طلال سلمان

طفلة في الأربعين

عادت المضيفة مع مضيفة ثانية لإخلاء المكان من صحون الطعام وكؤوس الماء والمشروبات الأخرى ولتسأل أي نوع من الحلوى نفضل. اعتذرت عن عدم الرغبة في تناول الحلوى مكتفيا بلوح من الخشب تصطف عليه أنواعا من الجبن أتسلى بها والزبد المصاحب لها بقية الرحلة. رفيقة السفر الجالسة على يساري طلبت فنجانا كبيرا من القهوة الأمريكية، وأصرت أن يكون كبيرا. كانت كما فهمت بعد حين أنها تستعد لجلسة تحكي لي فيها قصتها مع سن الأربعين، وهو الموضوع الذي خمنت أن أكون مهتما بالكتابة فيه وعرضت أن تساهم فيه. ألمحت أن لديها ما تقول وعادت تؤكد أنها تريد أن تعفيني من إعادة صياغة حكايتها، وبصدق مباشر تريد أن تطمئن إلى أن قصتها تنشر بدون تدخل طرف ثالث. نظرت لي بطرف عينها لتسأل إن كنت جاهزا. أجبت بنعم ولكن لأي مهمة. ردت بسرعة لأملي عليك قصتي مع الأربعين من العمر.

***

“الأربعون. انظر إليّ يا سيّدي الكريم، نعم أراك تستغرب أننيّ أناهز الأربعين من العمر. كلّ من يلتقي بي يظن أنّني في أوائل الثلاثينات من العمر. لا أخفي عمري الحقيقي عندما يسألوني عنه، وإن كان بعض معارفي يستهجنون ذلك. لست غاضبة من حال بلوغي الأربعين من العمر وإن كنت ما زلت غير قادرة على استيعاب ذلك. كيف أستوعبه وأنا امرأة لم تخض غمار الحياة الفعليّة إلّا في الثالثة والثلاثين”.

استدارت نحوي لتتأمل وقع كلماتها بعينين دامعتين وقالت.. “عزيزي، السيدة الجالسة بجانبك لم يتعدَ عمرها الحقيقي السابعة عشرة. عمليّة حسابيّة في ظاهرها غير منطقيّة وإنّما هي الحقيقة الفعليّة”.

توقف القلم، وتوقفت هي عن الكلام. توقعت أن أغرقها بالأسئلة ولم أفعل. تركتها لحظة تطمئن إلى اهتمامي وفضولي لأعود بعدها إلى قلمي في إشارة لها بأن تستطرد واستطردت.

“أنحدر من أسرة محافظة. طفولتي كانت سعيد، أمضيتها بين المدرسة في المدينة والأقارب في القرية النائية. طفولة لم يشبها سوى التمييز في المعاملة التي لاحظتها منذ نعومة أظفاري بين الذكور والإناث، صغاراً وكباراً. كنت أغار من أشقائي وأعمامي وأخوالي للحريّة التي ينعمون بها ولانعتاقهم من القيود المفروضة على إناث العائلة. كانوا بنظري أقوياء وتمنيت أن أكون مثلهم. لذلك شعرت بفرح عارم في الثانية عشرة عندما استمالني أحد ذكور الأسرة دون سواي لإرضاء نزوات لم أكن أعرف فحواها في ذلك العمر. دفعت ثمن هذه الفرحة العارمة عشرين عاماً من حياتي وما زالت تبعاتها تمزقني حتى الآن. دامت نزوة قريبي صيفاً بأكمله لأستفيق بعدها على هول ما ارتكبت. أنزلت بنفسي أشدّ العقاب. فبرأيي كنت مذنبة كيف لا وأنا الأنثى موطن الشر والإغراء أغويته. ما كان مني إلّا أن حاولت القضاء على كلّ ما يربطني بجنس الإناث. قصصت شعري حتى أصبح رأسي حليقاً وتنكّرت بزيّ الرجال. قمصان وسراويل فضفاضة ساعدتني على إخفاء جسد بدأ يكتمل. كنت أردّد في قرارة نفسي وأكتب على أغلفة كراساتي عبارة وحيدة باللغة الفرنسيّة “لا أريد أن أكون امرأة”. نعم بالفرنسيّة اللغة التي كنت أتقنها وهربت عبرها من واقعي. أهملت دراستي وغصت في القصص والروايات التي كانت تنقلني إلى عوالم أخرى تنسيني ما ارتكبته. غضبي من نفسي كان شديداً ونكراني لجنسي كان قويّاً إلى درجة أنّهما تسبّبا بمشاكل صحيّة لا تُحصى. لم أخبر أحداً”.

“في السابعة عشرة دخلت متاهة الأطباء. ذهبت بنفسي إلى عيادة طبيب نفسي. هربت من المدرسة وبعت خاتماً من الذهب لتسديد كلفة الكشف. عشت منذ ذلك الحين مع مضادات الاكتئاب ومثبتات المزاج. غصت في ظلمات أفكاري السوداء. فكّرت مراراً بالموت وحاولت أكثر من مرّة الانتحار. لم يكن لديّ سبباً محدداً لذلك، جلّ ما أردته هو الهروب من المعاناة والموت. حاولت جاهدة ألا يلاحظني أحد أينما ذهبت متخفيّة خلف الصحف والكتب التي كنت ألتهمها. وفي خضّم كل ذلك سافرت إلى الخارج لمتابعة دراستي. زادت عزلتي وعانيت من مشاكل صحيّة إضافيّة وتسبّب خطأ طبيّ بزيادة كبيرة جدا في وزني. فكانت أوّل محاولة جدية لي للانتحار وأوّل تجربة في مستشفيات الأمراض النفسيّة. عدت بعدها إلى بلدي واستقريت بعيداً عن أهلي. انتقلت من عمل إلى آخر ومن معالج نفسيّ إلى آخر وازداد حبّات الدواء التي كنت أتناولها فناهزت الخمسة عشر حبة يومياً. عشت في تلك الأثناء قصتي حب أو هكذا كان ظني. انتهت كلاهما بزواج الحبيب من امرأة أخرى فكأنني كنت اختار شركاء أعرف مسبقاً عدم قدرتي على الارتباط بهم. كنت وما أزال أتهرب من أي ارتباط كان”.

***

رفعت القلم ونظرت إلى وجهها. لم يعجبني ما أراه. رأيت آلاما تتجمع حول العينين والشفتين. لمست أصابع ترتعش. طلبت منها أن تتوقف وطلبت لها مشروبا باردا. رفضت وأصرت على الاستمرار في أن تملي علي ما شاء لها أن تخرجه من عقلها عساه لا يعود. أشارت لي بأن أعود إلى قلمي وأنتبه لما تقول. كانت تقول وكأنها لم تتوقف، “استمر تخبطي في غياهب الاكتئاب ومجال مستشفيات الأمراض النفسيّة حتى الثالثة والثلاثين من العمر. ففي ذلك العام، اتخذت حياتي مساراً آخر. إذ قرّرت فجأة التخلّص من الوزن المفرط الذي تراكم على مر السنين فخضعت لجراحة تصغير معدة، وتعرّفت من خلال الفيسبوك على معالج نفسي هو الثالث والعشرين ضمن سلسلة المعالجين الذين قصدتهم، تمكّن من تفكيك مشاكلي وتخليصي من الذنب الذي رافقني على مدى عشرين عاماً. هناك وعلى يديه استعدت حياتي التي توقفت في سن الثانية عشر. لم يكن الأمر سهلاً بالنسبة إلي. كان عليّ من جهة تعلّم التعامل مع الطعام من جديد كطفل صغير (لن أنسى يوماً طعم ملعقة اللبن الزبادي الأولى التي تناولتها بعد العمليّة). ومن جهة أخرى تعلّم ما يعني أن أكون امرأة. فعلى مدى عشرين عاماً لم أشعر بانتماء لأيّ جنس كان. لم أكن امرأة ولا رجلا. عدت أسمح لشعري بأن ينسدل على كتفي. كان الإحساس بنسمات الهواء تتغلغل بين خصل شعري رائعاً ولن أنسى السعادة التي شعرت بها حين ارتديت فستاناً قصيراً مستمتعة لأول مرة بأشعة الشمس تداعب بشرة ساقي”.

“إلّا أنّ كل هذا التغيير لم يمر من دون بضعة عثرات. ففي بعض الأحيان لم أكن أعرف نفسي في المرأة الجميلة التي تنعكس صورتها أمامي في المرآة. استغربت في بادئ الأمر نظرات الإعجاب في عيون الآخرين من الجنسين. صورة المرأة الجميلة هذه أعادت إلى الواجهة مخاوف كان الظن أنها انحسرت في فترة السمنة. إذ بدأت ألمس إعجاباً ورغبة لدى الجنس الآخر. ماذا يريد منّي، هو السؤال الذي ظل يتوارد إلى ذهني عند سماعي أي إطراء حتى لو كان بريئاً. كنت أخاف من أي آخر يرى فيّ مجرد جسد. أزمة ثقة ما زلت أعاني منها حتى الآن. كما أنّني لمت نفسي كثيراً كيف لا وأنا أتخلى عن كلّ السنوات السوداء لأنساها. يا الله ، كم عانيت لأنسى كلّ تلك المعاناة؟!”.

“كانت بالفعل مرحلة عصيبة تجاوزتها. تألّقت خلالها مهنيّاً وجسديّاً. ولكن الصعوبة الأكبر التي واجهتها تمثّلت في التواصل والتعامل مع الآخرين في العمل وفي الحياة العاديّة. فأنا أثور وأنفعل كالمراهقين وأرغب في تغيير وتصويب كلّ ما حولي. سنوات العزلة الطويلة جعلتني أتحسس الخبث والمكر واستغربهما”.

“وإذ بي أستفيق يا جاري العزيز ورفيق هذه الرحلة القصيرة ولكن الممتعة لأجد أنني على مشارف الأربعين. هل تعقل ذلك؟ لم أعش حياتي. أشعر بأنني طفلة. سُرقت مني، أو بالأحرى سرقت أنا من نفسي عشرين سنة أظنّ أحياناً أنها ذهبت هباء، لأعود أحيانا وأذكّر نفسي بقوّتي وعزيمتي حين كان في وسعي الاستسلام للاكتئاب وظلماته ولكنّني لم أفعل، وصلت إلى الحضيض مرارا وفي كل مرة كنت أنهض.. لم يكن لدي هدف محدّد وإنما كنت أقف مجدداً وأهرب إلى الأمام حتى أصل إلى بر الخلاص بأقلّ ضرر ممكن. وحدي فعلت ذلك فأهلي لم يعرفوا حتى الآن إلا ببعض المشاكل الصحيّة التي عانيت منها”.

***

توقفت جارتي عن الكلام وتعلقت عيناها بالشاشة المثبتة في ظهر المقعد أمامها. تحولت بنظري من دفتري وقلمي إلى الشاشة نفسها حيث كان رجل وامرأة يتحابان في هدوء وسلام. من الشاشة استدارت لتواجهني بابتسامة رضاء وكلمات أنهت بها درس الإملاء.

“هذه قصتي باختصار مع الأربعين. أختمها بمزحة يكرّرها على مسمعي معالجي النفسي عندما آتى على ذكر معضلة عمري قائلاً: “أنت محظوظة يا ابنتي إذ ستكون روحك بعمر طفلة وأنت تعبرين الأربعين وبعمر الثلاثين عندما تبلغين الخمسين. ابتسمي فالحياة تخبئ لك مفاجآت سعيدة”.

***

ربطنا الأحزمة وتهيأنا للهبوط وتواعدنا على لقاء لم نحدد له مكانا أو زمانا.

تنشر بالتزامن مع جريدة الشروق

Exit mobile version