لم يكن العقاب الجسدي غريباً عن جيلي وهو جيل السبعينات من القرن الماضي. كنت أصادف بعض أساتذتي في الشارع وهم يحملون دفاترهم وكتبهم بالإضافة إلى عصا صغيرة مغلفة بعناية بلاصق بلاستيكي. لم يكونوا أشراراً بطبيعة الحال، ولبعضهم فضل كبير على تلاميذه وطلابه، وأنا منهم، وأدين إليهم بالأبواب التي فتحوها أمامي وبعض شغف المعرفة الذي نقلوه إلينا.
تلقيت مع باقي الطلاب من زملائي، عدداً لا يستهان به من العصي التي ألهبت أيدينا الصغيرة، وبقي “الكف”من أكثر الذكريات المدرسية أثراً بما يحمله من إهانة.
في إحدى المرات، وكنت في الصف العاشر، سألت مدرس الديانة، وكان ضخم القامة مفتول العضلات (علمت فيما بعد أنه وأخيه كانا من أبطال المصارعة الرومانية وحمل الأثقال)، سألته كيف يمكن أن يحدِّدْ الشرع الزواج بأربعة بينما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بأكثر من ذلك؟ فما كان منه إلا أن صرخ في وجهي: أتشٍَبِهْ رسول الله بباقي البشر؟ ثم صفعني على وجهي.
أذكر أن يده الكبيرة لم تكتفِ بخدي وإنما غطَّتْ كل وجهي. لم يكن لدي أية وسيلة للرد سوى الصمت. قررت يومها كوسيلة دفاع وحيدة، ألا أنظر في وجه الأستاذ، وأمضيت بقية العام وأنا أنظر إلى كتبي أثناء درسه حتى عندما كان يوجه لي الكلام.
لا أشعر بأي حقد ولا أية كراهية نحو المدَّرس الجليل، لقد كانت هذه ممارسات الحقبة ولم يكن الضرب والتأديب الجسدي بعيدين عن مفاهيم مجتمعنا. هناك أهل يضربون أطفالهم ورجال يضربون زوجاتهم، وهناك أساتذة تضرب طلابها، ثم هناك شرطي يضرب مواطن، و هناك دوائر أمن تمارس التعذيب كوسيلة تأديب. و في كل الحالات لايملك متلقي السوط خيَّار مواجهة من يضربه، فهو يمثل سلطةّ ما لئن تكن أبوية أم تعليمية، قمعية أم سياسية.
عضو مجلس الشعب الذي نادى بضرورة الضرب (سنة نبوية على حدِّ زعمه) ليس حالة شاذة ولا فريدة، بل لعله يعبر عن آلية سائدة، تلك التي تعتبر أن تقويم الإعوجاج المفترض لا يتم إلا بفرض الاحترام القائم على القوة.
عندما دخلت الجامعة في باريس، لم أتمكن في البداية من التعامل مع أساتذتي كبقية الطلاب، وكنت أتوجه إليهم باحترام مبالغ، و أستغرب كيف يجادلهم رفاقي ويتوجهون إليهم بألفةٍ لم أعتدها. كان مثال الأستاذ كمصدر معرفة آتية من أعلى الهرم ماثلٌ في ذهني. ثم تعودت شيئاً فشيئاً على أن أكون أكثر عفوية معهم.
ساعدتني عبارات عادية سمعتها من أساتذتي مثل: آه.. لم أكن أعرف هذا، لقد علمتني شيئاً جديداً اليوم أو اعذرني لقد أخطأت هنا…
لا أريد عقد مقارنات، فالتعليم في فرنسا كما في بقية الدول الكبرى، عرف أيضاً حقبة الزجر والضرب، ومع أن منع العقوبات الجسدية تم قانونياً في العام ١٨٨٧، إلا أنه استمر حتى مابعد منتصف القرن العشرين مع حالات تقلص عددها شيئاً فشيئاً. ومنذ العام ٢٠٠٠ يذَّكر النظام الداخلي لأي مدرسة على منع الإهانة الجسدية واللفظية لأي طالبٍ أو تلميذ.
المجتمع، ضمن آلية تطوره، يفرض مفاهيماً أخرى ثبتت أو يثبت جدواها مع التجارب المُعاشة، منها مثلاً أن المتلقي يُعطي أيضاً، وأن المعرفة والتربية عمليات تبادلية، ترفد نفسها باستمرار.
لا أعرف إن كان أستاذ الديانة لايزال على قيد الحياة، أتمنى ذلك، وأتمنى له طول العمر والصحة. لا أعرف كيف أصبح مع كل ماجرى في سوريا وعليها. ربما تغير وأصبح أكثر ليونة، وربما بقي على قناعته أن تقويم الإعوجاج يتم بيده التي ربما فقدت بعض قوتها. مهما يكن، له محبتي. لقد حفَّزني دون أن يدري هو وربما دون أن أعي أنا تماماً، على البحث عن الأسئلة والأجوبة من مصادر مختلفة لاتعتمد على الزجر بالضرورة. تعلمت أيضاً أن الأسئلة تبقى أشد ضرورة من الأجوبة الجاهزة.
في زمن الحيرة والتحولات الذي نعيشه، قد يكون السؤال عما نفعله من أجل الأجيال القادمة أهم أسئلتنا، فقد عاش جيلي أياماً صعبة، لكنها لا تقارن بما نتركه اليوم للأجيال القادمة من أزمات ومصاعب وهو ما لن تحًُله ضربة كف أو عصا تأديب كما يعتقد السيد النائب المكلف تكليفاً بحماية مصالح الناس دون خيزران…والله أعلم!
