طلال سلمان

طلال سلمان.. شاهد على زمن يختفي

يوم توجه “الفتى” (طلال سلمان) إلى صديقه محمد حسنين هيكل في القاهرة وسأله عن اسم السفير ومعناه وهو متردد بتبنيه. قال له هيكل. انت يا طلال من يصنع الاسم وليس العكس.. وولدت السفير في 26 آذار 1974.

ثلاثة آلاف وخمسمائة وثلاثة وسبعون يوما على قرار طلال سلمان باطفاء أضواء السفير. وما زال جمهور لبناني وعربي وازن يفتقد لهذه الصحيفة اللبنانية العربية. فما هو سرها؟

نعم، قرّرت صحف ومجلات سياسية وثقافية لبنانية كثيرة التوقف عن الصدور. وبمعزل عن الأثر الذي تركته كل واحدة منها في جمهورها، إلا أن الفراغ الذي تركته السفير لم يتمكن أحد من ملئه لا بل ما زال السؤال يتردد طوال عشر سنوات: لماذا أقفلت السفير أبوابها وهل يمكن أن تعود للصدور يوما ما؟

سر السفير نفسه يحيلنا إلى سر طلال سلمان وسحره. ابن الدركي الذي نزل من البقاع إلى بيروت بعد أن ناوله والده مبلغا من المال وقال له دبر راسك.. هذا الفتى وخلال أقل من عقدين من الزمن، صار علماً من أعلام الصحافة والثقافة في العالم العربي.

لن أتحدث عن علاقتي الشخصية بالأستاذ طلال سلمان. سأكتفي بالقول أنني أفتخر بكل دقيقة أمضيتها برفقة هذا الرجل منذ العام 1996 وحتى صيف العام 2023. سأقول أنني اعترضت على قرار اقفال السفير وما زلت معترضاً، لكنني احترمت رغبة الأستاذ طلال كما عائلته من بعده بأن يبقى اسم السفير عنوان التزام ومهنية. التزام بقضايا الشعوب العربية وأولها شعب فلسطين. مهنية تتكامل مع الالتزام. وهل هناك من هو أجدر من مهى زراقط بأن تكون عنواناً للمهنية والالتزام، حتى تضع بين أيدينا كتاباً لو تسنى للأستاذ طلال أن يطالع غلافه وصفحاته، لكان لسان حاله أن يناقش عنوانه: طلال سلمان صحافي من عصر مضى.

ليس المقصود من العنوان أن الزمن تجاوز طلال سلمان. بل القول إن النموذج الصحافي الذي مثّله طلال سلمان يكاد ينقرض. طلال سلمان كان ينتمي إلى عصر القضايا الكبرى. أن تكون ملتزما بمشروع سياسي وفكري وثقافي واجتماعي. طلال سلمان ينتمي إلى زمن كان فيه رئيس التحرير صاحب موقف ويذهب إلى حد المخاطرة بحياته مرة ومرتين وثلاث، فتصبح الجريدة جزءاً من المشهد السياسي والثقافي العام، والافتتاحية حدثاً سياسياً، والعلاقة مع القارئ علاقة ثقة طويلة لا علاقة لايكات و«نقرات» ومشاهدات.

طلال سلمان صحافي من عصر مضى. هو شاهد على عالم يختفي: القراءة. الكتابة. الكتاب. الصحيفة الورقية. الكاريكاتير. المطبعة. المقال الطويل. الميدان. العلاقات الشخصية. المقهى.

طلال سلمان ليس صحافياً انتهى زمنه؛ بل صحافي من زمن انتهت فيه شروط إنتاج صحافي مثله. هل كان غريباً أن يفعل طلال سلمان ما فعله في عز السفير؟

*كلمية ألقيت خلال اطلاق كتاب “طلال سلمان… صحافي من عصر مضى” ضمن فعاليات الدورة 67 لمعرض الكتاب العربي في بيروت

Exit mobile version