طلال سلمان

ضموا العدالة إلى لائحة المفقودين

هل رأى احدكم غودو؟ هل سمعتم صوته؟ هل قرر البقاء في المنفى؟

انتظروا غودو أكثر. لن يحضر اليوم، بل لن يحضر ابداً. غودو اللبناني يشبه العدالة اللبنانية المغيبة. الكل يطالب بها. يرجوها أن تحضر بكامل مهابتها وبكل تفرعاتها… عبث. العدالة لن تعرف طريقها إلى لبنان. هي لم تمت بعد، ولكنها “عدالة” قاتلة، ولا تقيم وزناً للمقتول.

تنتمي العدالة في لبنان إلى لائحة المفقودين. وهذه اللائحة تضم أسماء الاحباء الذين خطفوا في الحروب اللبنانية السالفة، والتي جرت على مرأى من القضاء والعدالة. أفضل حل اخترعته العدالة، الموضوعة تحت امرة السياسة، هو العفو التام عن القتلة، الذين منحوا صك براءة، تام ومبرم ونهائي، ليتولوا السلطة وليكونوا أعمدة النظام، وليتبوؤوا السلطة القضائية.

لا تعولوا على القضاء، لا كثيراً ولا قليلا، لقد تم القضاء على القضاء، من اللحظة التي اغتيلت فيها العدالة، مرة بعد مرة، او باختصار مراراً. لبنان، “دولة”، بلا قضاء. وهذا الذي يتحرك امامنا اليوم، هو قضاء مأمور، برتبة نفَذ ولا تعترض. السجل الاحتفالي بالقضاء حافل بالأقوال والمدائح و”الروب” الاسود، ولكنه سيء الحظ، لأنه في مرتبة المأمور لا في سدة الأمرة.

لست من اخترع هذا الكلام. لقد حفظنا عن ظهر قلب، كل ما ينعت به القضاء. من يمدحونه كذبة، ومن يتهمونه جبناء واذلاء. منطقيا، لا يعقل أن يكون لبنان في طريق الهاوية، وان تكون سجونه فارغة من المحكومين المفترضين، الذين يرتكبون الزنى السياسي علانية. ولا زعيم لبناني، كبير او وسط أو صغير، الا وفي ذمته عدداً من الارتكابات التي تخلده في السجن.

يا عالم، نحن في لبنان، إذا، نحن بحاجة إلى قضاء صارم، صافٍ، حاسم. لا يسمع الا صوت الحق… للأسف، لم نرزق الا جثة حية تحمل وشم القضاء.

بما اننا في لبنان هذا، بكل ما فيه من نكبات، فإنه من غير المنطقي ابداً، أن يكون القضاء في مرتبة امرأة قيصر، هذه المرأة لم تمر من هنا. الهنا، حالات زنى، تأباها امرأة قيصر.

اذا، لا نصدق أن جريمة العصر في لبنان، او الانفجار الرهيب في مرفأ بيروت، والذي هدم بلحظة واحدة، ثلث العاصمة، وقتل المئات وجرح الآلاف وشرد مئات الالوف… لا نصدق أن ما جرى ويجري وما صدر عن القضاء مؤخراً، سيؤدي إلى رواية حقيقية لجريمة العصر.

قيل، وبعض ” القيل” صحيح جداً، أن التحقيق، يقرأ من عنوانه. ما إن صدرت اولى الاشارات إلى من يفترضوا انهم على علم بكمين نيترات الامونيوم، حتى التأم شمل الطائفية، وبات اللبنانيون على وشك الاشتباك الطائفي. علت نبرة الدفاع عن المواقع، ونبرة اتهام “المرجع الاكبر” الذي لا يعوَل على حياده ابداً، لأنه انتقائي، ولا يهدأ الا إذا كسب الثلث المعطل وحظي بالوزارات المحظية والتي تحوم الشبهات…

عبث. حصون الحصانات وقفت في وجه الاستدعاء. ممنوع على القضاء أن يستدعي احداً. الوزراء والنواب والرؤساء هم فوق القانون ومحصنون جداً

لا تعولوا على عدالة او نصف عدالة. جريمة العصر، أكبر بكثير من جلاوزة النظام. تحتاج اولا إلى إفراغ السلطة من امرائها الطائفيين، وهذا من سابع المستحيلات. والدليل، أن قراراً واحداً صدر، ووجه باصطفاف تحت عنوان، يا غيرة الدين المربوط بالموقع والطائفة.

لا تنتظروا، ممن يختلفون على كل شيء، من اجل أن يحظوا بحصتهم كاملة، كما جرت العادة، أن يضعوا رأسهم تحت مقصلة العدالة.

أليس غريبا، او مستغربا، أن يكون لبنان الناس على حافة المجاعة والافلاس والتشرد والمرض والفوضى، وعصابات السياسة منشغلة فقط، بمكاسبها المزمنة، لتمنع لجنة التدقيق الجنائي؟ من هو الخرفان الذي يصدق أن تحقيقا سيجري؟ والسبب، أن الذي يملي السياسة من الآن فصاعداً، هو اللهب الطائفي الذي يَعُسُ في يباس الطائفية، القادرة على احراق الملفات ومن معها ومن عليها؟

كي لا نهتم بالتعميم، رجاء، اتحفونا بالإنجازات التي لم ترتكبها هذه السلطات الملتئمة حول الجثة، والمتناحرة حول الوليمة. دلونا على بصيص ضوء صغير في هذا النفق الرهيب الذي أدخلتنا فيه هذه السلطة المتناسلة، من مسلسل الحروب اللبنانية التي دمرت لبنان مراراً، مرة بحروب الاسلحة العسكرية، ومراراً بحروب الابتزاز.

لا.

لبنان باق بلا حياة، طالما هو في احضان المرجعيات الطائفية المستنفرة. اللبنانيون الطائفيون يستعدون للأسوأ. المتاريس تلوح في الافق، وهذا الافق ليس بعيداً. يحتاج إلى شرارة. المناطق تتعسكر، ولو بسلاح منخفي. القوا نظرة على الشمال، وعلى طرابلس. تأملوا جيداً منطقة الجبل. حرف القاف يقرقع، و”الوليد” لا يفرنقع ابداً. بيروت الغربية وصيدا و.. على أهبة النهوض. قد يأتي وقت نودع فيها السير على الاتوسترادات المحروسة بالكاكي وما يترتب على لابسها من حمل للسلاح. إلى آخره.

هذه ليست اضغاث احلام.

ما بين الطوائف في لبنان، أكثر من انتقام. وهو قادر أن يطيح بما تبقى من لحمة الكيان.

هل نخاف؟

طبعاً. انه لا سهل أن يحرق البلد، من أن يدخل مرتكب من طائفة إلى السجن، بعدالة، ترى بعين واحدة.

اختصر: اننا لا نستحق أن نكون دولة، ولا وطنا، ولا لإقامة بلا سياسة.

صحيح أن العلمانيين فازوا في امتحان الديموقراطية، ولكن الطائفيين يستعدون لامتحان الحسم… عسى أن يتأجل.

سؤال للقراء: هل تعرفون متى ستولد الحكومة؟ قبل ام بعد الكارثة؟

Exit mobile version