعاني منها الان… فلبنان يقولون لم يكن يوماً غنياً بماله، وانما كان باستمرار نموذجاً للنجاح في استجلاب المال وفي توظيفه، كما في استثمار »طبيعته الجميلة« وحسن ضيافته الخ…
لكن لبنان الناجح، في نظرهم، هو لبنان الحريات، فان هو حاول تقليدهم، لاي سبب، خسر »فرادته«، وصار مثلهم، في سياسته كما في اقتصاده (خصوصاً وان الدول العربية بمجملها تعاني ضائقة اقتصادية تتفاوت درجات حدتها بين قطر وآخر لكنها تشمل اقطارهم جميعاً بما فيها النفطية، بل لعلها في الاقطار النفطية احدّ بسبب الشح المباغت في الواردات بعد النهب الاميركي المنظم للمدخرات كما بسبب صفقات السلاح الخرافية التي استنزفت واسترهنت مداخيل المستقبل)..
ويقول العرب انهم كانوا يتعزون عن الصمت المفروض عليهم بالنقاش السياسي المفتوح دائماً، والصاخب احياناً، والطريف غالباً، في لبنان،
ويستشهدون في هذا المجال بانهم قد اخذوا يهجرون وسائل الاعلام اللبنانية، مكتوبة ومرئية، لانها باتت تشابه محطاتهم ارضية وفضائية وصحفهم التي لا تبلغهم ما يحبون ان يعرفوه »عن الداخل والخارج«..
اما »مجزرة القضاة« في صيدا فقد احدثت ما يتجاوز الصدمة ملامساً حدود الزلزال، عربياً.
لقد حركت مخاوف وهواجس، واعادت بعث »اشباح« وصور من الماضي الدامي والحزين، واكدت لمن كان قد غفل او نسي او تمنى ان ينسى ان »الحرب« على لبنان وفيه لما تنطفئ نارها تماماً، وان الخطر ما زال قائماً يتهدد »اللحمة الطرية بعد« والتي تحتاج مزيداً من الوقت لتترسخ ويصلب عود »السلم الاهلي«.
ومن قبل جريمة صيدا كان كثير من العرب يظهر تخوفه على القضاء في لبنان من »زجه في اتون السياسة، بالمخاصمات والمكايدات واختلاف الاغراض والمقاصد«، مما لا يستطيع القاضي لوحده ان يحسم فيه، فينهي الخطأ الناتج اصلا عن الممارسة السياسية ويطهر الفساد، لان المحاسبة الملتزمة بالقانون لا تستطيع ان تطال او تنال النوايا والمآرب، ولا هي تستطيع ان تتجاوز الدليل القاطع الى الاخذ بالظن والريبة، ولا هي تقدر على تجاوز المخالف الى المستفيد الفعلي من المخالفة، المتحصن غالباً وراء حصانة ظاهرها سياسي وباطنها طائفي، او المختفي وراء »المسؤولية السياسية« التي لا تطالها يد القضاء الا بشروط… مستحيلة!
اليوم، ومثل اللبنانيين يخاف العرب على القضاء في لبنان، مؤسسة ورجالا، ويرون ان جريمة صيدا اقسى ضربة وجهت الى مشروع الدولة، ويتخوفون من ان يكون لها ما بعدها.
والعرب يرون »ظلا إسرائيليا« فوق جريمة صيدا، وبعضهم كان يتوقع الا تترك إسرائيل اللبنانيين يهنأون بقدرتهم على تقديم النموذج الفذ لمقاومتهم ونجاحهم في اجبار المحتل (او عملائه) على الانسحاب بغير شروط، وكانوا يتخوفون من ان تضرب، في مكان ما، وبالاسلوب الاشد ايذاء،
وفي القاهرة، ووسط حشد من وجوه النخبة العربية، ارتفع صوت يقول للمشاركين اللبنانيين في ندوة »حقوق الانسان والتنمية«: انتبهوا، ستكون هناك ضربة ثانية وثالثة!.. ان انتصاركم في جزين ابهى مما تتصورون، ولن يبدأ باراك عهده وهو يجرجر هزيمة عميله انطوان لحد، بكل التساؤلات التي اثارتها في إسرائيل، عسكريا وسياسيا..
أما في الكواليس السياسية فكانوا يلحون في السؤال عن الاسباب التي يمكن ان تكون مقبولة لرفض مشروع القمة الخماسية، مع انهم كانوا يتهربون من تحديد معنى »دول الطوق« في ظل واقع ان اطرافا ثلاثة من اصل خمسة، يجيئون اليها مطوقين باتفاقات سبق ان وقعوها مع إسرائيل التي ما زالوا يتحدثون عنها وكأنها »داخل الطوق«، بينما يثقل على اللبنانيين والسوريين الشعور بأنهم وحدهم الآن »داخل الطوق« الذي بعض اطرافه عربية.
ثمة ترحيب عربي بالعهد الجديد، وثمة اعجاب بحيوية الرئيس اميل لحود وحركته النشطة، وثمة تقدير قديم ومتجدد للرئيس سليم الحص، لكن ذلك كله لا يمنع التساؤل عن »هذ الصمت السياسي المريب في لبنان«، وعن سبب غياب الحيوية السياسية التي كانت اعلانا عن »ديموقراطية ما« وسط الموات السياسي العربي شبه الشامل.
أهل النفط من بين العرب يبشرون بأن لبنان سيشهد زحفا من المصطافين، سعوديين وكويتيين، واماراتيين وقطريين، وان ظلت شكواهم قائمة من الغلاء الفاحش في لبنان،
لكنهم يريدون مع الهواء العليل شيئا من »طرائف السياسة اللبنانية« او بعض التعبيرات الكلاسيكية عن »الديموقراطية اللبنانية« التي يستغربون اعتراضنا عليها في بيروت بينما هم يرونها »الميزة الأولى والاخطر التي لا يقدر اللبنانيون نعمة التمتع بها«، بينما هم يقدِّرون ويتحسرون..
… ولا يجوز ان يكون بافاروتي صاحب الصوت الوحيد المرتفع في سماء بيروت، على جمال صوت هذا »التينور« الطلياني الذي سمعه من الفقراء المجاورين للمدينة الرياضية بالامتلاك او بالاحتلال او باللجوء، أكثر مما سمعه من حملة البطاقات الغالية!

Exit mobile version